Top
Image Alt

مرحلة نشأته وصباه صلى الله عليه وسلم

  /  مرحلة نشأته وصباه صلى الله عليه وسلم

مرحلة نشأته وصباه صلى الله عليه وسلم

التمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب، وكانت ذات زوج، كان زوجها الحارث بن عبد العزى، المكنى بأبي كبشة، وهو من نفس القبيلة، وإخوته صلى الله عليه وسلم هناك من الرضاعة، عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة، أو جذامة بنت الحارث، وهي الشيماء التي غلب لقبها على اسمها.

وكانت مرضعته تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تحضن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حمزة عم نبينا صلى الله عليه وسلم مسترضعًا أيضًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين: من جهة ثويبة، ومن جهة هذه المرأة السعدية.

بركة النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد:

ولقد رأت حليمة من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم ينقضِ منه العجب، حكت ذلك في مواضع كثيرة، كما نقل ابن إسحاق عنها، فكانت تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها، ومعها ابن لها صغيرٌ ترضعه في نسوةٍ من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء، لم تبقِ لنا شيئًا -أي: سنة شديدة- قالت: فخرجت على أتانٍ لي قمراء، معنا شارفٌ لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائِهِ من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعجفًا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عُرِضَ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك.

فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعن الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي، ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي؛ عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.

وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل -أي: امتلأ ضرعها- قالت: فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم؛ حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب ويحك أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعدٍ، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسانٌ قطرة لبن، ولا يجدها في ضرعٍ حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تَبَضُّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه، وفصلْتُه.

وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا، قالت: فقدمنا به إلى أمه، ونحن أحرص على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركتي ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.

حادثة شق الصدر:

بقي صلى الله عليه وسلم في بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة من مولده، وقع حادث شق صدره، وهو حادث ثابت في السنة الصحيحة من حديث أنس “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاه جبريل وهو يلعب من الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظُّ الشيطانِ منك، ثم غسله في طست من ذهبٍ بماءِ زمزم)) ثم لأمه -يعني: أعاده إلى مكانه- وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: مرضعته- فقالوا: إن محمدًا قد قُتِلَ، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون صلى الله عليه وسلم وعندها خشيت حليمة بعد هذه الواقعة على ابنها محمد، فردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين”.

أمُّ النبي صلى الله عليه وسلم تزور قبر زوجها وفاءً له:

ثم إن آمنة رأت أن من الوفاء لزوجها أن تزور قبره بالمدينة، فخرجت من مكة قاطعة الرحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترًا، ومعها اليتيم محمدٌ صلى الله عليه وسلم ومعها خادمتها أم أيمن، ومعها قيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا، ثم قفلت، وبينا هي راجعة لاحقها المرض، وألح عليها في أوائل الطريق، فماتت بالأبواء، بين مكة والمدينة.

النبي صلى الله عليه وسلم يعود إلى حضانة جده عبد المطلب:

ورجعت القافلة مرة أخرى بلا آمنة استقبلها عبد المطلب، فضم حفيده إليه، وكفل محمدًا صلى الله عليه وسلم ومعه حاضنته أم أيمن تخدمه، وبقيت ذكريات تلك الرحلة في عقلِهِ صلى الله عليه وسلم ويظهر هذا حين هاجر في الإسلام إلى المدينة بعد سبعٍ وأربعين سنة من تلك الحادثة، فنظر إلى أُطِمٍ -أي: إلى حصون في بني النجار- وقال: كنت ألاعب أنيسة، وهي جارية من الأنصار على هذه الأُطُمِ، وكنت مع الغلمان أبناء أخوالي نطير طائرًا كان يقع علينا. وأحسنت العوم في بني عدي بن النجار، وقال: وفي دار بني عدي نزلتُ مع أمي، وفيها قبر أبي، ذكريات باقية يصورها صلى الله عليه وسلم وكان يذكر حاضنته أم أيمن، فيقول: ((أم أيمن أمي بعد أمي)) ((وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة قبر أمه آمنة، فبكى وأبكى، فلما سئل ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: تذكرت رحمتها فبكيت)).

قال ابن هشام: يقول عبد المطلب: دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسر بما يراه، ويسره ما يراه ويصنع محمد صلى الله عليه وسلم. ولثمان سنواتٍ وشهرين وعشرة أيامٍ من عمره صلى الله عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيدة إلى ابنه أو إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب، وهو شقيقُ أبِيه، قام عمه الشقيق، فنهض برعاية محمدٍ صلى الله عليه وسلم وجعله في موضعِ التقدير، وضمه إلى ولده، بل قدمه عليهم، واختصه بمزيد التفضيل، والتوقير، والاحترام، وظل فوق أربعين سنة يدافع عنه، ويعززه في قومه، ويبسط عليه حمايته، يصادق ويخاصم من أجله، وسيأتي ذلك في ذلك سيرته صلى الله عليه وسلم. 

رحلته صلى الله عليه وسلم إلى الشام:

ولما بلغ نبينا صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة، ارتحل به أبو طالب متاجرًا إلى الشام؛ حتى وصل إلى بُصْرَىَ، وهي معدودة من الشام، وكانت في ذلك الوقت تحت حكم الرومان، وكان في ذلك البلد راهب عرف باسم بحيرة، واسمه جرجيس، فلما نزل الركب، خرج إليهم، فأكرمهم بالضيافة، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته، قال تعالى: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] وقال تعالى: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].

لما نظرَ صاحبُ ذلك الدير لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالبٍ: ما هذا الغلام منك؟ فقال أبو طالب: هو ابني، قال الراهب: ما هو ابنك، وما ينبغي أن يكون له أب حي، قال أبو طالب: ولم؟ قال الراهب: لأن وجهه وجه نبي؛ ولأن عينه عين نبي، فقال أبو طالب: وما النبي؟ فقال له الراهب: الذي يوحى إليه من السماء، فينبئ أهل الأرض، فاتقِ عليه من اليهود.

حرب الفجار:

فلما بلغ نبينا صلى الله عليه وسلم الخامسةَ عشرةَ من عمره كانت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة، وبين قيس، وكان قائد قريشٍ وكنانة حرب بن أمية؛ لمكانته فيهم سنًّا وشرفًا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة؛ حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس، وسميت بحرب الفجار؛ لانتهاك حرمات الحرم والأشهر الحرم فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ينبل على عمومته، أي يجهز لهم النبل للرمي.

النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم:

وقد رعى نبينا صلى الله عليه وسلم صغيرًا الغنم؛ فعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ َقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ)). وعن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والشاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بُعِثَ موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم، أرعاها لأهلي بأجياد)).

وما الحكمة في أن يرعاها نبينا صلى الله عليه وسلم وأن يقدِّر الله عز وجل ذلك لأنبيائه جميعًا؟!

لعل رعيَ الغنم يُعَوِّدُ على المسئولية؛ ذلك أنه عمل شاق، يكفي في تصور مشقته أن الراعي يعيش واقفًا متحركًا طوال وقته؛ حيث تسرح الغنم وتمرح، وهذه أعمال في حد ذاتها تحتاج إلى قوةٍ وطاقةٍ، تُعَلِّمُ أيضًا الصبر والتحمل، فهذا يحتاجه النبي إلى أن يتخلق بهذا الخلق، خلق الصبر والحلم. 

وهو أيضًا يعلم الشفقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صبر على رعيها وعلى جمعها بعد تفرقها، وعلى نقلها من مسرحٍ إلى مسرح، وأن يدفع عنها عدوها، من سبُع، ومن سارقٍ،… وغير ذلك؛ فإنه سيألف الصبر على هذه الأمة، ويتحمل اختلاف الطباع عليه، وتفاوت العقولِ عنده، ويكون تحمله لمشقة ذلك أسهل بعد أن تدرب عليه.

حلف الفضول:

على إثر ما وقع من حرب الفجار تداعت قريش وقبائلها من بني هاشم، وبني المطلب، وبني زهرة، وغيرها إلى ما سمي بحلف الفضول، وكان هذا في ذي القعدة في شهرٍ حرام، تداعت هذه القبائل، فاجتمعت في دار عبد الله بن جدعان التيمي لسنه وشرفه، تعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.

وشهد نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الحلف، وقيل: إنه كان قبل البعثة بعشرين عامًا، وهذا الحلف أو ذلك العهد، قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه بعد أن أكرمه الله بالرسالة: ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمْر النَّعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبته)) هذا الحلف روحه تنافي حمية الجاهلية وعصبيتها. قيل في سببه: أن رجلًا قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي، فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الأحلاف، عبد الدار ومخزومًا، وجمحًا، وسهمًا وعديًّا، فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قبيس، ونادى بأشعارٍ يصف فيها مظلمته، ويرفع بها صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؛ حتى اجتمع الذي مضى ذكرهم في حلف الفضول، فقاموا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه حقَّ ذلك الرجل وبعدها أبرموا ذلك الحلف.

error: النص محمي !!