Top
Image Alt

مراتب القضاء والقدر, والأدلة عليها

  /  مراتب القضاء والقدر, والأدلة عليها

مراتب القضاء والقدر, والأدلة عليها

المرتبة الأولى: العلم السابق بالأشياء قبل كونها، والمراد بهذه المرتبة: الإيمان بعلم الله سبحانه وتعالى بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم، وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنة والنار.

فقد يعلمُ الله سبحانه وتعالى عن كل هذه الأشياء قليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وسرّه وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته، ومقتضى اسمه العليم الخبير، عالم الغيب والشهادة علام الغيوب.

أما الأدلة على هذه المرتبة من القرآن الكريم فهي كثيرة, نذكر منها قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} [الأنعام: 59], وقوله تعالى: {هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ} [الحشر: 22]، وقوله تعالى: {لّتَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمَا} [الطلاق: 12].

ومن الأحاديث: حديثُ عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: ((نعم)). قال: قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: ((كلٌّ ميسرٌ لِمَا خُلِقَ لَه)). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المشركين، فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) فعلم ما لم يكن, لو كان كيف يكون.

المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وهي كتابة الله في اللّوحِ المَحفوظ لكل ما هو كائن؛ فهو سُبحانه علمه لا أول له، وهذا العلم بناء عليه كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق, فما يحدث شيء في الكون إلا وقد علمه وكتبه قبل حدوثه.

والأدلة من القرآن الكريم كثيرة, منها قوله تعالى: {مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ}[الأنعام: 38], وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السّمَآءِ وَالأرْضِ إِنّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70], وقوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلآ أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} [يونس: 61], فما يعزب عن ربك أي: ما يغيب عن علمِهِ، وبصره وسمعه، ومشاهدته أي شيء حتى مثاقيل الذر؛ بل ما هو أصغر منها، وهذه مرتبة العلم، وقوله تعالى: {إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} في مرتبة الكتابة, وكثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى بين هاتين المرتبتين.

أما الأدلة من السنة النبوية, ففي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عودٌ ينكت في الأرض، وقال: ((ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة)) فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: ((لا، اعملوا فَكُلٌّ ميسرٌ)), ثم قرأ: {فَأَمّا مَنْ أَعْطَىَ وَاتّقَىَ} [لليل: 5].

وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، قال: يا رسول الله، بَيِّنْ لنا ديننا كأنّا خُلقنا الآن؛ فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير, أم فيما نستقبل؟ قال: ((لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير)) قال: ففيم العمل؟ قال زهير -أحد رواة الحديث-: ثم تكلم أبو الزبير -وهو الراوي عن جابر رضي الله عنه- بشيء لم أفهمه, فسألت ما قال, فقال: ((اعملوا, فكل ميسر)).

ويَدْخُل في الإيمان بكتابة المقادير خمسة، هي:

التقدير الأول: الأزلي قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، عندما خلق الله القلم.

التقدير الثاني: التقدير حين أخذ الميثاق على بني آدم، وهم على ظهر أبيهم آدم. ودليل هذا التقدير من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـَذَا غَافِلِينَ}(172) {أَوْ تَقُولُوَاْ إِنّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنّا ذُرّيّةً مّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}(173) {وَكَذَلِكَ نُفَصّلُ الاَيَاتِ وَلَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 172- 174].

التقدير الثالث: التقدير العمري عند تخليق النُّطفة في الرحم؛ فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وأنوثتها والأجل، والعمل، والشقاوة والسعادة، والرزق، وجميع ما هو لاقٍ فلا يزادُ فيه، ولا يُنْقَصُ منه.

التقدير الرابع: التقدير الحولي في ليلة القدر؛ يقدر فيها كل ما يكون في السنة إلى مثله, ودليله قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4].

التقدير الخامس: التقدير اليومي, وهو سَوْقُ المقادير إلى المواقيت التي قُدّرت لها فيما سبق، ودليله قوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]. ثم هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي, والحولي تفصيل من التقدير العُمري عند تخليق النُّطفة، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في الإمام المبين، والإمام المبين هو من علم الله عز وجل, وكذلك منتهى المقادير في آخريتها إلى علم الله عز وجل فانتهت الأوائل إلى أوليته، وانتهت الأواخر إلى آخريته، {وَأَنّ إِلَىَ رَبّكَ الْمُنتَهَىَ}

أما المرتبة الثالثة من مراتب القدر: فهي مرتبة الإرادة والمشيئة، فمن الإيمان بالقدر الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يُريد، أي: إن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإن كل ما في السموات وما في الأرض, ما فيه من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله.

قال العلامة ابن قيم الجوزية: وهذه المرتبة قد دلَّ عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول والعيان. وليس في الوجود شيء إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان، ولم يشأ لم يكن, هذا عمود التوحيد الذي لا يقوم إلا به، والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

والأدلة على هذه المرتبة -مرتبة الإرادة والمشيئة- من القرآن الكريم كثيرة, كما في قوله تعالى: {إِنّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]، وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لاَمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99], وقوله تعالى: {قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26], وقوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنّمَا يَصّعّدُ فِي السّمَآءِ} [الأنعام: 125], وقوله تعالى: {هُوَ الّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6], وقوله تعالى: {إِنّ هَـَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتّخَذَ إِلَىَ رَبّهِ سَبِيلاً}(29) {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [الإنسان: 29، 30].

وأما الأدلة من السنة, فمن ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد, يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك)), وحديث أبي هريرة رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت, ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته؛ إنه يفعل ما يشاء لا مُكره له)).

أما المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر، فهي: مرتبة الخلق والإيجاد، ومرتبة الخلق والإيجاد يجبُ الإيمانُ بها؛ فهي المرحلة الرابعة من مراحل القدر, وهي الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء؛ فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحركٍ وحركته، وكل ساكنٍ وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها، وخالق حركتها وسكونها.

قال العلامة ابن القيم الجوزية: وهذا أمرٌ متفقٌ عليه بين الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر والعقول، والاعتبار. والأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية من الكثرة مما لا يُحصى، نذكر منها قوله تعالى: وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96], وقوله تعالى: {ذَلِكُـمُ اللّهُ رَبّـكُمْ خَالِقُ كُـلّ شَيْءٍ} [غافر: 62].

والأدلة من السنة حديث وراد مولى المغيرة بن شعبة, قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة؛ فأملى عليَّ المغيرةُ قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)).

error: النص محمي !!