Top
Image Alt

مراعاة الإطلاق الصحيح للفظ الخلافة

  /  مراعاة الإطلاق الصحيح للفظ الخلافة

مراعاة الإطلاق الصحيح للفظ الخلافة

وهناك تنبيهٌ لا بد منه، بعدما علمنا أن الخلافةَ والإمامةَ لفظان يعبران عن معنى واحد، إلا أن إطلاق لفظ الخلافة ينبغي إجراؤُهُ على المعنى الصحيح الذي يؤدي هذا المقصد، فمِمَّا جاء في القاموس: الخليفة السلطان الأعظم كالخليف، أي: يقال بالتذكير والتأنيث، والخليف والخليفة، والجمع خلائف وخلفاء.

هكذا عرَّفَهُ في القاموس، لكن ابن الأثير نبَّه إلى نكتةٍ بديعة في كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر)، فقد ذكر أثرًا يقول: جاءَ أعرابي فقال لأبي بكر: أنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا. قال: فما أنت إذا؟ كنت تقول لستَ خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا الخالفة بعده، أي: الذي يأتي بعده، أما أن يكون خليفة فلا، وذلك لأن لفظ الخليفة فيه معنى دقيق، فأبو بكر لم يرض لنفسه أن يقول: إنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قال: أنا الخالفة بعده، أي: جاء من بعده فقط، يوضح ذلك ابن الأثير فيقول: الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسدُّ مسدَّه، والهاء فيه للمبالغة، وجمعه الخلفاء إلى آخره.

فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو بشرٌ لم يَرْضَ أبو بكر الصديق أن يقول: إنه خليفته؛ لأن معنى الخلافة بهذه اللفظة: أنه ينوب مناب الذي خلف ومضى، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يمكن لأبي بكر مهما سما وعلا أن يداني كماله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا نعرف بأنه لا ينبغي من باب أولى أن يقال: الإنسان هو خليفة الله في الأرض؛ لأن البون أكبر من أن يذكر بين الخالق والمخلوق، فإذا كان أبو بكر لم يرض أن يقول عن نفسه: إنه خليفة الرسول، فنحن لا نرضى أن نقول: إن الإنسان خليفة الله في الأرض.

وأما قول الله تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]. فقد جاء في تفسير هذه الآية أو هذه اللفظة بخصوص هذه الآية أقوال للعلماء، أقربُها القول الذي جنح إليه ابن كثير، وهو في ذلك تابع لابن جرير، يقول ابن كثير في تفسير الآية نفسها: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}: ليس المراد هنا لخليفة آدم عليه السلام فقط، كما يقول طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى فلانٍ وفلانٍ، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في (تفسيره) وغيره.

والظاهر: أنه لم يرد آدم عينًا؛ إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ} [البقرة: 30] فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك إلخ.

ثم قال ابن كثير: قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرنٍ بعد قرن، قال: والخليفة الفعيلة من قولك: خلَفَ فلانٌ فلانًا في هذا الأثر، إذا قام مقامَهُ فيه بعده، كما قال تعالى: {ثُمّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر، فكان منه خلفًا.

هذا هو معنى الخلافة، فلا ينبغي إطلاق ذلك إلا فيما وضع له من المعاني الصحيحة، لا سيما إذا كان الأمر متعلقًا بالله عز وجل فلا يقال: خليفة الله في الأرض؛ لأن الذي يريد أن يخلف غيره يجب أن يكون أقل ما يكون قريبًا منه، فإذا كان أبو بكر أبى أن يقال له ذلك للبون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فما الذي يجب أن يقال بالنسبة للخالق والمخلوق، فالله تبارك تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

وقد أشارت السنة إلى هذه الحقيقة؛ حيث جاء في الحديث الصحيح: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر سفرًا دعا قائلًا: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل))، وفي رواية: ((في الحضر)). فإذا غاب الرجل عن أهله، فالله -تعالى- هو أحسن من يخلفه، فله الكمال المطلق في الاستخلاف. وأما العبد العاجز الجاهل، مهما كان قويًّا وعالمًا، فلن يكون خليفة عن الله عز وجل في الأرض، فهذا تعبير بعيد لغةً وشرعًا!!.

error: النص محمي !!