Top
Image Alt

مرحلة ما قبل التحقيق: اختيار النص وتحقيق العنوان واسم المؤلف

  /  مرحلة ما قبل التحقيق: اختيار النص وتحقيق العنوان واسم المؤلف

مرحلة ما قبل التحقيق: اختيار النص وتحقيق العنوان واسم المؤلف

وهنا يأتي سؤال: كيف يتمّ التَّحقيق، وما المَراحِل التي يجب أن نقوم بها ونحن نقوم بعَمل التَّحقيق؟

فإذا وجدنا باحثًا مُحقِّقًا صالحًا أن يدخل إلى مجال التَّحقيق، ووجدنا مَخطوطًا مُناسبًا يَصلُح أن يَنتقل من حالته التي هو عَليها إلى الحالة الجَديدة -حالة التَّحقيق العِلمي- ولكن هذا لا يتمّ دفعة واحدة، ولكنه يتمّ على مَراحل.

مراحل التحقيق بصفة عامة:

المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل التَّحقيق.

المرحلة الثانية: مرحلة تَحقيق النص نفسه، نص الكتاب القديم الموجود في خزائن المخطوطات.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد تحقيق النص ومقابلته، ويُمكن أن نسمّيها: مرحلة التَّحقيقات العِلمية على النص.

المرحلة الرابعة: مرحلة ما أطلق عليه بعض المُحقِّقين الكبار كالأستاذ عبد السلام هارون – رحمه الله- مرحلة: المُكمّلات الحَديثة. فلم يَكن القُدامى يُعْنَون بها قديمًا، ولكننا الآن في العصر الحديث نُعْنى بها ولا بدَّ من القِيام بها.

كلّ مرحلة من هذه المراحل تَشتمل على عدد من الخُطوات الداخلية التي يُشترط القيام بها قَبل الانتقال إلى المراحل التالية لها؛ حتى يَسير التَّحقيق سيرًا حَسنًا مُنضبطًا، ويُمكن إيضاح ذلك على النحو التالي:

المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل التَّحقيق:

تَتكوّن هذه المَرحلة من عدد من الخُطوات المُتتابعة:

الخُطوة الأولى: اختيار نص صالح للتحقيق وجدير به؛ بحيث تتحقّق فيه الشروط التي سبق الحديث عنها.

الخُطوة الثانية: تحقيق عُنوان الكتاب، وليس هذا بالأمر الهيِّن؛ فبعض المخطوطات قد يكون خاليًا من العُنوان. سنبيّن كيف نحصل على العُنوان، وكيف نتوصّل إليه. لكن إذا لم أستطع التوصل إلى عُنوان الكتاب، فهذه مشكلة لا بدّ من حلّها قبل المضي في التَّحقيق. فقد يكون المخطوط خاليًا من العُنوان لأسباب كثيرة؛ منها: فقْد الورقة الأولى منه. ومنها: انطماس جزئي للعُنوان بفعل الزمن أو بسبب تآكل الأوراق.

وإما لأنه قد يوضع على نسخة المخطوط عُنوان واضح جليّ كامل، ولكنه غير مطابق للواقع، ليس عُنوان الكتاب الأصلي، ربما بدواعي التزييف وإمّا بسبب تصرّف بعض النُّسّاخ أو الموظفين أو القرّاء.

عندنا إذًا ثلاث حالات: لا يوجد عُنوان أصلًا، أو عندنا عُنوان جزئيّ، أو عندنا عُنوان كامل، ولكن لا بد أن يكون عندنا قدْر من الشّكّ، والشكّ هنا مقدّم على اليقين؛ لا بد أن أشك أوّلًا، ثم أصل إلى اليقين فيما بعد ذلك، ثم أقوم بعدد من الإجراءات التي توصلني إلى الظن الراجح على الأقل، إن لم يكن اليقين أنّ هذا الكتاب عُنوانه كذا، وأن صاحب هذا الكتاب فلان الفلاني … إلخ.

فإذًا، سنأخذ هذه الحالات واحدة واحدة، وكل حالة من هذه الحالات تُعامَل معاملة خاصة؛ بحيث أستطيع أن أحلّ المشكلة التي تتعلّق بكل حالة على حِدة.

الحالة الأولى: لا يوجد عُنوان على المخطوط:

يمكن التّوصّل إلى العُنوان عن طريق طائفة من المحاولات التحقيقية، أي: التي يقوم بها المحقِّق، مثل الذي وُجدت أمامه جريمة لا يعرف الفاعل، فلا بدّ أن يقوم بعمل مجموعة من الإجراءات حتى يتوصّل إلى أن يكون هناك فاعل معيّن هو الذي قام بهذه الجريمة؛ هذا قياس مع الفارق، ولكن يبيّن لنا أنه لا بد من القيام بمجهود من أجل الوصول والعثور على عُنوان لهذا المخطوط.

مثلًا: ربما يُتاح للمحقِّق الظفر بطائفة من نصوص هذا المخطوط المجهول ضمن كتاب آخَر للمؤلِّف نفسه، وهذا يبيّن قيمة المراجعة للكتب الأخرى. فيجده في كتاب أتى بنصوص، هذه النصوص نفسها موجودة في هذا النص الذي يحقِّقه والذي غاب عُنوانه، مع ذكر اسم الكتاب في الكتاب الآخر؛ فيكون ذلك من وسائل المعرفة بعُنوان المخطوط.

مثلًا: إذا كان الكتاب الذي أقوم بتحقيقه لمؤلّف كابن تيمية، وتوافق أنّ النص الذي أقوم بتحقيقه ليس عليه عُنوان، ولكن قرأت في داخل الكتاب، فوجدت مجموعة من النصوص، وفي مرحلة قراءتي في كتب ابن تيمية وجدتُ هذه النصوص موجودة في كتاب آخر ومكتوب اسم الكتاب في الكتاب الآخر.

إذًا سآخذ هذا الاسم الذي ذكَره المؤلِّف نفسه في كتاب آخر لكي أضعه عُنوانًا لهذا المخطوط الذي بين يديّ. فهذه وسيلة من وسائل التّوصّل إلى هذا العُنوان المفقود.

أو أن يكون لدى المحقِّق خبرة خاصة بأسلوب مؤلِّف من المؤلِّفين، بأن يعرف أسلوب الجاحظ، أو يعرف أسلوب ابن قتيبة، يعرف أسلوب الطبري، يعرف أسلوب فلان؛ لأن الأسلوب هو الرجل. وفي العادة أن الإنسان يكتب بنفس الطريقة؛ حتى وإن تعدّدت الموضوعات. فإذا كان على دراية بأسلوب المؤلِّف يقول: لعلّ هذا الكتاب لفلان الفلاني، فيكون هذا بداية الخيط لمعرفة عُنوان الكتاب.

وممّا يساعد على حلّ هذه المشكلة: أن يكون اسم المؤلِّف موجودًا على المخطوط، فإذا: وجدنا اسم المؤلف موجودًا، لكن العُنوان غير موجود، فعندئذ يمكن يساعدنا هذا على الوصول إلى عُنوان الكتاب، وعندئذ الرجوع إلى الكتب التي عُنيت بذكر أسماء المؤلَّفات مثل كتاب: (الفهرست) لابن النديم، إذا كان متقدمًا، أو إلى كتاب: (كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون)، وهذا يُعنى بكتابة أسماء المؤلّفات وكتابة أسماء أصحابها، وتقديم فكرة موجزة عنها في بعض الأحيان، أو كتاب: (هداية العارفين)، أو كتاب: (معجم المؤلِّفين) لعمر رضا كحالة، أو كتاب: (الأعلام) لخير الدين الزركلي، أو نحو ذلك من الكتب التي تُعنى بكتابة أسماء المؤلّفات التي يكتبها المؤلِّفون عندما تترجم هذه الكتب لهؤلاء المؤلِّفين. هذه الحالة الأولى.

فإذا استطعنا أن نحلّ هذه المشكلة بوسيلة من الوسائل فهذا خير ويكون بركة، ولكن إذا لم نستطع، فإنّه لا يمكن المضيّ في تحقيق هذا الكتاب؛ لأن هذا يُعدّ نوعًا من المجازفة لأن هذا المخطوط يُصبح كاللقيط الذي لا أب له.

الحالة الثانية: انطماس جزئيّ للعُنوان:

فإنه يمكن معرفة الاسم الكامل للكتاب إذا كان على الكتاب اسم المؤلِّف، وهنا يُستعان بالكتب التي تَرجمت لهذا المؤلِّف وتحدّثت عن مؤلَّفاته. ويمكن بهذه الطريقة في أحيان كثيرة التّوصّل إلى عُنوان الكتاب.

ولعلّ الأمر في هاتيْن الحالتيْن أهْون وأيسر من الحالة الثالثة وهي:

الحالة الثالثة: عُنوان كامل أريد به التضليل أو التزييف:

أو وقع الذي كتب هذا في خطإ عن جهل وسوء تصرّف، وذلك بأن يقوم أحد النّسّاخ أو القرّاء بطمس العُنوان الأصلي وكتابة عُنوان جديد ومؤلف جديد، ربما كان أكثر شهرة وأرفع سمعة ومنزلة، ليرتفع قدْر الكتاب وثمنه، ويكثر انتشاره -قد كان هذا يحدث في القديم.

ونحن لا نفقد الأمل في التّعرف على عُنوان الكتاب وصاحب الكتاب، مع أنّ الأمر فيه تزييف متعمّد وسوء تصرّف؛ لأن الكتاب قد يكون قيِّم في ذاته، فنشْره يساعد على إضافة جديدة إلى العلْم، ومن هنا يلجأ المحقِّق إلى جهد علْمي كبير يُسمَّى عند علماء المناهج بأنه “النقد الخارجي والنقد الداخلي”. ما معنى كل واحد من هذيْن المصطلحيْن:

ما معنى النقد الخارجي؟ وما معنى النقد الداخلي؟

معنى النقد الخارجي:

نقول: إنّ النقد الخارجي يتعلّق بالكتاب من الناحية المادية الخارجية. فينظر في نوع الورق، وفي طريقة الكتابة، وفي نوع الحبر، وكيفية تجميل الكتاب وتلوينه وتزيينه وتذهيبه. وقد كان لكلّ قرن من القرون طريقة خاصة في هذا كلّه، كما أنّ نمط الكتابة المشرقيّة التي سادت في مشرق العالَم الإسلامي يختلف في بعض الأمور عن نمط الكتابة المغربية التي كانت تكتب في مغرب العالَم الإسلامي؛ وتحتاج هذه المسائل كلّها إلى خبرة ودراية.

وإذا لم يكن المحقّق قادرًا -هذه مسألة مهمّة- على القيام بهذه الفحوص والتدقيقات بنفسه، فإنّ عليه أن يستعين بأهل الاختصاص في هذا الشأن؛ لأن حسم هذه المسألة سيترتّب عليه أن يستمرّ في تحقيق الكتاب المخطوط أو أن يعدل عنه. وعليه من باب الوفاء والأمانة العلْمية، أن يشير في مقدّمة الكتاب أن يقول: عاونني على التّأكّد من هذه النسبة وصحة عُنوان الكتاب، وصحّة نسبته إلى المؤلِّف: فلان المؤلف الذي قدّم لي خبرته فيما يتعلّق بقراءة الخطوط، أو بمعرفة نوع الورق، أو نمط التّزيين والتذهيب الذي كان سائدًا في المخطوطات العربية والإسلامية.

فالمخطوطات في إيران كان لها طريقة، سوريا ومصر كان لها طريقة، وفي الأندلس كان لها طريقة، وهذا علْم يُدرس، وفن يُتعلّم.

كيف يمكن أن ننسب الكتاب إلى قرْن معيّن؟ عن طريق وسائل الكتابة الموجودة في المخطوطات: فيه نقط أو ليس فيه نقط، فيه عناوين أو ليس فيه عناوين، فيه تزيين وحلي أو ليس فيه حلي. إذًا، نستعين بمثل هذا الأمر، هذا هو النقد الخارجي.

ثم إنّ عليه أن يضيف إلى ما سبق، ما يسمَّى بالنّقد الداخلي. وهذا النقد الداخلي أصعب من الأوّل، ولكن هو الذي سيقوم به، لا يحتاج فيه إلى أحد، وإذا لم يكن قادرًا على القيام به، فإن عليه أن يترك مجال التَّحقيق لأهل الاختصاص.

معنى النّقد الداخلي:

النقد الداخلي هو الجهد العلمي الذي يقوم به المحقِّق لفحص مضمون الكتاب، وتحليل الأفكار، وتحديد الموضوعات، ومعرفة التواريخ والوقائع المثبَتة بالكتاب من الداخل، ومعرفة الخصائص الأسلوبية والتعبيرية للكتاب، ثم نسبة هذا كلّه إلى اسم المؤلّف الموجود على صفحة العُنوان، وهل هذا الأسلوب هو أسلوبه؟ هل الموضوعات الموجودة به من الموضوعات التي كان يهتم بها هذا المؤلِّف؟ وهذه الأحكام التي ذكرها في هذا الكتاب تتوافق مع ما أصدره من أحكام وأفكار في كُتبه الأخرى؟ وهل طريقة الاستنباط والاستنتاج والاستدلال هي نفس الطريقة التي يستخدمها في كُتبه الأخرى؟ وهل يوجد تناقض بين ما هو في هذا الكتاب وبين ما هو موجود في كتبه الأخرى؟ إلى آخر هذه الأسئلة … ينبغي عليه أن يحلّها حتى ينسب الكتاب إلى مؤلِّف معيّن.

ثم ينظر في التواريخ الموجودة في داخل الكتاب، هل هي متوافقة مع عصر المؤلِّف أو متأخرة عنه؟ أحيانًا يُنسب الكتاب إلى شخص دون أن يتنبّه الذي يَنسب هذا الكتاب إلى هذا الشخص أنّ الكتاب فيه تواريخ بعد عصر المؤلّف، بعد وفاته.

ومن الواضح أنّ النقد الداخلي يحتاج إلى جهد علْمي كبير، وربما كان أصعب من النقد الخارجي؛ لأنه يتطلّب دراية بالمؤلِّف، وأسلوبه وأفكاره، ومؤلفاته ومؤلفات العصر، ودراية بالتاريخ، أي: لا بد أن يكون على وعْي كامل بالشخصية التي ينسب الكتاب إليها.

وبناءً على النتائج التي ينتهي إليها النقد الداخلي، يمكن القول بإثبات نسبة الكتاب إلى المؤلِّف أو عدم الإثبات. وكم من كتب نشرت وطبعت وراجت بين الناس منسوبة إلى بعض العلماء والمؤلِّفين، ثم أثبت النقد الداخلي من بعْد أنها ليست لهم، وأنها من كتابة بعض أتباعهم أو شرّاحهم، أو من كتابة بعض النُّسّاخ، وأنّ نسبتها إليهم نسبة غير حقيقية، بما يؤدِّي إليه ذلك من أخطاء ومخاطر، من أبرزها: نسبة بعض الآراء والأقوال إلى هؤلاء العلماء على حين أنهم لم يقولوا بها ولم يكتبوها؛ وهذا تضليل وتزييف في مجال العلْم.

أذكر عددًا من عناوين بعض الكتب الرائجة بين الناس حتى الآن، وهي ليست لهؤلاء الذين نُسبت إليهم هذه الكتاب، والنقد الداخلي يبيِّن بأن هذه الكتب ليست لهؤلاء الذين نُسبت إليهم هذه الكتب:

أولًا: كتاب (الفقه الأكبر) المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة: وهذا كتاب رائج بين الناس على أنه كتاب للإمام أبي حنيفة، وهو ليس له، كيف؟ عن طريق النقد الداخلي لمضمون الكتاب وموضوعاته. هذا على الرغم من أن بعض العلماء أخذوا رسائل علمية، وأخذوا دكتوراه وماجستير في هذا الموضوع، واستعانوا بالآراء الموجودة في هذا الكتاب، وهي ليست للإمام أبي حنيفة.

ثانيًا: كتاب (شرح الفقه الأكبر) المنسوب إلى أبي منصور الماتريدي: وهو ليس لأبي منصور الماتريدي، بدلائل النقد الداخلي الموجود في الكتاب، يبيّن بأن الكتاب لا يمكن أن يكون له، وإنما هو لأحد التابعين لمذهب أبي منصور الماتريدي وهو مذهب في العقيدة، ولكنه ليس لأبي منصور الماتريدي.

ثالثًا: كتاب (الفقه الأكبر) المنسوب إلى الإمام الشافعي رضي الله  عنه: هذا مطبوع ومنشور، والناس كلها تقرؤه على أنه كتاب الإمام الشافعي، ويعتمدون عليه في بيان آراء الإمام الشافعي في هذه المسألة، والنقد الداخلي يبيّن أن ما وضع في هذا الكتاب ليس للإمام الشافعي، ولكن لأحد متّبعي مذهب الإمام الشافعي بعد وقت طويل، وما فيه من الآراء يختلف مع الآراء الثابتة الحقيقية للإمام الشافعي.

ثم إن فيه بعض التواريخ التي جاءت بعد الإمام الشافعي بأكثر من ستّين سنة أو بسبعين سنة، ولا يمكن أن يكون قد كتبها الإمام الشافعي.

رابعًا: كتاب (علم القلوب) المنسوب إلى أبي طالب المكي: هذا كتاب منشور في السوق ومطبوع، ولعله في المَعارض يُباع بشكل كبير، ولكن هذا الكتاب ليس لأبي طالب المكي، عن طريق ماذا؟ عن طريق الدراسة النقدية التحليلية الداخلية لمضمون الكتاب؛ حيث عثر على بعض الشّخصيّات المتأخِّرة في وفاتها عن أبي طالب المكي، وقد كانت ميتة؛ لأنّ الكلام يقول: قال فلان – رحمه الله- وهذا بعد أبي طالب بخمسين أو بسبعين سنة؛ فإذًا لا يمكن أن يكون هذا كلامًا لأبي طالب المكي صاحب: (قوت القلوب).

خامسًا: كتاب موجود ورائج وشائع: (شرح الأصول الخمسة) المنسوب إلى القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي: وهو في الحقيقة ليس له، ولكنه لأحد تلاميذه من الذين يدينون بمذهب الزيدية -والزيدية تأثّروا بالمعتزلة- والكتاب ليس لعبد الجبار. كتاب عبد الجبار نفسه مفقود واسمه: (الأصول الخمسة)، وليس (شرح الأصول الخمسة). وعن طريق النقد الداخلي للكتاب يتبيّن أنّ الكتاب ليس له ولكن لأحد التلاميذ، واسمه موجود للأسف ولكن الكتاب لا ينسب إليه، واسمه أحمد بن الحسين بن هاشم، وهو أحد أئمة الزيدية في اليمن، وهو من تلامذة القاضي عبد الجبار الهمذاني.

سادسًا: كتاب (الأدب في الدين) منسوب لحجة الإسلام الغزالي: وهو ليس للغزالي لأن فيه نصوصًا ترجع للقرن السابع الهجري، وهذه أدلة حاسمة على أنّ هذا الكتاب ليس للغزالي، مع أنه مطبوع وطبعه هيئات وأساتذة وعلماء … إلخ.

سابعًا: كتاب (مكاشفة القلوب إلى حضرة علام الغيوب) وهو منسوب إلى الغزالي: وهو ليس للغزالي؛ لأن طريقته في التأليف غير طُرق الغزالي، ولأن فيه تواريخ بعد الغزالي. إذًا الكتاب ليس للغزالي.

ثامنًا: كتاب (حل الرموز ومفاتيح الكنوز) المنسوب إلى عز الدين بن عبد السلام: وهذا الرجل كبير جدًّا في العلْم، وأحد الذين كتبوا في قواعد الأحكام، وفي المصالح الشرعية، ومن أئمة الشافعية، لكن هذا الكتاب ليس له، ولكن لعز الدين آخر مجهول، نستطيع أن نتعرّف عليه عن طريق النقد التحليلي الداخلي لهذا الكتاب.

إلى كتب كثيرة أخرى متعدّدة من مجالات التَّحقيق. وهذه مسألة ليست بالهيّنة.

هذا فيما يتعلّق بتحقيق عُنوان الكتاب.

ننتقل بعد هذا إلى تحقيق اسم المؤلِّف:

لا بد أن نتأكّد من أنّ هذا الكتاب الذي سننشره هو لفلان الفلانيّ، وأنّ ذلك يمثّل نسبة حقيقية وليست نسبة مدّعاة، وهي خطوة لا تقلّ في أهمّيّتها عن الخطوة السابقة؛ إذ لا بد من معرفة اسم صاحب الكتاب، ثم التأكد من نسبة الكتاب إليه؛ فإن تحقيق الكتاب دون التأكّد من هذه المسألة يُعدّ أمرًا غير مقبول من الناحية العلْمية، ويُعدّ جريًا على مسألة التزييف الذي قد يقع فيه بعض العاملين في هذا الحقل دون أن يكونوا أمناء في التأكّد من هذه النسبة، ولا بد في أيّ كتاب من التأكد من نسبة الكتاب إلى صاحبه حتى ولو كان كتابًا مشهورًا معروفًا بنسبته إلى المؤلِّف؛ لأن بعض المؤلّفات قد خضعت في التاريخ إلى بعض زيادات أو بعض حذف أو بعض تغيير، لا بد من التأكد من هذه النسبة حتى نستطيع أن نمضي في تحقيق هذا الكتاب، وإلَّا فإن تحقيق الكتاب دون التأكد من هذه المسألة يُعدّ أمرًا غير مقبول من الناحية العلمية.

وأمامنا لتحقيق هذه المهمّة عدد من الاحتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكتب على صفحة العنوان: اسم العائلة، أو النسبة إلى بلد معيّن، كالبغدادي، أو المكي أو المدني، أو الصنعاني، أو الإسكندري، أو الطوسي، أو الأصفهاني، ونحو ذلك.

وهذا يحتاج إلى مجهود لمعرفة الاسم الأول؛ لأن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى هذه البلاد، ولا بد من تعيين المقصود من بينهم بتأليف هذا الكتاب؛ حتى لا تُنسب كتب إلى غير أصحابها؛ ومن ثَم فلا بد من عَرض مضمون الكتاب الذي يراد تحقيقه على أسماء المؤلِّفين المنسوبين إلى بلد معيّن لمعرفة من يكون أولى من غيره بنسبة الكتاب إليه.

فإن كان الكتاب في الفقه، أو في أصول الفقه، أو في علْم الكلام، فلنبحث عن أكثر هؤلاء الأسماء قربًا من موضوع الكتاب.

فإن كان أحدهم متخصصًا في الفقه أو التفسير، فلا ينسب إليه مخطوط في الحديث أو علْم الكلام، إلَّا بقرائن أو أدلّة ترجّح هذه النسبة، وهكذا.

عندما أقول: هذا الكتاب منسوب إلى الأخفش، أيّ أخفش؟ عندنا ثلاثة: الأخفش الأكبر، والأخفش الأوسط، والأخفش الأصغر؛ فلا بدّ من أن أتأكّد من نسبة الكتاب إلي أيّ واحد منهم بالضبط؛ حتى تكون النسبة صحيحة، ولا يُنسب كلام إلى غير صاحبه.

عندما يقال: المكي، أي مكي؟ فهم كثيرون جدًّا. عندما يقال: السهروردي، وقد ظهر كتاب منسوب إلى السهروردي هكذا من غير أن يحدّد الاسم الأول. فعلى المحقّق أن يحدّد لنا من هو السهروردي؟ لأن بعض هؤلاء مقبول من الناحية الإسلامية الشرعية، وبعضهم ليس بمقبول من الناحية الإسلامية والشرعية؛ بل إن أحدهم قتله صلاح الدين الأيوبي سنة (587هـ)، فلا يصح أن ننسب الكتاب إلَّا إلى المعنيّ من هؤلاء الثلاثة مثلًا إذا كانوا ثلاثة أو أربعة أو نحو ذلك.

لا بد من أن نجري مع مضمون الكتاب حتى ننسب الكتاب إلى شخص معيّن، من بين هؤلاء. هذا الاحتمال الأول الذي يكتب فيه اسم العائلة.

الاحتمال الثاني: أن نجد اسم المؤلّف كاملًا على المخطوط، ولعلّ الأمر في هذه الحالة أيسر إلى حدّ كبير إذا ما قورن بالحالة السابقة؛ إذ إن اسم المؤلف مذكور، لكن لا ينبغي أن نأخذ الأمر مأخذ اليقين من أوّل وهلة، بل لا بد من أن نتأكّد من هذه النسبة.

والطُّرق التحقيقية، ومن أهمّها النقد الداخلي والخارجي، الذي سبقت الإشارة إليه؛ لأن بعض المؤلّفين أو النّساخ القدامى قد يكتبون كتبًا ثم ينسبونها أصحاب الأسماء المشهورة، رغبة في رواج أفكارهم حتى ولو كان ذلك من وراء ستار أو حجاب، ولهذا يلزم استخدام كل طُرق التحقق للتأكد من هذه النسبة.

الاحتمال الثالث: أن يكون المخطوط خاليًا من ذكْر اللقب أو النسبة، ثم أن يكون خاليًا من الاسم الكامل كما هو في الحالة الثانية، أي: بعد الحالة الأولى التي فيها ذكر اللقب والحالة الثانية التي فيها الاسم الكامل؛ معنى ذلك: أنه لا يوجد على صفحة العنوان ما يدل على شخصية صاحب المخطوط، والأمر هنا أعقد وأصعب كثيرًا ممّا سبق، ومع ذلك توجد وسائل لمعرفة اسم صاحب المخطوط.

من وسائل معرفة اسم صاحب المخطوط:

أولًا: إشارة المؤلِّف إلى اسمه صراحة في داخل الكتاب المخطوط، ويُعدّ هذا قرينة مؤكّدة على نسبة الكتاب إليه، بشرط أن يكون ذلك مكتوبًا بنفس الخط وعلى نفس الورق دون أيّ تغيير. فإذ وجدناه بخط حديث، أو بخط مخالف، أو على ورق مختلف، فعندئذٍ لا يكون أي قيمة، إنما يؤكد أن الأمر مزوّر وأنه مدبّر، لكن يجد المحقّق اسم رجل موجودًا في ثنايا الكتاب وفي تضاعيف الكتاب، مكتوبًا بنفس الخط، ومكتوبًا بنفس اللون، ومكتوبًا على نفس الورق، إذن يكون هذا قرينة كبرى على نسبة الكتاب إليه.

وممن سلك هذه الطريقة الهُجويري، واسمه أبو عثمان الهُجويري في كتابه: (كشف المحجوب) الذي قال في الكتاب في الداخل، إنه يذكر مجموعة من الآراء، ثم يريد أن يأتي برأي نفسه فيقول: وأنا علي بن عثمان الهُجويري أقول: ويتكرّر هذا في الكتاب أكثر من مرة.

فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يُعدّ قرينة على نسبة الكتاب إلى صاحبه. فالمؤلِّفون الكبار قد يكتبون مثل هذا في كتبهم ليكون إشارة إلى اسم صاحب الكتاب، خشية أن يحرَّف الكتاب أو يُسرَق الكتاب، فيكتب في الداخل أيضًا اسمه، فهذا نوع من ذكاء بعض المؤلِّفين.

ثانيًا: أن يذكر المؤلّف عنوان المخطوط المراد تحقيقه في كتاب آخر له، يقتبس فيه بعض نصوص المخطوط مع ذكر اسمه، كأن يقول مثلًا: ومن أراد أن يتوسّع في هذه النقطة فليرجع إلى كتابنا كذا؛ فنعرف اسم المؤلف لأن كاتب الكتابيْن هو شخص واحد، ويذكر اسم الكتاب فيكون ذلك سبيلًا إلى معرفة هذا العنوان المجهول. ويفعل المؤلفون الكبار المكثرون من التأليف هذا كثيرًا.

ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر: ابن حزم، والغزالي، وفخر الدين الرازي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي، والسبكي، وابن السبكي، إلى آخر هذه الأمثلة الكثيرة التي توجد في كتب بعض المؤلفين، وهذا أيضًا يعطينا وسيلة من وسائل التحقق بنسبة الكتاب إلى صاحبه.

ثالثًا: الكتاب كاملًا عليه العنوان، وليس عليه اسم المؤلف ولا لقبه، أن يقتبس أحد المؤلِّفين المتأخِّرين عن المؤلف نصوصًا من هذا الكتاب في كتبهم، للاستعانة بها على تأكيد فكرة أو لرفضها. يقول مثلًا: قال الزمخشري في كتابه كذا.

ويذكر الكتاب، ويأتي بالنص ويكون هذا النص موجودًا في المخطوط الذي معنا، فيكون هذا قرينة على أن هذا المؤلف المتأخِّر قد رجع إلى الكتاب الأصلي، وعلِم أنه للزمخشري على سبيل المثال أو للجاحظ، أو للقاضي عبد الجبار، أو لفلان أو علان من المؤلِّفين القدامى. يكون النص منقولًا من كتاب معروف، ويذكر اسم المؤلف، فيكون هذا قرينة على نسبة المخطوط المجهول إلى صاحبه.

فهذه كلها سبل ووسائل، يمكن الاعتماد عليها في معرفة اسم المؤلف وتوثيق نسبة الكتاب إليه. وقد امتلأ كتاب مثل كتاب (درء تعارض العقل والنقل) لشيخ الإسلام بن تيمية، باقتباس نصوص من كثير من الكتب، ويمكن اتخاذ هذه النصوص المقتبسة، طريقًا لإثبات نسبة هذه الكتب إلى أصحابها -هذه وسيلة.

رابعًا: لمعرفة اسم المؤلف المجهول، أن يشار إلى اسم المؤلف في الكتب التي تُعنى بجمع المؤلفات، وذكر أسماء أصحابها. وقد يقوم هؤلاء -هذه مسألة عظيمة جدًّا وخدمة جليلة جدًّا قام بها بعض المؤلفين الذين ظهروا في ثقافتنا العربية، قد يقوم هؤلاء المؤلفون، مثل: حاجي خليفة في كتابه (كشف الظنون* مثلًا، أو البغدادي في كتابه (هداية العارفين)، يذكر سطورًا من مقدّمة بعض الكتب التي يذكرها أو من خاتمة بعض هذه الكتب، ونقوم نحن بالمقارنة حتى نصل إلى اسم صاحب الكتاب.

نأخذ المقدّمة لنقارنها بالمخطوط التي معنا إذا اتفقت، ونأخذ الخاتمة التي في المخطوط الذي معنا، فإذا اتفقت فإن ذلك يكون قرينة على أن هذا الكتاب هو الكتاب الفلاني، واسمه موجود، وهو منسوب إلى المؤلف الفلاني، ويظهر ذلك في مجموعة من الكتب في ثقافتنا العربية الإسلامية، مثل كتاب (الفهرست) لابن نديم، وكتاب (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) للقفطي، و(عيون الأنباء) لابن أبي أصيبعة، و(هداية العارفين) للبغدادي، وبعض الكتب الحديثة مثل: (تاريخ التراث العربي) لسزكين، أو (تاريخ الأدب العربي) لبروكلمان، وأمثال هؤلاء الذين كتبوا الكتب وعنوا بالبحث عن أصحابها، فيكون هذا من الوسائل التي تمكّننا من نسبة الكتاب إلى مؤلف معيّن، عندنا حتى الآن أربع وسائل.

خامسًا: أن نعثر على نسخة أخرى من المخطوط، مكتوب عليها اسم المؤلف، ثم نقارن بينهما فيتّضح من المطابقة أنهما متطابقتان، وعندئذٍ لا يكون لدينا نسخة واحدة هي التي ذكر على صفحة عنوانها اسم المؤلف، بل يكون عندنا نسختان، النسخة التي ذُكر اسم المؤلف عليها، والنسخة الموافقة لها؛ وهذه كلها من الأمور التي تعيننا على التوصل إلى تحقيق نسبة الكتاب إلى صاحبه، ويكون عندنا ما يؤكّد هذه النسبة، ونحن نتقدّم بالتدريج نحو تحقيق الكتاب.

فنحن أتينا بمخطوط، وتأكّدنا من العنوان، وتأكّدنا من نسبة الكتاب إلى صاحبه، وهذه هي الخطوات السابقة التي تحدّثنا عنها، ثلاث خطوات حتى الآن.

ننتقل إلى الخطوة الرابعة، وهي أننا لا ينبغي أن نقتصر على نسخة واحدة من الكتاب كما سبق القول، بل لا بد أن نجمع بعض النُّسخ الأخرى للكتاب؛ إذ إن الاكتفاء بنسخة واحدة للمخطوط يجعل تحقيقه عسيرًا، وربما لا يُسمح به كما هو الشأن في بعض الجامعات التي لا تسمح بالتحقيق على نسخة واحدة؛ ولهذا ينبغي، بل قد يجب، البحث عن نُسخ أخرى أو نُسخة أخرى على الأقل ليمكن القيام بعملية التحقيق على النحو الذي يرتضيه المحقِّقون.

فإذا تيسر للباحث المحقّق نسختان فأكثر كان عليه أن يقوم بعملية مقارنة بين النسخ؛ فإن كانتا نسختيْن فعليه أن يرتّبهما، وإن كانتا أكثر من نخستين: ثلاث نسخ، أو أربع نسخ … إلخ. فلا بد أن يقوم بعملية فحص لكل نُسخة من هذه النسخ حتى يعرف المزايا الموجودة في كل منها، والعيوب الموجودة في كل منها، ثم يقوم بعملية موازنة نسبية لكي يختار نسخة من بين هذه النُّسخ تكون هي النُّسخة الأصلية التي تقدّم على جميع النسخ الأخرى، ثم ترتب النسخ بحسب المزايا، أو العيوب الموجودة فيها فيما بعد، وهذه مسألة مهمة. 

error: النص محمي !!