Top
Image Alt

مراحل التنصير

  /  مراحل التنصير

مراحل التنصير

أنتقل الآن إلى أبرز نشاطات التبشير في عالمنا المعاصر، وهو نشاطهم عن طريق المؤتمرات والندوات الثقافية في العالم الإسلامي.

لقد قلنا -فيما سبق: أن التبشير قد مرّ بمرحلتيْن:

مرحلة أولى تسمّى: مرحلة النشاط الفردي للمبشِّر. كان كل مبشِّر يجد في نفسه الكفاءة للقيام بهذه المهمة، يجنِّد نفسه لخدمة أغراضه، مستعينًا في ذلك بإمكانياته الخاصة. وهذه المرحلة مثّلتْ مرحلة تاريخية كبيرة في تاريخ الحياة التبشيرية المسيحية.

أما المرحلة الثانية: فبدأت ربما من منتصف القرن السابع عشر، أو بدأت مع عصر الاستعمار العسكري. وبعد ظاهرة الاستشراق بشيء يسير جدًّا من التاريخ، بدأ التبشير يأخذ شكلًا تنظيميًّا تُبنَى له مؤسسات، وتُعقد له اجتماعات، وتكوَّن جمعيات، وتؤسَّس مراكز، وتُبنَى معاهد. ثم تدخّلت الدولة بشكل أساسي للإسهام في هذه الألوان المتنوِّعة من الأنشطة التبشيرية. فبعد أن كان النشاط التبشيري قائمًا على الفردية، أصبح يأخذ شكلًا جماعيًّا ومؤسسيًّا، وأيضًا يعمل تحت حراسة الدولة، أو تحت حماية الدولة، وبميزانية مرصودة له من الدولة. وابتداءً من هذا التاريخ بدأت عملية التبشير تأخذ شكلًا دقيقًا ومحكمًا لا يترك الساحة لعمل فردي، ولا للمصادفة، ولا يعتمد في العمل على العشوائية، بل كان هناك من يخطِّط ويدرس ويضع ما يمكن أن نُسمِّيه: ورقة عمل لكل إرسالية تذهب إلى ناحية معيّنة من نواحي العالم.

فكان يبدأ بجمع المعلومات الدقيقة عن البلاد والشعوب التي يسعى إلى تنصيرها، ثم يقوم هذا الجمع من المبشِّرين باختيار الدُّعاة الذين يتميّزون بكفاءة عالية ومعارف، للنهوض بهذه المهمة في المنطقة التي يريدون الذهاب إليها. ثم تحاول بعض هذه الجمعيات -عن طريق رجالها الذين يخطِّطون ويرسمون ويضعون أوراق العمل- أن يضعوا بين يدي هذه الإرساليات أو تلك المعلومات والإمكانات، وينبّهوهم إلى العقبات والمشكلات التي يمكن أن تصادفهم في المواقع التي يذهبون إليها.

إذن انتقلت العملية من أعمال فردية تلقائية أشبه بالعشوائية، إلى عمل جماعيّ منظّم دقيق يأخذ شكل إرساليات، وجمعيات تخضع في عملها لنظام دقيق، وأوراق عمل أشبه بالسياسة المرحلية؛ ولذلك وجدنا أن العمل التبشيري كلّ مرحلة يعقد لها مؤتمرات يقوِّم من خلالها ما تم عمله في المرحلة التاريخية السابقة، ويطرح عدة أسئلة: ماذا يعمل في المرحلة التالية؟ ومن هنا عقد المبشرون كثيرًا من المؤتمرات في العالم الإسلامي لرسم الخطط التبشيرية المناسبة -كما قلنا- وتقويم العمل في الفترات السابقة، ومحاولة معالجة القصور أو التقصير الذي شاب وعلق بالفترات الماضية. ثم يضع مؤلّفات مستقلة، وأوراق عمل مستقلة، وخريطة تشمل العالَم كله للتبشير على مستوى الشعوب غير المسيحية.

من المهم: أن ألفت نظر حضراتكم إلى أهمّ وثيقة موجودة تحت أيدي المؤرِّخين لحركة التبشير الآن: مجلّة تسمّى: “العالم الإسلامي”، هي عبارة عن بحث عن النشاط التبشيري وضَعَها المسيو “إ.ل. شاتيليه” باللغة الفرنسية. وهذه المجلة تُرجمت فيما بعد إلى اللغة العربية، وهذا العدد وُضع سنة 1911م. عدد خاص بعملية التبشير، خطط التبشير، مؤتمرات التبشير. وتقريبًا لا يشمل هذا العدد إلا هذا البحث الخاص بقضية التبشير الذي كان يدور كلّه حول ما تقوم به الإرساليات التبشيرية، خاصة الإرساليات البروتستانتية في العالم الإسلامي.

مقدّمة هذا الكتاب تضمّنت الإشارة إلى عملية خطيرة جدًّا تقوم بها الكلية اليسوعية في بيروت، وهي: كلّية القديس يوسف اليسوعية. أشارت إلى ما تقوم به هذه الكلية في نشر تعاليم الإنجيل في سوريا ولبنان.

وبعد هذه المجلّة في الأهمية: كتاب اسمه: (تاريخ التبشير) للمستر “إدون بلس” البروتستانتي، تضمّن تاريخ التبشير في العالم الإسلامي حتى أواخر القرن التاسع عشر.

ومن أهمّ الشخصيات التي كتبت عن التبشير، والتي أيضًا كُتب عنها في تاريخ التبشير: القسّيس “صموئيل زويمر”. هذا الرجل عقد كثيرًا من المؤتمرات، وأشرف على كثير من البحوث والمؤلّفات حول عملية التبشير. ومن أهمّ ما ألّف: كتابات “زويمر” في بحوثه العلمية التاريخية الموثقة بوثائق منه هو، التي تدل على أهداف “زويمر” في الالتفاف حول جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام. وأشار في هذه المؤلّفات إلى ضرورة ربط المصالح الاستعمارية بمصالح المبشرين، ولفت نظَر المبشرين والمستعمرين إلى مكّة والمدينة اللتيْن أطلق عليهما اسم: “مهد الإسلام”. كما كتب أيضًا عن أهمية التفكير في تقليص دور الأزهر في مصر.

error: النص محمي !!