Top
Image Alt

مذاهب العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل: “المذهب الأول”

  /  مذاهب العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل: “المذهب الأول”

مذاهب العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل: “المذهب الأول”

ذهب جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء إلى أن الحديث المرسل حديث مردودٌ لا يُحتجُّ به مطلقًا، سواء كان الذي أرسله من كبار التابعين أو من صغار التابعين، وسواء كان يُرسل عن ثقة أو لا.

وجهة نظر من ردّ الحديث المرسل:

ترجع وجهة نظر من رد الحديث المرسل إلى الآتي:

  • الحديث المرسل إسناده منقطع، ومن شروط الحديث المقبول المعمول به أن يكون إسناده متصلًا، كما سبق ذلك مفصلًا.
  • الساقط من الإسناد مجهول العين والحال معًا، ومن شروط الحديث المقبول أن يكون كل راوٍ في إسناده معروفًا بالعدالة والضبط كما سبق، ومَنْ جهلنا عينه كيف نعرف حاله، فبطل الحديث المرسل، ووجب ردُّه للجهل بالواسطة بين التابعي الذي أرسله والنبي صلى الله عليه وسلم.
  • أجمع المسلمون على أن الشهادة على الشهادة لا يجوز فيها إلا الاتصال والمشاهدة، فكذلك الخبر يحتاج إلى الاتصال والمشاهدة؛ لأنه باب في إيجاب الحكم واحد.
  • لو جاز قبول المراسيل لجاز قبول خبر مالك والشافعي وأحمد ومثلهم إذا ذكروا خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون إسناد، ولو جاز ذلك فيهم لجاز فيمن بعدهم إلى عصرنا، ولزم من ذلك بطلان اعتبار الأسانيد التي هي من خصائص الأمة الإسلامية. وترك النظر في أحوال الرواة والإجماع منعقدٌ في كل عصر خلاف ذلك؛ فالبحث عن الرجال وأحوالهم لمعرفة من يُقبل خبره ومن يُردّ خبره أمر عني به المسلمون قديمًا وحديثًا، بل هو أمر خصَّ الله به المسلمين، وهو من أسباب سلامة الإسلام من التحريف.

ومع أن الذي أرسل الحديث من التابعين، ومن المحتمل أن يكون الذي أسقطه التابعي صاحبي، فيُحتمل أيضًا أن يكون من التابعين؛ لأن التابعين لم يتقيَّدوا في روايتهم عن الصحابة، بل روى التابعون عن الصحابة، كما روى التابعون عن التابعين أيضًا. وعلى احتمال أن يكون الذي سقط من الإسناد تابعيّ وهو ثقة عند من أسقطه، فيُحتمل أن يكون هذا التابعي الثقة روى هذا الحديث عن تابعي آخر؛ فقد يجتمع في إسناد الحديث الواحد أكثر من تابعي يروي بعضهم عن بعض، ويُحتمل أن يكون هذا التابعي الآخر ضعيفًا ولو من قِبَل حفظه، فإن التابعين ليسوا جميعًا ثقات، ولم يتقيَّدوا في روايتهم عن الثقات؛ بل صح أن التابعين رَوَوا عن الثقات وعن الضعفاء، وأن الذين حدثوا في زمن الصحابة والتابعين لم يكونوا جميعًا ثقات، بل حدث فيه الثقة وغير الثقة.

قال الحافظ ابن حجر: “المرسل وهو ما سقط من آخره من بعد التابعي وصورته أن يقول التابعي سواء كان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فُعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، أو نحو ذلك، وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يُحتمل أن يكون صحابيًّا، ويُحتمل أن يكون تابعيًّا، وعلى الثاني يُحتمل أن يكون ضعيفًا، ويُحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يُحتمل أن يكون تحمَّل الحديث عن صحابي، ويُحتمل أن يكون تحمَّله عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدَّد إما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وإما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجد من رواية بعض التابعين عن بعض.

فإن عُرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، بل ذهب جمهور المحدثين إلى التوقف؛ لبقاء الاحتمال وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما وهو قول المالكيين والكوفيين يُقبل مطلقًا، وقال الشافعي: يُقبل إن اعتُضد بمجيئه من وجهٍ آخر يُباين الطريق الأول مسندًا كان أو مرسلًا؛ ليترجَّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر.

ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية وأبو الوليد الباجي من المالكية أن الراوي إذا كان يُرسل عن الثقات وغيرهم لا يُقبل مرسله اتفاقًا، وقد استدلَّ من ردَّ الحديث المرسل بأدلة من الكتاب والسنة منها قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة: 122].

أخرج الحاكم بإسناده عن يزيد بن هارون قال: قلت لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن؟ فقال: بلى ألم تسمع إلى قول الله تعالى: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} فهذا فيمن رحل في طلب العلم، ثم رجع إلى من ورائه ليعلمهم إيَّاه.

قال الحاكم: “ففي هذا النص دليل على أن العلم المُحْتَج به هو المسموع غير المرسل، هذا من الكتاب، أما من السنة فروى الحاكم بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تسمعون ويُسمع منكم ويُسمع ممن يُسمع منكم)) الحديث أخرجه أبو داود والحاكم”.

قال الحاكم بعد أن استدل بحديث عبد الله بن عباس السابق: “والحديث مشهور مستفيض عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نضَّر الله امرأ سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)) أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث زيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح”.

قال الإمام مسلم: “والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة”، قال الخطيب البغدادي بعد أن ذكر آراء العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل: “والذي نختاره من هذه الجملة سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول”، والذي يدل على ذلك أن إرسال الحديث يؤدِّي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بينا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عُرفت عدالته؛ فوجب لذلك كونه غير مقبول.

وأيضًا فإن العدل لو سُئل عمن أرسل عنه فلم يعدِّله، لم يجب العمل بخبره؛ إذ لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره وتعديله؛ لأنه مع الإمساك عن ذكره غير معدِّل له، فوجب ألا يقبل الخبر عنه، فإن قيل ليس الأمر على هذا لأن إرسال الثقة تعديل منه لمن أرسل عنه، وبمثابة نطقه بتزكيته.

قلنا: هذا باطل من وجوه، أولها: أنه قد عُلم من حال العدول أنهم يُمسكون عن تعديل الراوي وجرحه، فإذا سئلوا عنه جرَّحوه تارة وعدَّلوه أخرى؛ فعلم أن إمساكهم عن الجرح ليس بتعديل، وكذلك إمساكهم عن التعديل ليس بجرح. ويدل على ذلك أيضًا أنه لو ساغ أن يقال: إن الإمساك عن الجرح تعديل؛ لساغ أن يقال: إن الإمساك عن التعديل جرح، وهذا باطل، وسيأتي لذلك مزيد بيان -إن شاء الله تعالى- في باب الجرح والتعديل.

قال الإمام النووي: “المرسل لا يُحتجّ به عندنا، وعند جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء وجماهير أصحاب الأصول والنظر”.

error: النص محمي !!