Top
Image Alt

مراتب الصحيح باعتبار مصادره الحديثية

  /  مراتب الصحيح باعتبار مصادره الحديثية

مراتب الصحيح باعتبار مصادره الحديثية

أمّا عن مراتب الصحيح باعبتار مصادره، فأوّل مَن صنّف في “الصحيح المجرّد” هو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.

والسبب في ذلك: ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النسفي: أنه قال: “كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصَرًا لِصحيح سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم! قال: فوقع ذلك في قلبي. فأخذت في جمْع (الجامع الصحيح).

وعنه أيضًا، أنه قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنني واقف بين يديْه، وبيدي مروحة أذب عنه. فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبّ عنه الكذب. فهو الذي حملني على إخراج (الجامع الصحيح). قال: وألّفْتُه في بضع عشرة سنَة”.

ثم تلا البخاري: أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري. ومسلم -مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه- فإنه يشاركه في كثير من شيوخه، وكتاباهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله العزيز، باتفاق العلماء.

وقد كانت الكتب قبل البخاري ومسلم مجموعة ممزوجًا فيها الصحيح بغيره، وكانت الآثار في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدوَّنة ولا مرتّبة. ولسيلان أذهانهم وسعة حفظهم، ولأنهم قد نُهوا أولًا عن كتابتها -كما ثبت في (صحيح مسلم) خشية اختلاطها بالقرآن الكريم- ولأن أكثرهم كان لا يحسن الكتابة، فلما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض، دُوِّنتْ ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وغيرهم…

فأوّل مَن جمَع ذلك: ابن جريج بمكة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والربيع بن صبيح، أو سعيد بن أبي عروبة، أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالرّي، وابن المبارك بخراسان.

قال الإمام العراقي وابن حجر: “وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا ندري أيّهم أسبق. وقد صنّف ابن أبي ذئب بالمدينة موطأ أكبر من (موطأ مالك)، حتى قيل لمالك: ما الفائدة في تصنيفك؟ قال: ما كان لله بقي”.

قال شيخ الإسلام: “وهذا بالنسبة للجمع للأبواب، أما جمْع الحديث إلى مثْله في باب واحد، فقد سبق إليه: الشعبي؛ فإنه روي عنه أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم، وساق فيه أحاديث”.

ثم تلا المذكورين: كثيرٌ من أهل عصرهم، إلى أن رأى بعض الأئمة أنّ تُفرد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المائتيْن؛ فصنّف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي “مسندًا”، وصنّف مسدّد البصري “مسندًا”، وصنّف موسى بن أسد الأموي “مسندًا”، وصنّف نعيم بن حماد الخزاعي المصري “مسندًا”.

ثم اقتفى الأئمّة آثارهم، فقلّ إمام من الحُفّاظ إلاّ وصنّف حديثه على “المسانيد”، كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغير هؤلاء.

وهؤلاء المذكورون في أوّل مَن جمَع، كلّهم في أثناء المائة الثانية.

وأمّا ابتداء تدوين الحديث، فإنه وقّع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمْره؛ ففي (صحيح البخاري) في أبواب العلْم: “وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتُبْه! فإنّي خِفْتُ دروس العلْم وذهاب العلماء”.

وأخرجه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) بلفظ: “كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه!”.

قال الحافظ ابن حجر: “يستفاد من هذا: ابتداء تدوين الحديث النبوي. ثم أفاد أيضًا: أنّ أوّل مَن دوّنه بأمْر عمر بن عبد العزيز هو: ابن  شهاب الزهري”.

وأمّا كتاب الإمام مالك، وإن كان متقدِّمًا على كتابَيِ البخاري ومسلم، إلاّ أن مالكًا -رحمه الله تعالى- لم يُفرد الصحيح في تصنيفه، بل أدخل فيه المُرسَل، والمنقطع، والبلاغات التي لا تكاد توجد مُسندَة إلا على نُدور. ومن بلاغاته: أحاديث لا تُعرف كما ذكره ابن عبد البَر. والبخاري ومسلم أفردًا الحديث الصحيح عن غيره في كتابَيْهما.

قال شيخ الإسلام ابن حجر: “كتاب مالك صحيح عنده وعند مَن يُقلِّده، على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسَل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرط الذي تقدّم التعريف به”. قال: “والفرق بين ما فيه من المنقطع وبين ما في البخاري: أنّ الذي في (الموطأ) هو كذلك مسموع لمالك غالبًا، وهو حجّة عنده.

والذي في البخاري قد حذف إسناده عمدًا لقصْد التخفيف إن كان ذكره في موضع آخر موصولًا، أو لقصد التنويع إن كان على غير شرطه، ليخرجه عن موضوع الكتاب. وإنما يذكر ما يذكر من ذلك، تنبيهًا، واستشهادًا، واستئناسًا، وتفسيرًا لبعض آيات القرآن الكريم، وغير ذلك… فظهر بهذا: أنّ الذي في البخاري لا يخرجه عن كونه جرّد فيه الصحيح، بخلاف (الموطأ) وما روي عن الشافعي, من أنه قال: “ما أعلم في الأرض كتابًا في العلْم أكثرَ صوابًا من كتاب مالك”، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابَي البخاري ومسلم”.

وقال الحافظ ابن كثير: “وقد كانت كتب كثيرة مصنَّفة في ذلك الوقت في السُّنن لابن جريج، وابن إسحاق غير السيرة، ولأبي قرّة موسى بن طارق الزبيدي، و”مصنّف” عبد الرزاق بن همام، وغير ذلك…

وكان كتاب مالك، وهو (الموطأ) أجلّ هذه الكتب، وأعظمها نفعًا، وإن كان بعضها أكبر حجمًا منه وأكثر أحاديث. وقد طلب الخليفة منصور المهدي من الإمام مالك: أن يجمع الناس على كتابه هذا، فلم يُجبْه إلى ذلك، وذلك لتمام علْمه واتّصافه بالإنصاف -رحمه الله تعالى- وقد قال: “إن الناس قد جمعوا، واطّلعوا على أشياء لم نطّلع عليها”.

وقد اعتنى الناس بكتابه (الموطأ)، وعلّقوا عليه كتبًا جمّة. ومِن أجْوَد ذلك: كتابَا: (التمهيد) و(الاستذكار) للشيخ أبي عمر ابن عبد البَر النمري القرطبي -رحمه الله تعالى.

بيان أرجحيّة (صحيح مسلم) على (صحيح البخاري):

أ. الإمام مسلم صنّف كتابه في بلده، وكان يتحرّز في الألفاظ، ويتحرّى في السِّياق:

أمّا عن المقارنة بين الصحيحيْن -صحيحَي البخاري ومسلم-: فكتاب البخاري أصحّ صحيحًا من كتاب مسلم، وأكثرهما فوائد.

وأمّا ما نُقل عن بعض المغاربة من أنه فضّل (صحيح مسلم) على (صحيح البخاري)، فذلك فيما يرجع إلى حُسن السياق، وجودة الوضع والترتيب.

وقد نُقل عن أبي محمد ابن حزم: أنه كان يفضِّل كتاب مسلم على كتاب البخاري، لأنه ليس فيه إلاّ الحديث السّرد، ولم يفصح أحد منهم بأنّ ذلك راجع إلى الأصحِّية في ذاتها، ولو أفصحوا به لرَدّه عليهم شاهد الوجود.

قال شيخ الإسلام ابن حجر: “فما فضّله به بعض المغاربة ليس راجعًا إلى الأصحِّية، بل لأمور:

الأمر الأول: ما تقدّم عن ابن حزم.

الأمر الثاني: أنّ البخاري كان يرى جواز الرواية بالمعنى، وجواز تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره، بخلاف الإمام مسلم.

والسبب في ذلك أمران:

الأمر الأول: أن الإمام البخاري صنّف كتابه في طول رحلته، وقد روي عنه أنه قال: “رُبّ حديث سمعتُه بالشام فكتبتُه بمصر، ورُبّ حديث سمعتُه بالبصرة فكتبتُه بخراسان”. فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث مِن حفْظه، فلا يسوق ألفاظه برمّتها، بل يتصرّف فيه ويسوقه بمعناه.

والإمام مسلم صنّف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرّز في الألفاظ ويتحرّى في السِّياق.

الأمر الثاني: أنّ الإمام البخاري استنبط فقه كتابه من أحاديثه، فاحتاج أن يقطّع المتن الواحد إذا اشتمل على عدّة أحكام، ليورد كلّ قطعة منه في الباب الذي يستدل به على ذلك الحُكم الذي استنبطه منه، لأنه لو ساقه في المواضع كلّها برمّته لطال الكتاب.

والإمام مسلم لم يعتمد ذلك، بل يسوق أحاديث الباب كلّها سردًا، عاطفًا بعضها على بعض في موضع واحد. ولو كان المتن مشتملًا على عدّة أحكام، فإنه يذكره في أمسّ المواضع، وأكثرها دخلًا فيه، ويسوق المتون تامّة محرّرة.

فلهذا، ترى كثيرًا ممّن صنّف في الأحكام بحذف الأسانيد من المغاربة، إنما يعتمدون على كتاب مسلم في نقْل المتون.

هذا ما يتعلق بالمغاربة، ولا يحفظ عن أحد منهم أنه صرّح بأنّ (صحيح مسلم) أصحّ من (صحيح البخاري)، فيما يرجع إلى نفس الأصحِّية؛ فهذا من حيث الجملة.

وأمّا من حيث التفصيل، فيترجّح كتاب البخاري على كتاب مسلم؛ فإن الإسناد الصحيح مداره على اتّصاله وعدالة الرواة، وكتاب البخاري أعدل رواة، وأعدل اتصالًا من “كتاب مسلم”. والدليل على ذلك من أوجه:

الوجه الأول: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم: أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلًا، المتكلّم فيهم بالضعف منهم: نحو ثمانين رجلًا. والذين انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون البخاري: ستمائة وعشرون رجلًا، المتكلّم فيهم بالضعف منهم: مائة وستون رجلًا، على الضعف من كتاب البخاري.

ولا شك أنّ التخريج عمّن لم يُتكلّم فيه أصلًا أولى من التخريج عمّن تُكُلِّم فيه، ولو كان ذلك غير سديد، فذلك رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال؛ لأن ما انتُقد على البخاري من الأحاديث أقلّ عددًا ممّن انتقد على مسلم.

الوجه الثاني: أنّ الذين انفرد بهم البخاري ممّن تُكُلم فيه لم يكن البخاري يُكثر من تخريج أحاديثهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها أو أكثرها إلاّ نسخة عكرمة عن ابن عباس  بخلاف مسلم؛ فإنه يخرج أكثر تلك النسخ التي رواها عمّن تُكُلّم فيه، كأبي الزبير عن جابر, وسهيل عن أبيه، عن أبي هريرة, وحماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس, والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة, ونحوه.

الوجه الثالث: أنّ الذين انفرد بهم البخاري ممّن تُكُلِّم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقِيَهم، وعرف أحوالهم، واطّلع على أحاديثهم، فميّز جيِّدها من رديئها، بخلاف مسلم، فإن أكثر من تفرّد بتخريج حديثه ممّن تُكُلِّم فيه من المتقدِّمين، وقد أخرج أكثر نسخهم. ولا شك أنّ المرء أشدّ معرفة بحديث شيوخه، وبصحيح حديثهم من ضعيفه، ممّن تقدّم عن عصره.

الوجه الرابع: أنّ أكثر هؤلاء الرجال الذين تُكُلِّم فيهم من المتقدِّمين يخرج البخاري أحاديثهم في الاستشهادات والمتابعات والتعليقات، بخلاف مسلم فإنّه يخرج لهم الكثير في الأصول والاحتجاج. ولا يُعرّج البخاري في الغالب إلاّ على من أخرج لهم مسلم في المتابعات، فأكثر من يخرج لهم البخاري في المتابعات يحتجّ بهم مسلم، وأكثر من يُخرج لهم مسلم في المتابعات لا يعرج عليهم البخاري؛ فهذا وجه من وجوه الترجيح ظاهر.

والأوجه الأربعة السابقة كلها تتعلّق بعدالة الرواة وضبْطهم.

الوجه الخامس: وهو ما يتعلّق بالاتصال: أنّ مسلمًا كان مذهبه، بل نقل الإجماع في أول صحيحه: أن الإسناد المعنعن -وهو: ما قيل فيه: “فلان عن فلان عن فلان”- له حُكم الاتصال، إذا تعاصر المعنعِن والمعنعَن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما. فمسلم قد اكتفى بمطلق المعاصرة، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت له لقاء الراوي بمن روى عنه ولو مرة واحدة.

وقد أظهر البخاري هذا المذهب في (التاريخ)، وجرى عليه في “الصحيح”، وهو ما يرجّح به كتابه، لأننا وإن سلّمنا ما ذكره من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أنّ شرط البخاري أوضح في الاتصال.

وبهذا يتبيّن: أن شرط البخاري في كتابه أقوى اتصالًا وأشد تحريًا؛ فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتمّ منها في كتاب مسلم وأسدّ، وشرطه فيها أقوى وأشدّ.

وهذا مع اتفاق العلماء على: أنّ البخاري كان أجلّ من مسلم في العلوم، وأعرف منه بصناعة الحديث، وأن مسلمًا تلميذه وخِريجه. ولم يزل يستفيد من الإمام البخاري ويتبع آثاره، حتى قال الدارقطني: “لولا البخاري، لما راح مسلم ولا جاء”.

قال الحافظ ابن الصلاح: “وأما قول أبي علي الحافظ النيسابوري: “ما تحت أديم السماء كتاب أصحّ من كتاب مسلم بن الحجاج”، فهذا وقول مَن فضّل من شيوخ المغرب كتابّ مسلم على كتاب البخاري، إنْ كان المراد به: أنّ كتاب مسلم يترجّح بأنه لم يُمازجه غيرُ الصحيح، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلاّ الحديث الصحيح مسرودًا غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يُسندها على الوصف المشروط في الصحيح، فهذا لا بأس به”.

قال الحافظ العراقي: “قد روى مسلم بعد الخطبة في كتاب الصلاة، بإسناده إلى يحيى بن كثير، أنه قال: لا يُستطاع العلْم براحة الجسم، فقد مزَجه، ولكنه قليل جدًّا”. وليس يلزم منه: أنّ كتاب مسلم أرجحُ فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب البخاري. وإن كان المراد به: أن كتاب مسلم أصحّ صحيحًا، فهذا مردود على مَن يقوله. وعلى كل حال، فكتاباهما أصحّ كتب الحديث”.

قال الإمام النووي: “واختصّ مسلم بفائدة، وهو: أنه يجمع طُرق الحديث في مكان واحد”.

قال الحافظ ابن حجر: “إن قول أبي علي: “ليس فيه ما يقتضي تصريحه بأنّ كتاب مسلم أصحّ من كتاب البخاري” خلاف ما يقتضيه إطلاق الشيخ محيي الدّين النووي في (مختصره)، وفي مقدّمة “شرح البخاري” له، وإنما يقتضي نفْي الأصحّية عن غير كتاب مسلم عليه. أما إثباتها له فلا، لأن إطلاقه يحمل أنه يريد المساواة كما في حديث: ((ما أظلّت الخضراءُ ولا أقلّت الغبراء أصدقَ لهجةً من أبي ذر))، فهذا لا يقتضي أنه أصدق مِن جميع الصحابة، ولا الصِّدِّيق, بل نفى أن يكون فيهم أصدَق منه، فيكون فيهم من يُساويه”.

وممّا يدلّ على أنّ عُرفهم في ذلك الزمان ماشٍ على قانون اللغة: أن أحمد بن حنبل، قال: “ما بالبصرة أعلَم -أو قال: أثبت- من بشر بن المفضل، أما مثله فعسى”. قال: “ومع احتمال كلامه ذلك، فهو منفرد سواء قصَد الأوّل أو الثاني”.

قال: “وقد رأيت في كلام الحافظ أبي سعيد العلائي: ما يُشعر بأن أبا علي لم يقف على (صحيح البخاري).

قال: “وهذا عندي بعيد؛ فقد صحّ عن بلدِيِّه وشيخه أبي بكر بن خزيمة، أنه قال: “ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل”.

وصحّ عن بلديِّه ورفيقه أبي عبد الله بن الأخرم، أنه قال: “قلّما يفوت البخاري ومسلمًا من الصحيح”.

قال: “والذي يظهر لي من كلام أبي علي: أنه قدّم (صحيح مسلم) لمعنى آخَر غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل لأنّ مسلمًا صنّف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشائخه، فكان -رحمه الله تعالى- يتحرّز في الألفاظ ويتحرّى في السياق، بخلاف البخاري فربما كتب الحديث مِن حفْظه ولم يُميّز ألفاظ روايته؛ ولهذا ربما يعرض له الشك. وقد صح عنه أنه قال: “ربّ حديث سمعته بالبصرة فكتبتُه بالشام”.

ولم يتصدّ مسلم لمَا تصدّى له البخاري من استنباط الأحكام وتقطيع الأحاديث، ولم يخرج الموقوفات”.

قال: “وأمّا ما نقله عن بعض شيوخ المغاربة، فلا يحفظ عن أحد منهم تقييد الأفضيلة بالأصحِّية، بل أطلق بعضهم الأفضلية”.

ب. ليس فيه بعد الخطبة إلاّ حديث السّرْد:

فحكى القاضي عياض عن أبي مروان الطبني بضم الطاء المهملة ثم اسكان الباء الموحدة بعدها نون، قال: “كان بعض شيوخي يفضّل (صحيح مسلم) على (صحيح البخاري)، قال: وأظنّه عنى ابن حزم؛ فقد حكى القاسم التجيبي في “فهرسته” عنه ذلك، قال: لأنه ليس فيه بعد الخطبة إلاّ الحديث السرد. وقال مسلمة بن قاسم القرطبي -من أقران الدارقطني-: لم يصنع أحدٌ مثْلَ (صحيح مسلم)، وهذا في حُسْن الوضع وجودة الترتيب، لا في الأصحِّيّة”.

ج. اختص بجمْع طُرق الحديث في مكان واحد:

 أشار النووي لهذا؛ حيث قال في “زيادته” على ابن الصلاح: “واختص مسلم بجمْع طُرق الحديث في مكان واحد، بأسانيده المتعدِّدة، وألفاظه المختلفة؛ فسهل تناوله، بخلاف “صحيح” البخاري، فإن الإمام البخاري قطّعها في الأبواب بسبب استنباط الأحكام منها، وأورد الكثير منها في مظنّته”.

قال شيخ الإسلام ابن حجر: “نرى كثيرًا ممّن صنّف في الأحكام من المغاربة يعتمد على كتاب مسلم في سياق المتون دون البخاري، لتقطيع البخاري لها”. وقال أيضًا: “وإذا امتاز مسلم بهذا، فللبخاري في مقابلته من الفضل: ما ضمّنه في أبوابه من التراجم التي حيّرت الأفكار. وما ذكره الإمام محمد بن أبي جمرة، عن بعض السادة قال: “ما قُرئ صحيح البخاري في شدّة إلاّ فُرجت، ولا رُكب به في مركب فغرق”.

قال ابن الملقّن: “في روايته عن بعض المتأخِّرين، أنه قال: إنّ الكتابيْن سواء. فهذا قول ثالث حكاه الطوفي في “شرح الأربعين”، ومال إليه الإمام القرطبي. ولقد قدّم القرطبي في هذه المسألة وأخّر مسألة إن كان التصحيح في هذه الإعصار عكس ما صنع ابن الصلاح، لمناسبة حسنة؛ وذلك لأنه لمّا كان الكلام في الصحيح، ناسب أن يذكر الأصحّ، فبدأ بأصحّ الأسانيد، ثم انتقل إلى أخصّ منه وهو أصحّ الكتب.

error: النص محمي !!