Top
Image Alt

مراحل تأسيس علم التخريج

  /  مراحل تأسيس علم التخريج

مراحل تأسيس علم التخريج

في مراحل التأسيس والحديث مَرَّ بمرحلتين:

المرحلة الأولى: أنهم -أي: الصحابة- مُنِعوا أولًا من كتابة حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم مخافة أن يخلطوا الحديث بالقرآن، فلما عرف هذا من ذاك وعرف أسلوب القرآن الكريم عرفت أحاديث المصطفى صلى الله عليه  وسلم وتمكن الصحابة من التفرقة بينهما؛ أذِنَ رسول الله صلى الله عليه  وسلم في كتابة أحاديثه صلى الله عليه  وسلم ومع ذلك استمر بعض الصحابة يكرهون كتابة الحديث؛ مخافةَ أن يلتبس الحديث بالقرآن.

وتحت عنوان: كراهية كتابة السنة من بعض الصحابة وبعض التابعين، وأثر ذلك في تأخر ظهور علم التخريج يقول الدكتور عبد الموجود عبد اللطيف في كتابه (كشف اللثام عن تخريج أحاديث سيد الأنام): وإذا أضفنا عاملًا آخرَ أخذ دوره في مجرى الحياة، وهو كراهية كتابة العلم من بعض الصحابة رضي الله  عنهم كعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، سعد بن مالك، وعبد الله بن العباس، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن قيس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت رضي الله  عنهم وكراهيتها كذلك من بعض التابعين كالقاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة -وهما مدنيان- وعمرو بن دينار الجمحي -وهو مكي- وأبو إدريس الخولاني -وهو تابعي شامي- وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعبيدة بن عمرو السلماني، وسليمان بن مهران الأعمش، وعامر بن شراحيل الشعبي -وكلهم كوفيون- ومحمد بن سيرين، وأبو العالية الرياحي رفيع بن مهران -وهما بصريان- وغير هؤلاء من التابعين.

وقد حذا حذو هؤلاء بعض أتباع التابعين في كراهيتهم كتابة السنة كمنصور بن المعتمر ومغيرة بن مقسم الضبي -وهما كوفيان- وعبد الله بن عون بن أرطبان -وهو بصري- والضحاك بن مزاحم -وهو خراساني- وغير هؤلاء مما قدمنا من أتباع التابعين، وإذا أخذنا في الاعتبار تأثر الطالب بأستاذه غالبًا، إضافةً إلى حَثُهم طلابهم على ذلك؛ لأمكننا الإحاطة بالأسباب التي أدت إلى عدم ظهور التخريج في وقت مبكر، وهو وإن كان مذهبًا فرضيًّا ومؤقتًا لأصحابه -كما سنعلم، إن شاء الله تعالى- إلا أنه كان -ولا شك- من العوائق التي حالت دون كتابة كثير من الأحاديث وتيسير أمرها لغير طلابهم؛ مما نتج عنه تأخر ظهور هذا العلم إلى ما بعد عصر التدوين والتصنيف.

المرحلة الثانية: تدخل السلطان -أي: سلطان الدولة الإسلامية- لإنقاذ السنة ونشط العلماء في جمعها؛ فدونت الدواوين، وكتب الكثير من كتب الحديث، وبعد أن دونت الأحاديث في الكتب، كان لا بد أن تكون هناك مرحلة التخريج… من أجل ذلك تأخر علم التخريج.

وكان هذا العمل الفذ على يد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله  عنه حيث أمر الولاة بنشر السنة وجمعها وكتب لهم بذلك؛ فعن عِكرمة بن عمار الحنفي العجلي قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقول: أما بعد؛ فَأَمْر أهل العلم أن ينشروا العلم في مساجدهم؛ فإن السنة كانت قد أميتت… كما كلف أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عامله على المدينة بجمع السنة، وقال له: “انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم فاكتبه؛ فإني خشيتُ دروسَ العلم وذهاب العلماء”؛ كما أوصاه أن يجمع حديث عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية وبكتابة السنن، وأن يجمع حديث القاسم بن محمد؛ كما أرسل إلى محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة يأمره كذلك بكتابة حديث عمرةَ التي كان يسألها في السنة الخليفة عمر بن عبد العزيز بنفسه.

وكتب عمر إلى عماله في المدن الإسلامية بجمع السنة ولَمِّ شتاتها، وممن كتب إليهم محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري.

وحذا حذو الخليفة عمر في هذا السبيل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك؛ إذ كان يُكره العلماء على كتابة السنة وجمعها، ومن الحوافز القوية التي دفعت عمر إلى ذلك موت كثير من الصحابة، وشيوع الابتداع، وقلة الضبط؛ فإن الأولين وإن كره بعضهم كتابة السنة؛ فإن لهم في ذلك مندوحة لقربهم بالعهد -أي: بالعهد النبوي- وتقارب الإسناد؛ أما والوقت متباعد والابتداع في الدين قائم فإن جمع السنة وتدوينها أضحى من أهم الواجبات تجاه الخليفة والدولة.

قال الإمام الرامهرمزي: “وإنما كره الكتابة من كره في الصدر الأول لقرب العهد وتقارب الإسناد؛ ولئلا يعتمده الكاتب فيهمله، أو يرغب عن تحفظه وحفظه وعن العمل به؛ فأما والوقت متباعد والإسناد غير متقارب، والطرق مختلفة، والنقلة متشابهون، وآفة النسيان معترضة، والوهم غير مأمون؛ فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى”.

وكان لهذا الأمر الصارم من الخليفة الأموي عمر أثره القوي في نفوس العلماء؛ إذ قطع عليهم طريق التمادي في كراهة كتابة السنة وعجل بتدوينها وإباحتها للكافة من أبناء الأمة، يقول الإمام ابن شهاب: “كنا نكره كتابةَ العلم حتى أكرهنا عليه الأمراء؛ فرأينا ألا نمنعه أحدًا من المسلمين”.

وقد نشط العلماء لهذا الأمر في شتى الأمصار الإسلامية ممن عهد إليهم جمع السنة، وقاموا بواجبهم خير قيام؛ فشمروا عن ساعد الجد، وأخذوا يرتادون مجالس العلماء، يسجلون ما عندهم بأسانيدهم من حديث الرسول صلى الله عليه  وسلم أو آثار الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-.

فهذا هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان يقول: “كنا نطوف مع الزهري على العلماء ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما سمع، ولقد كان بعضهم لما يرى به من هذه الهيئة يضحك به، ولم يكن ذلك على جهة التندر به أو الإقلال من قدره؛ وإنما كان إشفاقًا عليه من أجل الهموم التي ألفته حتى احتوته إحساسًا لثقل العبء وخطر المهمة، ذلك الأمر الذي جعله يترفع عن الكثير من المظاهر حتى يصل إلى غايته ويبلغ مأربه ويأتي على هدفه الذي وطن النفس عليه؛ فكان رضي الله  عنه يدون كل ما سمعه من حديث الرسول صلى الله عليه  وسلم بل وكان يدون كل ما سمعه من آثار الصحابة رضي الله  عنهم”.

وهذا هو الصالح بن كيسان يقول: “اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا: نكتب السنن؟ قال: وكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ثم قال: نكتب ما جاء عن الصحابة؛ فإنه سنة؟ قال: قلت ليس بسنة؛ فلا تكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعتُه، وقد رزقه الله ذكاء حادًّا -أي: الإمام الزهري- وحافظة قوية مستوعبة تجعله لا ينسى شيئًا مما استودعه في قلبه:

فعن عبد الله بن وهب بن مسلم الفهمي قال: سمعت الليث -أي: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المتوفى 175 هجرية- يحدث أن ابن شهاب كان يقول: ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيته.

أما الأحاديث التي جمعها أبو بكر بن محمد بن حزم فقد ضاعت عنه لذلك لم يشتهر شهرة الزهري، ذلك الذي فاق معاصريه واستولى على ثقة الفحول من المحدثين، وكان جديرًا بأن يوصف بأنه أول من دون هذا العلم وكتبه؛ فعن مكحول بن أبي مسلم الشامي قال: ما رأيت أحدًا أعلم بسنة ماضية من الزهري.

وقيل له -أي: لمكحول-: مَن أعلم مَن لقيت يا أبا عبد الله؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب، وقال عنه الخليفة عمر بن عبد العزيز: عليكم بابن شهاب هذا؛ فإنكم لا تلقون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أبصر بحديث من الزهري، وقال عبد الله بن المبارك: حديث الزهري عندنا كأخذ باليد، وقال الإمام مالك بن أنس أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب.

وقد حفظ الله للسنة بيضتها بابن شهاب، وكان لهمته العالية وإيمانه القوي الأثر الأكبر في إنقاذ كثير من السنن من الضياع؛ حتى قال الليث عن الجمحي: لولا ابن شهاب لذهب كثير من السنن.

error: النص محمي !!