Top
Image Alt

مراتب الصحيح باعتباره قوة الإسناد

  /  مراتب الصحيح باعتباره قوة الإسناد

مراتب الصحيح باعتباره قوة الإسناد

قال الحافظ العلائي: “أما الإسناد، فقد صرّح جماعة بذلك، وأمّا الحديث فلا يُحفظ عن أحَد من أئمة الحديث أنه قال: “حديث كذا أصحّ الأحاديث على الإطلاق”، لأنه لا يلزم من كون الإسناد أصحّ من غيره أن يكون المتن كذلك؛ فلأجل ذلك ما خاض الأئمّة إلاّ في الحُكم على الإسناد”.

فمِن المرتبة العليا في ذلك: ما أطلَق عليه بعض الأئمّة: أنه أصحّ الأسانيد، كالزهري عن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه-  وأيضًا- كمحمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو، عن عليّ.

ومنهم مَن عيّن الرواي عن محمد، وجعله أيوب السختياني.

ومنهم من جعَلَه ابن عوف.

وأيضًا كالأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود.

وأيضًا كالزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي.

وأيضًا كمالك عن نافع، عن ابن عمر.

وبنى الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي على ذلك: أنّ أجلّ الأسانيد: الشافعي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، لإجماع أهل الحديث على أنّ الشافعي أجلّ أصحاب مالك.

ودُون ذلك في الرتّبة، كرواية: بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جدّه، عن أبيه أبي موسى، وكحمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.

ودونها في الرتبة، كسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.

وأيضًا كالعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة.

فإنّ الجميع يشملهم اسم العدالة والضبط، إلاّ أنّ في المرتبة الأولى من الصِّفات المُرجِّحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها، وفي التي تليها من قوّة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة، وهي مقدّمة على رواية مَن يُعدّ ما يتفرّد به حَسَنًا.

قال الحافظ السخاوي: “اعلَمْ: أنّ كلّ مَن تكلّموا في أصحّ أسانيد فلان، تكلّموا أيضًا في أوهى أسانيد فلان”.

وفائدته: ترجيح بعض الأسانيد على بعض، وتمييز ما يَصلح للاعتبار ممّا لا يصلح.

وقد ذكر النووي -تبعًا لابن الصلاح في هذه المسألة- خمسة أقوال، وبقي أقوال آخَر، فقال حجاج بن شاعر: أصحّ الأسانيد شعبة عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب -يعني: عن شيوخه- هذه عبارة شيخ الإسلام في (نُكته).

وعبارة الحاكم: قال الحجاج: اجتمع أحمد بن حنبل، وابن مَعين، وابن المديني، في جماعة فتذاكروا أجْوَد الأسانيد، فقال رجل منهم: أجوَد الأسانيد: شعبة، عن قتادة، عن سعيد، عن عامر أخي أمّ سلمة، عن أمّ سلمة. ثم نقل عن ابن مَعين وأحمد ما سبق عنهما. وقال ابن مَعين: عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة؛ ليس إسناد أثبتَ من هذا. أسنده الخطيب في (الكفاية).

قال شيخ الإسلام ابن حَجر: “فعلى هذا، لابن معين قولان”.

وقال سليمان بن داود الشاذكوني: “أصحّ الأسانيد: يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة”.

وعن خلَف بن هشام البزاز قال: “سألتُ أحمد بن حنبل: أيّ الأسانيد أثبت؟ قال: أيوب عن نافع، عن ابن عمر؛ فإن كان من رواية حماد بن زيد عن أيوب، فيا لك”.

قال ابن حجر: “فلأحمد قولان”.

وروى الحاكم في (مستدركه) عن إسحاق بن راهويه، أنه قال: “إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه ثقة، فهو كأيوب عن نافع ،عن ابن عمر. وهذا مُشعر بجلالة إسناد أيوب عن نافع عنده”.

وروى الخطيب في (الكفاية) عن وكيع، أنه قال: “لا أعلم في الحديث شيئًا أحسنَ إسنادًا من هذا: شعبة عن عمرو بن مرة، عن مرة، عن أبي موسى الأشعري”.

وقال ابن المبارك والعجلي: “أرجح الأسانيد وأحسنُها: سفيان الثوري عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود”.

وكذلك رجّحها النسائي، وقال: “أقوى الأسانيد التي تُروى، فذكر منها: الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ابن عمر”.

ورجّح أبو حاتم الرازي ترجمة يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.

وكذلك رجّح أحمد رواية عبيد الله، عن نافع على رواية مالك عن نافع.

ورجّح ابن مَعين ترجمة يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة.

قال الحاكم: “وينبغي تخصيص القول في أصحّ الأسانيد بصحابيّ أو بلد مخصوص، بأن يقال: “أصحّ إسناد فلان”، أو “أصحّ إسناد الفلانيِّين كذا”، ولا يُعمِّم”. قال: “فأصحّ أسانيد الصِّدِّيق: إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عنه. وأصحّ أسانيد عمر: الزهري عن سالم، عن أبيه، عن جدّه”.

وقال ابن حزم: “أصحّ طريق يرُوى في الدنيا عن عمر: الزهري عن السائب بن يزيد، عنه”.

قال الحاكم: “وأصحّ أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، إذا كان الراوي عن جعفر ثقة”. هذه عبارة الحاكم، ووافقه مَن نقَلها.

وفيها نظر؛ فإنّ الضمير في “جَدِّه” إن عاد إلى جعفر، فجدّه: عليّ لم يسمع من عليّ بن أبي طالب. وإن عاد إلى محمد، فهو لم يسمع من الحسيْن.

وحكى الترمذي في (الدعوات) عن سليمان بن داود، أنه قال في رواية الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ، قال: “هذا الإسناد مثل: الزهري عن سالم، عن أبيه”. ثم قال: “وأصحّ أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة”. وروى قبل عن البخاري أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة.

وحكى غيره، عن ابن المديني: من أصحّ الأسانيد: حماد بن زيد عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. قال: و”أصحّ أسانيد ابن عمر: مالك، عن نافع، عن ابن عمر.

وأصحّ أسانيد عائشة: عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة”.

قال ابن مَعين: “هذه ترجمة شبكة الذهب”. قال: “ومن أصحّ الأسانيد أيضًا: الزهري عن عروة بن الزبير، عن عائشة.” وقد تقدم عن الدارمي قول آخر.

وأصحّ أسانيد ابن مسعود: سفيان الثوري عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عنه. وأصحّ أسانيد أنس: مالك عن الزهري، عن أنس.

قال شيخ الإسلام ابن حجر: “وهذا مما ينازع فيه؛ فإنّ قتادة وثابتًا البناني أعرف بحديث أنس عن الزهري، ولهما من الرواة جماعة، فأثبت أصحاب ثابت: حماد بن زيد، وقيل: حماد بن سلمة. وأثبت أصحاب قتادة: شعبة، وقيل: هشام الدستوائي.

وقال البزار: “رواية علي بن الحسين بن علي، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص: أصح إسناد يُروى عن سعد”.

وقال أحمد بن صالح المصري: “أثبت أسانيد أهل المدينة: إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة”.

قال الحاكم: “وأصح أسانيد المكيِّين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن جابر.

وأصحّ أسانيد اليمانيِّين: معمر عن همام، عن أبي هريرة.

وأثبت إسناد المصريِّين: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر.

وأثبت أسانيد الخراسانيِّين: الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه.

وأثبت أسانيد الشّاميِّين: “الأوزاعي عن حسّان بن عطية، عن الصحابة”.

قال شيخ الإسلام ابن حَجر: “ورجح بعض أئمّتهم: رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر”.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: “ليس بالكوفة أصحّ من هذا الإسناد: يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن الحارث بن سويد، عن علي”.

وكان جماعة لا يقدِّمون على حديث الحجاز شيئًا، حتى قال مالك: “إذا خرج الحديث عن الحجاز، انقطع نخاعه”.

وقال الإمام الشافعي: “إذا لم يوجد للحديث من الحجاز أصل، ذهب نخاعه”. حكاه الأنصاري في كتاب “ذمّ الكلام”.

وعنه أيضًا: “كلّ حديث جاء من العراق وليس له أصل في الحجاز، فلا تقبَلْه وإن كان صحيحًا. ما أريد إلاّ نصيحتك”.

وقال معسر: “قلت لحبيب بن أبي ثابت: أيّما أعلم بالسُّنّة، أهل الحجاز أم أهل العراق؟ قال: بل أهل الحجاز”.

وقال الزهري: “إذا سمعت بالحديث العراقي، فأورد به ثم أورد به “.

وقال طاوس: “إذا حدّثك العراقي مائة حديث، فاطرحْ تسعة وتسعين”.

وقال هشام بن عروة: “إذا حدّثك العراقي بألْف حديث، فألْقِ تسعَمائة وتسعين، وكن من الباقي في شكّ”.

وقال الزهري: “إنّ في حديث أهل الكوفة دغلًا كثيرًا”.

وقال ابن المبارك: “حديث أهل المدينة أصحّ، وإسنادهم أقرب”.

وقال الخطيب: “أصحّ طُرق السُّنن: ما يرويه أهل الحرميْن: مكة والمدينة؛ فإنّ التدليس عنهم قليل، والكذب ووضْع الحديث عندهم عزيز.

ولأهل اليمن روايات جيِّدة وطُرق صحيحة، إلاّ أنها قليلة، ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضًا. ولأهل البصرة من السُّنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم، والكوفيون مثْلهم في الكثرة، غير أنّ رواياتهم كثيرة الدّغل، قليلة السلامة من العِلَل. وحديث الشاميِّين أكثره مراسيل ومقاطيع، وما اتّصل منه ممّا أسنده الثقات، فإنه صالح، والغالب عليه ما يتعلّق بالمواعظ”.

قال ابن تيمية: “اتفق أهل العلْم بالحديث على: أنّ أصحّ الأحاديث: ما رواه أهل المدينة، ثم أهل البصرة، ثم أهل الشام”.

وقد أجمع أهل النّقل على صحّة أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، من رواية مالك، وابن عيينة، ومعمر، ويونس وعقيل، ما لم يختلفوا. فإن اختلفوا، توقّف فيه.

قال الحافظ ابن حجر: “وقضية ذلك: أن يجري هذا الشرط في جميع ما تقدّم، فيقال: إنما يوصف بالأصحِّيّة حيث لا يكون ثمّة مانع من اضطراب أو شذوذ”.

وقد ذكر الإمام السيوطي عِدّة فوائد منها:

الفائدة الأولى: أنه قد تقدّم عن أحمد بن حنبل: أنه سمع (الموطأ) من الشافعي، وفيه من رُواته عن نافع عن ابن عمر العدد الكثير، ولم يتّصل لنا منه إلاّ ما تقدّم.

قال شيخ الإسلام في أماليه: “لعله لم يحدّث به، أو حدّث به وانقطع”.

الفائدة الثانية: جمَع الحافظ العراقي في الأحاديث التي وقعت في (المسند) لأحمد، و(الموطأ) بالتراجم الخمْس التي حكاها النووي وهي المُطلقة، وبالتراجم التي حكاها الحاكم وهي المقيّدة، ورتّبها على أبواب الفقه، وسماها “تقريب الأسانيد”.

قال الحافظ ابن حجر: “وقد أخلى كثيرًا من الأبواب، لكونه لم يجد فيها تلك الشريطة، وفاته أيضًا جملة من الأحاديث على شرْطه، لكونه تقيّد بالكتابيْن للغرض الذي أراده مِن كون الأحاديث المذكورة تصير متّصلة الأسانيد مع الاختصار البالغ”.

قال: “ولو قدر أن يتفرّغ عارف لجمْع الأحاديث الواردة بجميع التراجم المذكورة من غير تقييد بكتاب، ويضمّ إليها التراجم المزيدة عليه، لجاء كتابًا حافلًا حاويًا لأصحّ الصحيح”.

الفائدة الثالثة: قال: ممّا يناسب هذه المسألة أصحّ الأحاديث المقيّدة، كقولهم: “أصح شيء في الباب كذا”، وهذا إنما يوجد في (جامع الترمذي) كثيرًا، وفي (تاريخ البخاري)، وغيرهما… قال النووي: “لا يلزم من هذه العبارة صحّة الحديث، فإنهم يقولون: “هذا أصحّ ما جاء في الباب”، وإن كان ضعيفًا، ومرادهم: أرجَحُه، أو أقلّه ضعفًا”؛ ذكر ذلك عقب قول الدارقطني: “أصح شيء في فضائل السّوَر: فضْل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص: 1] وأصحّ شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة التسابيح”.

error: النص محمي !!