Top
Image Alt

مذهب الجهمية والمعتزلة في الإيمان

  /  مذهب الجهمية والمعتزلة في الإيمان

مذهب الجهمية والمعتزلة في الإيمان

نذكر رأي المعتزلة والجهمية في الإيمان، فنقول -وبالله التوفيق-:

أ. مذهب المعتزلة في الإيمان:

مذهب المعتزلة في الإيمان قريب من مذهب الخوارج؛ حيث جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، يقول السفاريني -رحمه الله- وهو يبين عقيدة المعتزلة في الإيمان: “والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد، والفرق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله، وهذا بالنظر إلى ما عند الله تعالى، أما بالنظر إلى ما عندنا، فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن بإقراره فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان، فالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان بالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر بالنظر إلى أنه فَعَل فِعْل الكافر، ومن نفاه عنه، فبالنظر إلى حقيقته، وأثبتت المعتزلة الواسطة كما مر، فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر.

وذكر الإمام أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- في (المقالات): أن الإيمان عند المعتزلة شيء واحد، فإذا ذهب بعضه زال كله،موافقة بذلك أهل الأهواء المخالفين لمذهب السلف في الإيمان، إلا أن بعضهم جعل الإيمان هو جميع الطاعات من فروضٍ ونوافل، وبعضهم قصره على الفروض دون الطاعات.

يقول أبو الحسن الأشعري -رحمه الله-: واختلفت المعتزلة في الإيمان ما هو على ستة أقاويل، فقال قائلون: الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها، فإن المعاصي على ضربين: منها صغائر، ومنها كبائر. وإن الكبائر على ضربين: منها ما هو كفر، ومنها ما ليس بكفر، وإن الناس يكفرون من ثلاثة أوجه: رجل شبه الله بخلقه، ورجل جوره في حكمه أو كذبه في خبره، ورجل رد ما أجمع المسلمون عليه من نبيهم صلى الله عليه وسلم نصًّا وتوفيقًا.

وقال هشام الفوطي: الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها، والإيمان على ضربين: إيمان بالله، وإيمان لله، فالإيمان بالله: ما كان تركه كفرًا بالله، والإيمان لله: يكون تركه كفرًا،ويكون تركه فسقًا ليس بكفر، نحو الصلاة والزكاة؛ فذلك إيمان لله، فمن تركه عن الاستحلال كفر، ومن تركه على التحريم كان تركه فسقًا ليس بكفر.

وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يزعم أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله سبحانه على عباده، وأن النوافل ليس بإيمان، وأن كل خَصلة من الخصال التي افترضها الله سبحانه، فهي بعض إيمان لله، وهي أيضًا إيمان لله، وأن الفاسق الملي مؤمن من أسماء اللغة بما فعله من الإيمان.  انتهى كلامه.

وقال الشيخ الحافظ الحكمي -رحمه الله-: وذهب الجبائي وأكثر المعتزلة البصرية إلى أنه -أي: الإيمان- الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل. وهذا أيضًا يدخل المنافقين في الإيمان، وقد نفاه الله عنهم، وقال الباقون منهم: العمل، والنطق، والاعتقاد، والفرق بين هذا وبين قول السلف الصالح: أن السلف لم يجعلوا كل الأعمال شرطًا للصحة، بل جعلوا كثيرًا منها شرطًا للكمال، كما قال عمر بن عبد العزيز فيها: من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، والمعتزلة جعلوها كلها شرطًا في الصحة، والله أعلم.  انتهى كلامه.

ب. مذهب الجهمية بالإيمان:

ذهبت الجهمية إلى أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، أي: مجرد المعرفة القلبية، وأن الكفر هو مجرد الجهل بالله تعالى فقط.

يقول أبو الحسن الأشعري -رحمه الله-: الذي تفرد به الجهم القول بأن الجنة، والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط.  انتهى كلامه.

وقال في موضع آخر، وهو يذكر عقائد الجهمية: “وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان. وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح.  انتهى كلامه.

وسئل الإمام أحمد -رحمه الله- وذكرت عنده المرجئة، فقيل له: إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن. فقال: المرجئة لا تقول هذا، بل الجهمية تقول بهذا. المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه، وإن لم تعمل جوارحه، والجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه، وإن لم تعمل جوارحه وهذا كفر، إبليس قد عرف ربه فقال: {رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39].  انتهى كلامه.

وقال ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: وذهب الجهم بن صفوان، وأبو الحسين الصالحي أحد رؤساء القدرية إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب، وهذا القول أظهر فسادًا مما قبله، فإن لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـَؤُلآءِ إِلاّ رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَآئِرَ} [الإسراء: 102]، وقال تعالى: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 104].

وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ولم يكونوا مؤمنين به، بل كافرين به معادين له، وكذلك أبو طالب عنده يكون مؤمنًا، فإنه قال:

ولقد علمت بأن دين محمدِ

*من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذارُ مسبةٍ

*لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا

بل إبليس يكون عند الجهم مؤمنًا كاملَ الإيمان، فإنه لم يجهل ربه، بل هو عارف به: {قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِيَ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [ص: 79]، {قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39]، {قَالَ فَبِعِزّتِكَ لاُغْوِيَنّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82].

والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب تعالى، ولا أحد أجهل منه بربه، فإنه جعله الوجود المطلق، وسلب عنه جميع صفاته، ولا جهل أكبر من هذا، فيكون كافرًا بشهادته على نفسه. انتهى كلامه -رحمه الله.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رده على مقالة جهم هذه: وقول جهم في الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله، بل السلف كفروا من يقول بقول جهم في الإيمان.  انتهى كلامه.

error: النص محمي !!