Top
Image Alt

مدى حرية التصرف ومعنى الحرية في الإسلام

  /  مدى حرية التصرف ومعنى الحرية في الإسلام

مدى حرية التصرف ومعنى الحرية في الإسلام

لما تحقق فيما مضى أن المساواة من مقاصد الشريعة الإسلامية، لزم أن يتفرع على ذلك، أن استواء أفراد الأمة في تصرفهم في أنفسهم مقصد أصلي من مقاصد الشريعة، وذلك هو المراد بالحرية، وجاء لفظ “الحرية” في كلام العرب مطلقًا على معنيين، أحدهما ناشئ عن الآخر: المعنى الأول: ضد العبودية: وهي أن يكون تصرف الشخص العاقل في شئونه بالأصالة تصرفًا غير متوقفٍ على رضا أحدٍ آخر. المعنى الثاني: وهو ناشئ عن الأول بطريق المجاز في الاستعمال، ومعناه: “تمكن الشخص من التصرف في نفسه وشئونه كما يشاء دون معارض”، هذا هو معنى الحرية الذي نشأ عن المعنى الأول، ويقابل هذا المعنى الضرب على اليد أو اعتقال التصرف، وهو أن يجعل الشخص الذي يسوء تصرفه في ماله لعجزٍ، أو لقلة ذات يد، بمنزلة العبد في وضعه تحت نير إرادة غيره في تصرفه. وكلا هذين المعنيين للحرية جاء مرادًا للشريعة الإسلامية؛ إذ كلاهما ناشئ عن الفطرة؛ وكلاهما يتحقّق فيه معنى المساواة التي تقرّر أنها من مقاصد الشريعة؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”، أي: فكونهم أحرارًا أمر فطري طبيعي. فأما المعنى الأول -الحرية ضد العبودية- فإطلاقه في الشريعة مقرر مشهور، ومن قواعد الفقه قول الفقهاء: “الشارع متشوِّف للحرية” أي: أن الشارع يرغب ويُحثّ على الحرية؛ فذلك استقراؤه من تصرفات الشريعة، التي دلّت أن من أهمّ مقاصدها إبطال العبودية، وتعميم الحرية، فالحرية مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية المهمة. فمن الاستقراء حصل لنا العلم: بأن الشريعة الإسلامية قاصدة بثّ الحرية بمعنى عدم العبودية؛ وأما المعنى الثاني فله مظاهر كثيرة في الإسلام هي من مقاصد الإسلام، وهذه المظاهر تتعلق بأصول الناس في معتقداتهم، وأقوالهم، وأعمالهم، ولكل ذلك قوانين وحدود حدّدتها الشريعة، لا يستطيع أحد أن يحملهم على غيرها؛ ولذلك شدد الله تعالى النكير والتقبيح على قومٍ أشارت إليهم آية: {قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32]، فشمل قوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تحريم المباحات، فحرية الاعتقادات أسسها الإسلام بإبطال المعتقدات الضالة، التي أكره دعاة الضلالة أتباعهم ومريديهم على اعتقادها دون فهمٍ ولا هدًى ولا كتابٍ منير، وبالدعاء إلى إقامة البراهين على العقيدة الحقّة، ثم بالأمر بحسن مجادلة المخالفين، وردهم إلى الحق بالحكمة والموعظة وأحسن الجدل؛ حيث قال: {وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. ثم ينفي الإكراه في الدين: وقد تكلم عن الإكراه في الدين، الطاهر بن عاشور في كتابه: (أصول نظام الاجتماع الإسلامي): ولولا أنّ من أصول الشريعة حرية الاعتقاد، ما كان عقاب الزنديق الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان غير مقبولة فيه التوبة؛ إذ لا عذر له فيه. وأما حرية الأقوال، فهي: التصريح بالرأي والاعتقاد في منطقة الإذن الشرعي، وقد أمر الله تعالى ببعضها في قوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). ومنها أيضًا: حرية العلم والتعليم والتأليف، ولقد ظهرت هذه الحرية في أجمل مظهرٍ في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام؛ إذ نشر العلماء فتاواهم ومذاهبهم، واحتجّ كل فريقٍ لرأيه، ولم يكن ذلك موجبًا لمناواةٍ ولا لحزازات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نَضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقهٍ ليس بفقيه)). ولولا اعتبار حرية الأقوال لما كانت الإقرارات، والعقود، والالتزامات، وصيغ الطلاق والوصايا، مؤثرةً آثارها؛ ولذلك يسلب عنها التأثير متى تحققت، أنها صدرت في حالة الإكراه وعدم الرضا. وأما حرية الأعمال: فقد تكون في عمل المرء في خويصته، وفي عمله المتعلق بعمل غيره، فأما الحرية الكائنة في عمل المرء في الخويصة فهي تدخل في تناول كل مباح، ونريد بالمباح هنا المأذون فيه ولو بالعموم، فيدخل فيه المكروه؛ لأن المكروه مأذون في فعله؛ فإن من فعل المكروه فلا يعاقب عليه. ومن تناول المباح، الاحتراف بأنواع الحرف المباحة، والنزول بالمواطن المأذون في نزولها، وتناول ما أبيح للناس من الماء والكلأ، والتصرف في المكاسب بالوجوه المباحة. وأما الحرية الكائنة في عمل المرء المتعلق بعمل غيره؛ فالأصل فيها أنه مأذون فيها إذا لم تضرّ بغيره، وهذا المقام يتحقق فيه معنى الجمع بين فرعين من مقاصد الشريعة، وهما: حرية العمل الذي لا يتجاوز عامله، وحرية العمل الذي يؤثر في عمل غيره تأثيرًا لا إضرار فيه. ثم إن للشريعة حقوقًا على أتباعها تقيد حرية تصرفاتهم بقدرها، وذلك في صلاحهم في الحال أو في المستقبل، مثل إلزامهم بإقامة المصالح العامة، كفروض الكفايات، أو بإقامة مصالح من جعلت الشريعة مصالحهم موكولة إلى شخصٍ معين، كنفقة القرابة، ومتى تجاوز المرء حدود حريته في هذا النوع أوقف عند الحد الشرعي. واعلم: أن الاعتداء على الحرية نوع من أنواع الظلم؛ ولذلك لزم أن يكون تمحيص مقدار ما يخوّل للمرء من الحرية في نظر الشارع موكولًا إلى ولاة الأمور، المنصوبين لفصل القضاء بين الناس؛ فلذلك كان انتصاف المعتدي عليه بنفسه لنفسه ظلمًا يستحق التعذير، قال تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فّي الْقَتْلِ إِنّهُ كَانَ مَنْصُوراً} [الإسراء: 33]. استجلاء مفهوم الحرية كما تريده الشريعة باستعراض آراء العلماء: تحدث ابن عاشور عن مسألة الحرية ضمن علم المقاصد، وخصها بفصلٍ عنون له “مدى حرية التصرف عند الشريعة، ومعنى الحرية ومراتبها”، فكان هذا العمل بمثابة خطوة في طريقٍ ما زال يحتاج المزيد من سبر أغواره. ماهية الحرية عند علال الفاسي: يقول علال الفاسي في تعريف الحرية: “الحرية الإسلامية جعل قانوني يتفق مع إنسانية الإنسان وفطرته، وليست حقًّا طبيعيًّا يستمد من غريزة الرجل المتناقضة”. تستخلص من هذا التعريف عدة ملاحظات هي: أولًا: إن الحرية عند علال الفاسي، مقيدة بوصف الإسلام، أي: أن مفهومها صيغ داخل هذا الوصف. ثانيًا: أن الإنسان في نظره ما كان ليبلغ نيل حريته على الصيغة التي أرادها الإسلام لولا الوحي المنزّل من السماء. ثالثًا: أن الحرية ليست هي فعل الشخص ما يشاء وتركه ما يشاء، فإن ذلك يعد مسايرةً لطبيعة الشهوانية، وليست فيه استجابة للقانون الإلهي الذي يحكم تركيب الكون والوجود؛ ولكن الحرية الحقة هي فعل الشخص ما يعتقد أنه استجابة لقانون التكليف الإلهي الذي يحقق ما فيه الخير لنفسه وللصالح العام. رابعًا: أن أول خطوةٍ يخطوها الإنسان في مجال الحرية، هي عند إيمانه بأنه مكلّف، وأنه مسئول أمام الله تعالى على ما كلِّف به. ماهية الحرية عند الخضر حسين: يقول في بيان مفهوم الحرية: هو أن تعيش الأمة عيشة راضيةً تحت ظلٍ ثابتٍ من الأمن، وعلى قرارٍ مكين من الاطمئنان، ومن لوازم ذلك أن يعيّن لكل واحدٍ من أفراده حدًّا لا يتجاوزه، وتقرر له حقوق لا تعرفه عند استيفائها يد غالبة. مما سبق عرضه لآراء العلماء حول مفهوم الحرية في ميزان الشريعة نستخلص: أن معنى الحرية لا ينضبط إلى بمقوماتٍ أربعة: الأولى: فك الرقاب من الاسترقاق، وتحرير الذات من الاستعباد، سواء ذلك في حق الأفراد، أو في حق الأمة. الثانية: تحقيق استقلال الإرادة الفردية في ممارسة تصرفاتها وتسهيل شئونها، دون التوقف على رضا طرفٍ آخر، وكذا ممارسة الأمة لحقوقها وواجباتها دون انتظار جهة أجنبية عنها. الثالثة: التزام الأمة والأفراد في تصرفاتهم وأفعالهم بالانضباط بقانون التكليف الإلهي. الرابعة: إقصاء جميع التصرفات التي يتعاطاها الأفراد في نهاية الأمر إلى تحقيق الصالح العام المشروع؛ انطلاقًا من تحقيق المصلحة الفردية المشروعة.

error: النص محمي !!