Top
Image Alt

مراعاة اصطلاح الأئمة في عبارتهم المتعلقة بالجرح والتعديل وما يتبع ذلك من مسائل

  /  مراعاة اصطلاح الأئمة في عبارتهم المتعلقة بالجرح والتعديل وما يتبع ذلك من مسائل

مراعاة اصطلاح الأئمة في عبارتهم المتعلقة بالجرح والتعديل وما يتبع ذلك من مسائل

الثالث عشر: مراعاة اصطلاحات الأئمة فيما يطلقون من عبارات الجرح والتعديل:

قيل لابن معين: إنك تقول: فلان لا بأس به، وفلان ضعيف؟! فقال: من أقول: لا بأس به؛ فثقة. ومن أقول: فيه ضعف؛ فليس بثقة؛ لا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم: ما تقول في علي بن حوشب الفزاري؟ فقال: لا بأس به. قلت له: ولم لا تقول: ثقة ولا نعلم إلا خيرًا؟ قال: قد قلت لك: إنه ثقة.

استناد قواعد الجرح والتعديل إلى قواعد محكمة:

الرابع عشر: قواعد الجرح والتعديل غالبية تحكمها قرائن الأحوال وسياق الكلام:

تستند قواعد الجرح والتعديل إلى أسس شرعية معتبرة، يساندها المنطق العقلي، والدراسات العلمية لنقد الراوي والمروي، وتهدف إلى ترجيح القول في الراوي بالجرح أو التعديل؛ للحكم على أحاديثه بالقبول أو الرد، لكن علماء الجرح والتعديل عند تطبيق هذه القواعد يختلفون، فبعضهم يتجه إلى الاستقراء الكامل لحال الراوي وما رواه، ويحكم عليه بناءً على هذه الدراسة المفصلة، ويستشهد لما يقوله بنماذج لما انتهى إليه الحكم، وهذا من أدق ألوان الحكم على الراوي؛ لاستناده إلى دراسة علمية عملية مفصلة لمرويات الراوي ولما نقل من حاله، والاستكشاف للعلل فيما رواه، وينبني على ذلك الحكم بضبطه أو الحكم باختلال هذا الضبط مع تحديد سبب الاختلال.

وأما الحكم بالعدالة فيستند إلى ظاهر حاله، وما ينكشف للفاحص من أمور، ولا يمكن الوصول إلى ما ينبني عليه الحكم إلا بجهد معتبر، يصل به من يحكم إلى قريب من اليقين، وقد يجرح الراوي بما لا يجرح به من ناحية العدالة؛ لاستناد المجرح في جرحه إلى أمر مختلف فيه، يراه قادحًا ويراه غيره غير قادح، بناءً على اجتهاد كل منهما في ذلك، وقد يرد الجرح مقيدًا بوقت خاص أو في مجال خاص، كحديث رواه، أو حادثة عرضت استند إليها من يحكم عليه، فيكون الحكم خاصًّا ولا يعتمد عليه حكمًا عامًّا على الراوي؛ من هنا كان اختلاف علماء الجرح والتعديل في الحكم على بعض الرواة؛ لاختلافهم فيما ينبني عليه هذا الحكم، من الدارسة المفصلة أو غير المفصلة، ومن المعرفة العامة به أو المعرفة الخاصة، وكانت الحاجة ماسة إلى جمع الأقوال والمقارنة بينها والترجيح؛ للوصول إلى الحكم الذي يعتمد عليه في الراوي، وكان الاختلاف بين العلماء في تعديل بعض الرواة وعدم تعديلهم، وفي قبول روايتهم وعدم قبولها، كما أن الألفاظ التي يطلقونها في الجرح والتعديل بعضها صريح لا يحتمل غير ما يظهر منه، وبعضها تتردد فيه الفهوم.

ولا بد من دراسة مدلول اللفظ الذي يحكم به العالم على الراوي، والتعرف على المراد منه: هل المقصود به حالة خاصة أو حكم عام؟ فقد أورد التهانوي فصلًا في أن تضعيف الرجال وتوثيقهم وتصحيح الأحاديث وتحسينها أمر اجتهادي، ونقل قول ابن تيمية: وللعلماء بالرجال وأحوالهم من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم. ونقل قول السيوطي: والعلة عبارة عن سبب خفي قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه. قال السيوطي: ولا يخفى أن ظن المجتهد -أي: إذا لم يترجح بدليل معتبر- لا يكون حجة على مجتهد آخر.

وقال ابن حجر: تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا، لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيعتمد، وقد يخطئون الراوي في حديث؛ لأنه لم يروه غيره، ويرون أنه منكر أو أنه متهم به، ثم يثبت لغيرهم بالبحث أن غيره رواه، وأنه بريء من عهدته.

تقييد الجرح والتعديل:

الخامس عشر: ورود الجرح والتعديل مقيدين:

أ.  توثيق الراوي فيما حدث به في بلد دون آخر:

وأسباب ذلك: أنه قد يكون في بلد فيه كتبه فيضبط ما يرويه، وفي بلد آخر لا يكون معه كتبه فيخطئ حين يحدث من حفظه، ومن ذلك معمر بن راشد، حديثه في البصرة فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد.

ب. توثيق الراوي فيما حدث به أهل أقليم دون غيره:

توثيق الراوي فيما حدث به أهل إقليم فحفظ حديثهم:

والمشهور في ذلك إسماعيل بن عياش الحمصي، قال الأئمة أحمد، وابن معين، والبخاري، وأبو زرعة وغيرهم: إذا حدث عن الشاميين فحديثه جيد، وإذا حدث عن غيرهم فحديثه مضطرب.

جـ. توثيق الراوي إذا جاءت روايته من طريق أهل إقليم دون آخر:

كزهير بن محمد الخراساني، ثم المكي، أهل العراق يروون عنه أحاديث مستقيمة، وما خرج عنه في الصحيح فمن روايتهم عنه، وأهل الشام يروون عنه روايات منكرة.

د. تضعيف الراوي الثقة في حديثه عن بعض شيوخه:

قال ابن رجب: وهؤلاء جماعة كثيرون، منهم حماد بن سلمة البصري أثبت حديثًا عن ثابت البناني، وعن علي بن زيد بن جدعان، وعمار بن أبي عمار. وقال أحمد: لا أعلم أحدًا أحسن حديثًا عن حميد من حماد بن سلمة؛ سمع منه قديمًا، يروي أشياء، مرة يرفعها ومرة يوقفها، وحُمَيْد يختلفون عنه اختلافًا شديدًا. وقال أحمد: حماد أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثًا. وقال أيضًا: حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل؛ سمع منه قديمًا، يخالف الناس في حديثه. وقال محمد بن زياد -صاحب أبي هريرة: ثقة، وأجاد حماد بن سلمة الرواية عنه. وتكلم أحمد في رواية حماد عن أيوب فقال: يسند عنه أحاديث لا يسندها الناس عنه.

وقال في حديثه عن قيس بن سعد: ضاع كتابه؛ فكان يحدث من حفظه فيخطئ. وضعف القطان روايته عنه، وروايته عن زياد الأعلم. وقال أحمد: إذا روى حماد بن سلمة عن الصغار أخطأ، وأشار إلى روايته عن داود بن أبي هند. وقال مسلم: إذا حدث عن غير ثابت، كقتادة، وأيوب، وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دغار … وأشباههم؛ فإنه يخطئ في حديثهم كثيرًا.

هـ. تضعيف حديث الراوي في وقت دون وقت:

وتحته نوعان:

1. أن يضعف حديثه بأخرة، كما هو الشأن في المختلطين وأمثالهم. ومما ذكر في ذلك: أن سهيل بن أبي صالح كان ثقة، ثم مات أخوه فحزن عليه حزنًا شديدًا؛ فأصابته علة؛ فنسي كثيرًا من الحديث. أي: وهبطت درجته من الثقة إلى كونه يحتاج إلى متابع.

2. أن يضعف الراوي في أول الأمر ثم يوثق. قال عفان: كان همام -أي: ابن يحيى البصري- لا يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه؛ فقال: يا عفان، كنا نخطئ كثيرًا فنستغفر الله. قال ابن حجر: وهذا يقتضي أن حديث همام بأخرة أصح ممن سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد.

و. تضعيف الراوي في حفظه، وتوثيق روايته من كتابه:

وقد ذكر ابن رجب من ذلك عبد الرزاق بن همام الصنعاني، قال أحمد: لا يعبأ بحديث من سمع منه وقد ذهب بصره، كان يلقن أحاديث باطلة، وقد حدث عن الزهري أحاديث كتبناها من أصل كتابه وهو ينظر، جاءوا بخلافها -أي: عنه- وذكر لأحمد حديث: “النار جبار” فقال: هذا باطل؛ ليس من هذا شيء، من يحدث بهذا عن عبد الرزاق؟ فقال له الأثرم: أحمد بن شَبُّويَه. قال أحمد: هؤلاء سمعوا منه بعد ما عمي؛ كان يلقن فلقنه، وليس هو في كتابه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه كان يلقنها بعد ما عمي.

ورود الجرح والتعديل نسبيين، وفائدة ذلك:

ثم نتكلم عن ورود الجرح والتعديل نسبيين، مع بيان فائدة ذلك عند التعارض:

قال السخاوي: ينبغي أن تتأمل أقوال المزكين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه، ولا ممن يرد، وإنما ذلك -أي: الحكم- بالنسبة لمن قرن معهم على وفق ما وجه إلى القائل من السؤال، كأن يسأل العالم عن الفاضل المتوسط في حديثه، ويقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، فإذا سئل عنه بمفرده بيّن حاله في التوسط.

وأمثلة ذلك كثيرة؛ ومنها: قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه: كيف حديثهما؟ قال: ليس به بأس. قلت: وهو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقًا؛ بدليل قوله: “إنه لا بأس به” وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري. قال: فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها؛ ليتبين ما لعله خفي منها على كثير من الناس، وكذا ينبغي تأمل الصيغ؛ فرب صيغة يختلف الأمر فيها بالنظر إلى اختلاف ضبطها، كقولهم: فلان مودٍ؛ فإنه اختلف في ضبطها، فمنهم من يخففها -أي: هالك- قال في الصحاح: أودى فلان أي: هلك، فهو مودٍ، ومنهم من يشددها مع الهمزة فيقول: مُؤَدٍّ -أي: حسن الأداء- نقله السخاوي عن ابن حجر، وقال: كذا أثبت الضبطين ابن دقيق العيد.

error: النص محمي !!