Top
Image Alt

مراسيل التابعين

  /  مراسيل التابعين

مراسيل التابعين

أولًا: مراسيل الزهري:

وتحدث العلماء عن مراسيل التابعين:

قال جعفر بن عبد الواحد الهاشمي لأحمد بن صالح المصري: قال يحيى بن سعيد: مرسل الزهري شبه لا شيء؛ فغضب أحمد وقال: ما ليحيى ومعرفة علم الزهري؟ ليس كما قال يحيى!

وأحمد بن صالح المصري كان من المتخصصين في دراسة ما روي عن الزهري, وهو في ذلك متقدم عن يحيى بن سعيد رغم مكانة يحيى بن سعيد، وما قاله هنا يردّ على ما قاله الشافعي أيضًا من أن إرسال الزهري ليس بشيء، قال: وذلك أن نجده يروي عن سليمان بن أرقم؛ فذكر في (الرسالة) عن ابن شهاب: “أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر رجلًا ضحك في الصلاة, أن يعيد الوضوء والصلاة”، قال: فلما نقبل هذا؛ لأنه مرسل، ثم أخبرنا الثقة عن معمر عن ابن شهاب عن سليمان بن أرقم عن الحسن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث.

فهنا وضعنا الشافعي أمام رواية مرسلة عن الزهري وأمام رواية متصلة عنه، وفي الرواية المتصلة عنه روى عن راوٍ ضعيف، ومعنى ذلك: أن الزهري إذا روى حديثًا مرسلًا, فإنه يرويه أيضًا متصلًا ويذكر من أخبره بالحديث؛ فيتبين ما في المرسل من العيوب، ولو لم يذكر الرواية المتصلة لما عرف هذا العيب.

قال الشافعي: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير -أي: الاختيار- وثقة الرجال؛ إنما يسمي بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم خيار التابعين، ولا نعلم محدثًا يسمي أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب؛ فأنى تراه أُتي في قبوله عن سليمان بن أرقم؟!

إن الزهري هنا حينما يروي الحديث مرسلًا كأنه يشير إلى عيب فيه، وأنه ليس على نسق رواياته الأصلية التي يختار فيها مشايخه، ويختار فيها من رواية الصحابة ما يرضاه ويجعله متميزًا على غيره؛ لكن الشافعي يقول ما حاصله: أنه أُتي في قبوله عن سليمان بن أرقم, أنه رآه رجلًا من أهل المروءة والعقل؛ فقبل عنه وأحسن الظن به, فسكت عن اسمه؛ إما لأنه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله معمر عن حديثه عنه فأسنده له.

وهذا اتهام للزهري أيضًا أنه لا يقدر الرواة حق التقدير؛ وذلك من الإمام الشافعي في حقه غير مقبول؛ لأنه لم يُكثر الرواية عنه وما رواه عنه بينه حين سئل, وإن ما يؤخذ من ذلك أن الزهري إذا أرسل الحديث، فإنه قد لا يكون على منهجه الأصلي في الرواية وقد يتساهل في مثل هذه الرواية، كما أن الإمام البخاري في صحيحه يشدّد غاية التشديد وفي غير صحيحه ييسر بعض التيسير، وهذا كأنه منهج للمحدثين الكبار فيما يتصل بروايتهم؛ فلهم منهج أصلي يراعون فيه أقصى ما يمكن من الدقة، ولهم في بعض الروايات نوع من التخفيف؛ ومن عرف منهجهم ظهر له ذلك.

قال الشافعي: فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان -مع ما وصفت به ابن شهاب- لم يؤمَن مثل هذا على غيره، والشافعي هنا متشدد غاية التشديد؛ حفاظًا لحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان هذا مما ينبغي اعتباره لو أنهم يرسلون الحديث ثم لا يبينون إذا سئلوا عن مصدر هذا الحديث، وأيضًا إذا لم تورد المقارنة بين الروايات فتتبين كل رواية بما لها وما عليها.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: حديث الضحك في الصلاة: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يعيد الوضوء والصلاة”، كله يدور على أبي العالية، قال ابن المديني: فقد رواه الزهري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا، قال عبد الرحمن: قرأت هذا الحديث في كتاب ابن أخي الزهري عن الزهري عن سليمان بن أرقم عن الحسن، والحسن أيضًا أرسله وهو أخذه من أبي العالية.

وكل ما أُثير حول هذا الحديث رأينا أن إثارته وتضعيف أبي العالية من أجله، والكلام في هؤلاء الأئمة من أجله -إنما هو لاستغراب الحديث وعدم وجود ما يشهد له فيما ورد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكن قد ورد مثله في صلاة المسبل ثوبه، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره بعد أن توضأ وصلى بأن يعيد الوضوء والصلاة, فيبدو أن هذا إنما هو تعزير خاص أو تأديب خاص في مثل هذه الحالات الشديدة, الخارجة عما ينبغي أن يكون عليه العمل، وليس حكمًا عامًّا كما اعتبر هؤلاء العلماء وضعفوا من أجله.

وروى ابن حزم في (الإحكام) بسنده عن النعمان بن راشد, عن زيد بن أبي أنيسة: أن رجلًا أجنب فغُسل فمات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لو يمموه! قتلوه قتلهم الله)) قال النعمان: فحدثت به الزهري؛ فرأيته بعد يروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: من حدثك؟ قال: أنت حدثتني؛ عمن تحدثه؟ قلت: عن رجل من أهل الكوفة، قال: أفسدتَهُ؛ في حديث أهل الكوفة دَغَل كبير.

فالنعمان بن راشد روى الحديث والزهري أرسله عنه، وهذه القصة حكاها النعمان بن راشد عن شيخه، والنعمان بن راشد -كما قال العقيلي- ليس بشيء, ضعيف العقل؛ فلا تبنى أحكام على رواية مثل هذا الرجل على إمام مثل الزهري.

وروى أبو داود من طريق الزهري عن أبي سلمة, عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا نذر في معصية, وكفارته كفارة يمين”، ثم نقل عن أحمد: أن ابن المبارك قال في هذا الحديث: حدث أبو سلمة –أي: إن الزهري قال: حدث أبو سلمة- فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، قال أحمد: فأفسدوا علينا هذا الحديث، وذكر روايته من طريق ابن شهاب عن سليمان بن أرقم: أن يحيى بن أبي كثير أخبره عن أبي سلمة عن عائشة.

وانتهى أحمد عمن نقل عنه إلى أن الحديث وهَم فيه سليمان بن أرقم وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة عن عائشة، وهو عند يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن الحصين، وقد ذكر العلائي في (جامع التحصيل) من أرسل عنه الزهري، والأحاديث التي قيل: إنه أرسلها؛ مما يدل على أنها محدودة، وعلى أن منهج الزهري في الإرسال لا يعتمد على مثل هذا. كما ذكر العلائي أن الأكثر على تضعيف مراسيل الزهري، وذكر منهم الشافعي ويحيى بن سعيد القطان الذي قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ وكلما قدر أن يسمي سمّى, وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه، وذكر يحيى بن معين أن مراسيل الزهري ليست بشيء.

وما قاله يحيى بن سعيد عن الزهري من أنه إذا لم يسمِّ؛ فمعنى أن من لم يُسمِّه لا يستجيز أن يسميه يؤكد ما قلناه قبل ذلك من أن منهج الزهري إذا سمى الراوي سمى ثقة, وإذا لم يسمِّ الراوي فمعناه أنه يشك فيه؛ لكن هذا في بعض المراسيل وليس في كل مراسيله؛ لأن أحمد بن صالح المصري لم يقبل مثل هذا الكلام، وهو متخصص في دراسة كل ما روي عن الزهري، وقد قال -كما سبق-: ما ليحيى بن سعيد وحديث الزهري؟! لكن العراقي يقول: الظاهر أن قول الأكثر أولى بالاعتبار، ونقول: إن الدارس المتخصص -وإن خالفه الأكثر- كلامه له اعتباره عند الأكثر.

ويظهر لنا أن إرسال الزهري، وإن أثر على السند بإسقاط ضعيف أحيانًا؛ فإن المتن الذي يرويه لا بد أن يشهد له غيره من المتون؛ ولكن موقف العلماء من إرسال الزهري يدل على العناية بتحرير روايات التابعين, من كل ما طرأ على الرواية من العلل بجهود كبيرة من خبراء الحديث؛ هذا عن مرسل الزهري.

ثانيًا: مراسيل غير الزهري من التابعين:

وأما مرسل سعيد بن المسيب فمرتبته أعلى من ذلك، قال الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن، وفسره بعضهم بأنه حجة، ورأى بعضهم أنه يترجح به الحكم ولا يحتج به على إثبات الحكم -أي: إنه ينفع في الترجيح؛ لكن لا ينهض وحده للاعتماد عليه- قال الخطيب: وهو الصحيح؛ لأن من مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحال، ولم يبين عنه أو عن غيره، والظاهر العموم.

وقال أحمد ويحيى بن معين: مراسيل ابن المسيب أصح المراسيل، واستدل الحاكم لذلك بأنه من أولاد الصحابة، وأدرك عمر وعثمان وعليًّا إلى آخر العشرة، وهو فقيهُ أهل الحجاز ومفتيهم وأول الفقهاء السبعة بالمدينة الذين جعل مالك إجماعهم إجماع كافة الناس، قال الحاكم: وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذا لا يوجد في مسند غيره، ويؤيد ذلك أن سعيدًا حدَّث بحديث، فقال له يزيد بن مالك: من حدثك بهذا؟ فقال: خذ ولا تسأل؛ فإنا لا نأخذ إلا عن الثقات. ومن هنا, فإن تصحيح الخطيب أن مراسيل سعيد لا ينهض بها حكم؛ وإنما يرجح بها تشدد منه مخالف لما هو أولى منه.

وأما مرسل الحسن بن أبي الحسن البصري فيما رواه الثقات عنه، فقال ابن المديني: صحيح؛ ما أقل ما يسقط منه، وقال أبو زرعة: كل شيء يقول فيه الحسن: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجدت له أصلًا ثابتًا, ما خلا حديثًا أو حديثين، وقال ابن سعيد القطان: ما خلا أربعة أحاديث، قال ابن حجر: ولعله أراد ما جزم به الحسن؛ فابن حجر احتاط لهؤلاء العلماء وقال: إن هذا ينطبق على ما جزم به الحسن؛ لكنهم أطلقوا، والظاهر الإطلاق.

وقال رجل للحسن: إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك، فقال الحسن: أيها الرجل ما كَذَبْنا ولا كُذِّبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- -أي: إن ما يرسله أخذه عن الصحابة, وقد لقي صحابة كثيرين.

وقال يونس بن عبيد: سألت الحسن قلت: إنك تقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنك لم تدركه! فقال: إني في زمان كما ترى -وكان زمن الحجاج- ثم قال الحسن: كل شيء سمعتني أقول: قال رسول -صلى الله عليه وسلم- فهو عن علي بن أبي طالب؛ غير أني في زمن لا أستطيع أن أذكر عليًّا. وهذا ليس في كل مراسيله؛ وإنما فيما سمعه هذا الرجل من الحسن، وليس الأمر مخصوصًا بعلي -رضي الله عنه- وإنما كان هناك أيضًا من شيعته الأخيار من الصحابة, من لا يسمح الأمر بالرواية عنهم تصريحًا، وهذا سبب مهم من أسباب إرسال الحسن.

وتوقف بعض العلماء في قبول مراسيل الحسن, فقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن؛ فإنه كان يأخذ عن كل واحد، وقال ابن سعد: ما أرسل فليس بحجة، وقال الدارقطني: مراسيله فيها ضعف.

ونحن أمام أمرين: إما أن نرجح من بحث واستقصى، وإما أن نشك في بحثه واستقصائه، وأولى من ذلك كله أن نحمل الضعف على ما أرسله عن غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- جمعًا بين القولين، أي: إن روايته عن الضعفاء كان يبرز فيها الضعيف أو شيخه أو نحو ذلك من الأمور، ويمكن اعتبار الضعف فيما لم يجزم به بناء على ما قاله ابن حجر، وكان الحسن إذا سمى سمى ثقة، قال حبيب بن الشهيد: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة، قال: فسألته فقال: من سمرة؛ فسمى صحابيًّا.

وقال ابن عبد البر: يقولون: لم يسمع الحسن من سمرة غير حديث العقيقة… هكذا قال ابن معين وغيره، وقال البخاري: قد سمع منه أحاديث كثيرة, وصحح سماعه من سمرة فيما ذكره الترمذي عنه.

واختلاف العلماء فيما يتصل بمراسيل الحسن, إنما يعتمد منه من درس ومن تأمل في مراسيله وفي اتصالها؛ أما من حكم بمجرد العموم فرأيه أضعف من رأي غيره.

وأما إبراهيم النخعي فقد قال للأعمش: إذا قلت: عن عبد الله -أي: ابن مسعود- فاعلم أنه عن غير واحد عنه، وإذا سميت لك أحدًا فهو الذي سميت، قال ابن عبد البر: في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده؛ لكن هذا في روايته عن ابن مسعود كما هو النص عنه، وتعميمه يحتاج إلى دليل على هذا التعميم.

وقال الشافعي: كان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وطاوس, وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب… وهذا محمول على الأصل والغالب، ولا يؤثر فيه ما قاله عن رواية الزهري عن بعض الضعفاء حينما يرسل الحديث.

وقال علي بن المديني: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير؛ كان عطاء يأخذ من كل ضرب، وقال يحيى بن سعيد: مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء، قيل: فمرسلات مجاهد أحب إليك, أو مرسلات طاوس؟ قال: ما أقربهما -أي: في الاعتماد- وقال أيضًا: مرسلات أبي إسحاق الهمداني والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء، ومرسلات إسماعيل بن أبي خالد ليست بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي، ومرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم.

error: النص محمي !!