Top
Image Alt

مراتب الجرح والتعديل، وطريق إثباتهما

  /  مراتب الجرح والتعديل، وطريق إثباتهما

مراتب الجرح والتعديل، وطريق إثباتهما

مراتب ألفاظ الجرح التعديل:

ذكر الإمام الحجة ابن أبي حاتم الرازي -وهو من أشهر من صنف في علم الجرح والتعديل- أربع مراتب للتعديل، وأربع مراتب للجرح، وبين حكم كل مرتبة، وجاء الأئمة بعد ابن أبي حاتم فاعتمدوا ذلك التقسيم، لكنهم زادوا عليها مرتبتين في التعديل أعلى من الأولى عنده، ومرتبتين في الجرح هما أسوأ المراتب؛ فصارت كل منهما ستًّا، كما يتضح فيما يلي:

أ. مراتب ألفاظ التعديل:

مراتب ألفاظ التعديل كثيرة، العلماء لم يذكروا لفظًا واحدًا يصح أو يجوز التعديل به، بل ذكروا عدة ألفاظ كل لفظ منها صالح للتعديل، وهذه الألفاظ مرتبة ترتيبًا تنازليًّا، اللفظ الأعلى والأقوى ثم اللفظ الذي أقل منه، وهكذا…

فمراتب ألفاظ التعديل متعددة:

الأولى وهي أعلى المراتب: الوصف بأفعل التفضيل، يعني: لو قال المعدل: فلان أوثق الناس، فهذه أعلى المراتب في التعديل.

المرتبة الثانية: ما تأكد بصفة أو صفتين، فلو قلنا مثلًا: فلان ثقة ثقة، فعندي وصف وهو “ثقة” وأكدته بوصف آخر هو ثقة، فما تأكد بصفة أو صفتين، مثل: ثقة ثقة أو ثقة حافظ، فهذه المرتبة تأتي بعد المرتبة التي فيها الوصف بأفعل التفضيل، وهذه المرتبة أيضًا زادها الإمام الذهبي والعراقي، وذكرها ابن حجر في (نزهة النظر).

المرتبة الثالثة: وهي المرتبة الأولى عند ابن أبي حاتم، والثالثة عند غيره من الأئمة الذين جاءوا بعده: إذا قيل للواحد: إنه ثقة أو متقن فهو ممن يحتج بحديثه.

سؤال: ما الحكم إذا قلنا: فلان ضابط ضابط؟ الإجابة: يقبل؛ لأن الصفة الآن صارت مؤكدة بصفة مثلها، وإذا قلنا: فلان حافظ حافظ فكذلك.

المرتبة الرابعة: إذا قيل: إنه صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به. تأمل إلى الألفاظ والعبارات تجدها تنزل درجة أقل من المرتبة التي قبلها.

المرتبة الخامسة: إذا قيل: شيخ -يعني: في ترجمة راوٍٍ معين: فلان بن فلان بن فلان شيخ- فهل وصف هذا الراوي بأنه شيخ يُعد بمثابة التعديل له؛ وبالتالي أقبل حديثه وأقبل روايته؟

ابن أبي حاتم يقول: إذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية، ولك أن تسترجع وتستعيد المرتبة الثالثة، ماذا كانت؟ الثالثة هي أن تقول: فلان ثقة أو متقن فهو ممن يحتج بحديثه، فكذا إذا قلنا: فلان شيخ فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه وإن كان ينظر فيه إلا أنه دون المرتبة الثانية.

المرتبة السادسة: إذا قيل: فلان صالح الحديث -يعني: وأنت تقرأ في ترجمة راوٍ معين أو شخص معين فقابلتك هذه العبارة “فلان صالح الحديث” فهل وصف الراوي بأنه صالح الحديث أمارة على تعديله، وبالتالي يقبل حديثه؟ قال أهل العلم: إذا قيل: صالح الحديث فإنه يكتب حديثه للاعتبار.

ب. مراتب ألفاظ التجريح:

المرتبة الأولى: أن تقول في الشخص المجروح: فلان لين الحديث. قال ابن أبي حاتم: “إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارًا”.

إذن وصف لين الحديث وصف محتمل، والأكثر عند العلماء أنهم يكتبون حديث من وصف بأنه لين الحديث.

المرتبة الثانية: قولهم -أي: أهل الجرح والتعديل هذا الباب: فلان ضعيف أو فلان منكر الحديث أو فلان ضعفوه، وهو ممن يكتب حديثه للاعتبار، لكن دون المرتبة السابقة، فهذا يُكتب حديثه أيضًا للاعتبار، لكن مرتبته دون المرتبة السابقة لهذه المرتبة وهي التي يوصف فيها الراوي بأنه لين الحديث، ولعل السر في هذا أن وصف الراوي بأنه ضعيف، قد يظهر لنا قوة الراوي من وجه آخر، أو أن حديثه غير منكر، أو أن تضعيف بعض أهل الفن له قابله تعديل بعض أهل الفن له؛ لذلك هو ممن يكتب حديثه للاعتبار.

المرتبة الثالثة: قولهم: فلان ضعيف جدًّا، أو فلان واهٍ بمرة، أو فلان لا يكتب حديثه، هذه هي المرتبة الثالثة.

والمرتبة الثالثة -كما قرر أهل العلم- لا يكتب الحديث فيها، يعني: من وصف بوصف من أوصاف هذه المرتبة لا يكتب حديثه، ولا يعتبر به، ولا يتلفت إليه ولا تبنى عليه الأحكام.

المرتبة الرابعة: وهي أسوأ حالة من المرتبة التي قبلها: فهي قولهم: فلان متهم بالكذب أو الوضع، وهذه لا تحتاج إلى كثير فهم، فكل من يسمع هذه العبارة يستطيع أن يحكم بأن هذا الشخص لا يكتب حديثه ولا يعتبر به ولا يعول عليه.

المرتبة الخامسة: أن يقولوا: فلان كذاب، هكذا بالجزم والقطع واليقين.

المرتبة السادسة: ما يدل على المبالغة كقولهم: أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الكذب، يعني: حقق الدرجة العظمي في الكذب.

فهذه المراتب الأربع الأخيرة لا يُكتب حديثهم، ولا يُعتبر به باتفاق أهل العلم.

وعلى ضوء ما سمعت تستطيع إذا قابلتك عبارة من عبارات أهل الفن في التعديل أو في التجريح أن تحكم على هذا الراوي هل يقبل حديثه أو لا يقبل حديثه.

2. ممن يقبل الجرح والتعديل؟

إذا ما توفرت شروط الجرح والتعديل في الشخص فلا فرق في ذلك بين أن يكون هذا الشخص: رجلًا أو امرأة، حرًّا أو عبدًا، واحدًا أو أكثر؛ لأنه لا يعتبر في الرواية العدد ولا الذكورة ولا الحرية. هذا حكم إجمالي، لكن العلماء لهم تفصيل في هذه الجزئية نتناوله على النحو التالي:

هل يكتفى بواحد فقط في التجريح والتعديل؟.

المذهب الأول -مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة: يكفي واحد.

المذهب الثاني: لا بد من اثنين في جرح وتعديل الراوي ولا يكفي في ذلك الواحد، ودليلهم على ذلك القياس على الشهادة، فاعتبرها -يعني: الرواية- شهادة، فاعتبر فيها العدد.

المذهب الثالث: أنه يكفي الواحد في تعديل الراوي والشاهد؛ لأنه نهاية الخبر، وهذا المذهب نسبه بعض أهل العلم إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، ومفهوم هذا المذهب: أن الواحد لا يكفي في جرح الراوي والشاهد، بل لا بد من اثنين، والصحيح من هذه المذاهب هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.

ابن قدامة يقرِّر مذهب جمهور العلماء:

يقول -رحمه الله- في كتابه (روضة الناظر): اعلم -وهو الآن يقرر أنه يكتفى في الجرح والتعديل بواحد فقط- إذا كان المعدل واحدًا فتعديله مقبول وكافٍ، ولو كان المجرح واحدًا فتجريحه مقبول وكافٍ- فماذا يقول ابن قدامة؟ يقول: اعلم أنَّه يسمع الجرح والتعديل من واحد في الرواية، يعني: يكفي في مسائل الجرح والتعديل واحد ليس من عادته -أي: عادة هذا الواحد- أن يتساهل في التعديل أو يبالغ في الجرح، بل يكون وسطًا معتدلًا، فلا إفراط ولا تفريط، فلا هو من عادته التساهل في التعديل ولا من عادته المبالغة في التجريح، فمثلًا: لو عدل شخص عارف بأمور التعديل -يعني: توفرت فيه شروط التعديل- لو عدل راويًا من الرواة، فهل نسمع منه هذا التعديل ويكفينا ونحكم بأن هذا الراوي عدل؟ نعم.

ونعمل بمقتضى ذلك فنقبل رواية الراوي المعدل، وكذا لو جرّح شخص عارف بأمور الجرح راويًا من الرواة فإنَّا نسمع منه ذلك أيضًا، ونعمل به، فنرد رواية ذلك الراوي المجرح، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة مذهب: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد أنه يكتفى في الجرح والتعديل بواحد فقط، ولا يشترط العدد، إذا وجد العدد فأهلًا وسهلًا، لكن إذا لم يوجد إلا معدل واحد أو مجرح واحد فإذا ما عدل راويًا نسمع هذا التعديل ونعمل بمقتضاه، وإذا ما جرح راويًا نسمع هذا التجريح ونعمل بمقتضاه، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، وأكثر العلماء منه الغزالي في (المستصفى) والرازي في (المحصول) والآمدي في (الإحكام) وابن قدامة في (روضة الناظر)، فهو يقول: اعلم أنَّه يسمع الجرح والتعديل من واحد في الرواية، ثم استدل على ذلك بقوله: لأنَّ العدالة التي تثبت به الرواية لا تزيد على نفس الرواية بخلاف الشهادة، فلو قلنا مثلًا: تقبل رواية الواحد ولا يكفي في تعديله وتجريحه إلا اثنان لزاد الفرع على أصله، وزيادة الفرع على الأصل مخالف للقواعد الشرعية، ففي هذا الدليل قياس وتشبيه وهو واضح.

هل يثبت الجرح والتعديل بقول العبد والمرأة؟

العلماء اختلفوا في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: يثبت الجرح والتعديل من كل من توافرت فيه الشروط، سواء كان ذكرًا أو أنثى، حرًا أو عبدًا، وفي هذا يقول ابن قدامة -رحمه الله- في (روضة الناظر): وكذلك -يعني: كما أنه يكتفى في الجرح والتعديل بواحد- وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة، يعني: يثبت الجرح والتعديل من العبد والمرأة ما دامت قد توافرت فيهما شروط التجريح والتعديل.

استدلوا على ذلك بعدة أدلة:

الدليل الأول: أن كلًّا من الجرح والتعديل خبر، يعني: إذا قال الشخص: فلان ثقة أو فلان أوثق الناس، هذا إخبار منه، أو قال: فلان كذاب أو متهم بالكذب أو يترك حديثه هذا أيضًا خبر منه.

إذن الجرح والتعديل كل منهما خبر.

الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه  وسلم سأل بريرة عن عائشة رضي الله  عنها في قصة الإفك فقال: ((هل علمت على عائشة رضي الله  عنها شيئًا يريبك أو رأيت شيئًا تكرهينه؟ قالت: أحمي سمعي وبصري، عائشة أطيب من طيِّب الذهب)).

ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه  وسلم سأل بريرة، وسؤال النبي بريرة يدل على أن الحرية والذكورة لا تشترط في الجرح والتعديل، وبريرة الآن كانت بمثابة المعدلة للسيدة عائشة رضي الله  عنه.

المذهب الثاني: لا يثبت الجرح والتعديل بقول العبد والمرأة، لأنهما ليسا من أهل الشهادة والجرح والتعديل، ما هو إلا شهادة، وهذا المذهب محكي عن أكثر الفقهاء من أهل  المدينة وغيرهم.

الترجيح:

الراجح في المسألة هو المذهب الأول، فما دامت شروط الجارح والمعدل موجودة في العبد والمرأة فلا مانع أبدًا من قبول جرحهم وتعديلهم.

error: النص محمي !!