Top
Image Alt

مذهب الكرامية والخوارج في الإيمان

  /  مذهب الكرامية والخوارج في الإيمان

مذهب الكرامية والخوارج في الإيمان

قد قدمنا -في الدروس السابقة- مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان من حيث تعريفه، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأنه يجوز الاستثناء فيه، فإذا سئل المسلم أمؤمن أنت؟ فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

وذكرنا بعضًا من الأمور التي تعين على زيادة الإيمان وتقويته، كما ذكرنا أيضًا بعضًا آخر من أسباب نقص الإيمان وعوامله وتضعيفه.

وهنا نعرج على ذكر أقوال المخالفين لأهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان، ونذكر أقوال الفرق التالية: الكرامية، والخوارج، والمعتزلة، والجهمية.

ونقول -وبالله التوفيق-:

أ. مذهب الكرامية في الإيمان:

ذهب الكرامية في الإيمان مذهبًا مخالفًا لأهل السنة والجماعة، ومصادمًا لنصوص الشريعة؛ حيث جعلوا الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، فيلزم من قولهم هذا أن يكون المنافقون كاملي الإيمان؛ لأنهم يتلفظون بالشهادتين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11].

وقال تعالى فيهم: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}(8) {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}(9) {فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 8- 10].

وقال تعالى أيضًا: {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}(14) {اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}(15) {أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرُواْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ فَمَا رَبِحَتْ تّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 14- 16].

وهذا يؤدي إلى الاستهتار بالدين، فما دام الإيمان المطلوب من المسلم هو فقط التلفظ بالشهادتين، من غير شرط الاعتقاد الجازم في القلب بمدلول هاتين الشهادتين، ومن غير شرط اتباع الأوامر والنواهي وأداء العمل، كما هو مذهب السلف، ما دام الأمر كذلك، فليس في الدنيا منافق، ولا يكون متصورًا نفاق، ولعمرو الله إن هذا يؤدي إلى التلاعب بالشعائر التعبدية، وعدم تمايز المنافق من المؤمن، والمستهتر من الصادق.

يقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: وذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان، لكن يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله به، وقولهم ظاهر الفساد. انتهى كلامه.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رده على الكرامية الذين زعموا أن الإيمان هو مجرد الإقرار باللسان، وعلى الجهمية الذين جعلوه مجرد المعرفة القلبية: فتبين أنه إن كان الإيمان في اللغة هو التصديق، والقرآن إنما أراد به مجرد التصديق الذي هو قول، ولم يسمِّ العمل تصديقًا،فليس الصواب لا قول المرجئة: إنه اللفظ والمعنى، أو قول الكرامية: إنه قول باللسان فقط، فإن تسمية قول اللسان قولًا أشهر في اللغة من تسمية معنًى في القلب قولًا، كقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}، وقوله: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، وأمثال ذلك، بخلاف ما في النفس، فإنه إنما يسمى حديثًا.

والكرامية يقولون: المنافق مؤمن، وهو مخلد في النار؛ لأنه آمن ظاهرًا لا باطنًا، وإنما يدخل الجنة من آمن ظاهرًا وباطنًا، وأما من صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه، فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يدخل في خطاب الله لعباده بقوله: {يَآ أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 104]؛ فعلم أن قول الكرامية في الإيمان، وإن كان باطلًا مبتدعًا لم يسبقهم إليه أحد، فقول الجهمية أبطل منه، وأولئك أقرب إلى الاستلال باللغة والقرآن والعقل من الجهمية.

والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء، ولا يستثون في الإيمان، بل يقولون: هو مؤمن حقًّا لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقًا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطنًا وظاهرًا، ومن حكى عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة فقد كَذَب عليهم، بل يقولون: المنافق مؤمن؛ لأن الإيمان هو القول الظاهر كما يسميه غيرهم مسلمًا، إذ الإسلام هو الاستسلام الظاهر، فلا ريبَ أن قول الجهمية أفسد من قولهم من وجوه متعددة شرعًا ولغةً وعقلًا.

وإذا قيل: قول الكرامية قول خارج عن إجماع المسلمين، قيل: وقول جهم في الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله، بل السلف كفروا من يقول بقول جهم في الإيمان.

وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة، والحجج من جنسها على فساد قول الجهمية أكثر، مثل قوله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، قالوا: فقد نفى الله الإيمان على المنافقين، فنقول: هذا حق فإن المنافق ليس بمؤمن، وقد ضل من سماه مؤمنًا.  انتهى كلامه.

ب. مذهب الخوارج في الإيمان:

وذهب الخوارج ومَن وافقهم إلى أن الإيمان هو جميع الطاعات بأسرها فرضًا كانت أم نفلًا، فعندهم أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها شرط في بقائه، فمن عمِل معصيةً من الكبائر خرج من الإيمان، لكن الخوارج يذهبون إلى أنه كافر، أي: أن من ارتكب كبيرة، فهو كافر في الدنيا، ويوم القيامة هو خالد مخلد في النار.

يقول الدكتور عبد الله الطيار في رده على قول الخوارج بكفر مرتكب الكبيرة: وهذا القول فاسد مصادمٌ لنصوص الشريعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأتي إليه وفود العرب، فيسألونه عن الإسلام والإيمان، وكلما يقول له السائل في الفريضة: هل علي غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع شيئًا))، فجعل النوافل شرطًا من شروط الإيمان غير صحيح.

أما كون مرتكب الكبيرة يكون كافرًا فهذا باطل، باطل بنصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، فقد وصفهم الله بالإيمان، والأخوة مع أنهم يقتل بعضهم بعضًا، والقتل للمؤمن من كبائر الذنوب، ومع ذلك أمرنا الله سبحانه بالإصلاح بينهما، فالشارع الحكيم الذي نفى عن السارق والزاني والشارب اسم الإيمان، كما جاء في قول صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن)) متفق عليه.

الشارع نفسه لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام كما زعمت الخوارج، بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع، ولم يقتل أحدًا إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد، فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة؛ فدل على أنه إن نفى عنهم الإيمان، فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم، وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، وأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنبٍ ظاهر. انتهى كلامه.

ويقول أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- في ذكر مقالة الخوارج في الإيمان ومخالفتهم للسلف بتلك المقالة: أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات -أي: فرقة منهم- فإنها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا إلا النجدات.  انتهى كلامه.

إذًا ظهر لنا مخالفة الخوارج لأهل السنة، والجماعة في أن الإيمان قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص، وأن أهله متفاوتون فيه، يتفاضلون في درجاته؛ حيث ذهبت الخوارج إلى أنه شيء واحد، وهو جميع الطاعات والقربات، فإذا ذهب بعضه زال كله، كما هو رأي الجهمية والمعتزلة.

error: النص محمي !!