Top
Image Alt

مسألة الكلام في المشكل والمتشابه

  /  مسألة الكلام في المشكل والمتشابه

مسألة الكلام في المشكل والمتشابه

لما قال بعض الطوائف المخالفين لمذهب السلف في الصفات بأن نصوص الصفات الإلهية من المشكل، وأنها موهمة للتشبيه والجسمية، تغير تبعًا لذلك مفهوم المشكل، بل المحكم والمتشابه عندهم وعند أتباعهم، من المعنى الذي قرره السلف الذي يعتبر المشكل والمتشابه من القرآن والسنة آيات معلومات وأحاديث معلومات المعنى واضحات الدلالة، ظاهرها مراد في حق الله، وليس كمثله شيء في حقائقها، وأن المجهول فقط هو كيفية الصفات الإلهية التي دلت عليها هذه الآيات، تغير مفهوم المشكل والمتشابه عندهم إلى اعتبار هذه النصوص نصوصًا تدل على ظاهر باطل محال، يحمل التشبيه والتجسيم، ويجب صرفه عن الصورة المنفرة التي صورها لربهم، كل ذلك ليجعلوا الناس مؤيدين لآرائهم وأصولهم الفاسدة، مهيئين لقبول تأويلهم وتبديلهم.

ثم طرحوا بديلًا آخرَ أمام الناس كخيار ينسبونه لعقيدة السلف، وهو القول بأن نصوص الصفات الإلهية، معانيها معانٍ مجهولة أعجمية، يفوَّض فيها الأمر والعلم إلى الله، ثم ألصقوا هذا الطرح بدعوى التسليم وعدم الخوض في توحيد الصفات، كما كان شأن السلف، ومن هنا كان لا بد من تحقيق الأمر في قضية المحكم والمتشابه، وتجليته بصورة حقيقية تبين حقيقة الفهم السلفي الصحيح.

ومن أبرز المتشابه بهذا الإطلاق في القرآن والسنة، ما يعرف لدى علماء الخلف والمتكلمين بآيات وأحاديث الصفات الخبرية، أو متشابه الصفات، أو مشكل الصفات، كالآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر صفات الذات والأفعال، مثل الوجه واليد والجنب والفوقية، والاستواء والمجيء والرضا والغضب، وغير ذلك من الصفات الإلهية.

وكثير من علماء الخلف الأشعرية، يعتبرون معاني نصوص الصفات الإلهية من المتشابه المشكل الذي لا يعلمه إلا الله مستدلين بقوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] وفي هذا نظر، حيث يترتب على ما ذهبوا إليه من مفهوم المشكل والمتشابه من اللوازم الباطلة ما لا يرضاه المسلم على كلام الله. يقول أبو محمد بن قدامة المقدسي: “وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفي صلى الله عليه وسلم من صفات الرحمن، وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم”. 

 فهؤلاء يدعون إلى ترك التأويل والبعد عن طريقة السلف لعدم قناعتهم بها، لكن الطرح الذي يقدمونه لأتباعهم يزعمون فيه أن طريقة السلف هي الكف عن معاني نصوص الصفات،

ومنع البحث عن مدلول الآيات، ثم يجعلون ذلك سبيل المتقين، ظنًّا منهم أن الظواهر تدل على التشبيه والمعاني الكفرية، فلا هم فهموا طريقة السلف ولا صوَّبوا طريقة الخلف.

وهؤلاء إنما أوتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه؛ لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون} [البقرة: 78] وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.

فهذا الظن الفاسد أوجب قولهم: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم!! تلك المقالة التي مضمونها نَبْذ الإسلام وراء الظهر، وقد تقوَّلوا على طريقة السلف، ولم يقتنعوا في قرارة أنفسهم بطريقة الخلف.

واعلم بأن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب اللَّه، أو قال: هذه من المشكل المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين أن في القرآن آيات لا تعلم معانيها، ولا يفهمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض الناس، وهذا لا ريب فيه.

وفي سياق هذا وبعد ما تبين أن آيات الصفات ونحوها مما استشكله طوائف المتكلمين، ليس من المتشابه الذي لا يعلم معناه لا بد من العلم بأن التشابه والإحكام نوعان: تشابه وإحكام يعم الكتاب كله، وتشابه وإحكام يخص بعضه دون بعض، فإن أردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول، فنعم هي متشابهة غير متناقضة يشبه بعضها بعضًا، وكذلك آيات الأحكام. وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير المراد، فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس، فهو أمر نسبي إضافي، فيكون متشابهًا بالنسبة إليه دون غيره، ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات، فإن المراد قد يشتبه فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض.

وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعًا كثيرًا، ولم يعرف عن أحد من الصحابة قط أن المتشابه آيات الصفات، بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك، فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم، وهم لا يتنازعون في شيء منها، وآيات الأحكام هي المحكمة، وقد وقع بينهم النزاع في بعضها؟

والمقصود أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ؛ سواء أكان مع هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون، أو كان للتأويل معنيان يعلمون أحدهما ولا يعلمون الآخر.

ومن الأمور المعلومة من الدين الضرورية فيه، والتي غرَق في الجهل بها طوائف المتكلمين ما يسره الله تعالى من فهم هذا الدين، وكون الشريعة جاءت على نسبة ما كان عليه العرب من الوصف، حيث نزلت على وفق ما عهدوا من المعاني والأحوال، وذلك أجرى على اعتبار المصالح، وأدعى لظهور الحجة وإقامتها عليهم.

قال الشاطبي: “إنما يصح في مسالك الأفهام والفهم ما يكون عامًّا لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني؛ فإن الناس في الفهم، وتأتي التكاليف فيه ليسوا على وزان واحد ولا متقارب، إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها، وعلى ذلك جرت مصالحهم في الدنيا…”. إلى أن قال: “فكذلك يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة، بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل الله القرآن على سبعة أحرف، واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهمه.

وأيضًا فمقتضاه من التكليف لا يخرج عن هذا النمط؛ لأن الضعيف ليس كالقوي، ولا الصغير كالكبير، ولا الأنثى كالذكر؛ بل كلٌّ له حدٌّ ينتهي إليه في العادة الجارية، فأخذوا بما يشترك الجمهور في القدرة عليه، وألزموا ذلك من طريقهم بالحجة القائمة، والموعظة الحسنة، ونحو ذلك”.

وقال في موضع آخر: “ومنها أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمي تعقلها، ليسعه الدخول تحت حكمها. أما الاعتقادية بأن تكون من القرب للفهم، والسهولة على العقل؛ بحيث يشترك فيها الجمهور، من كان منهم ثاقب الفهم أو بليدًا، فإنها لو كانت مما لا يدركه إلا الخواص لم تكن الشريعة عامة، ولم تكن أمية، وقد ثبت كونها كذلك، فلا بد أن تكون المعاني المطلوبة علمها واعتقادها سهلة المأخذ. وأيضًا فلو لم تكن كذلك لزم بالنسبة إلى الجمهور تكليف ما لا يطاق، وهو غير واقع، كما هو مذكور في الأصول، ولذلك تجد الشريعة لم تعرف من الأمور الإلهية إلا بما يسع فهمه”.

ومما هيأ الله تعالى من اليسر في هذا الدين أيضًا اشتراك الأسماء وتواطؤها في المعاني العامة المتعلقة بالذهن؛ حيث يكون فيما بين ما شاهدناه، وما غاب عنا قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ، فبهذه الموافقة والمواطأة والمشاركة والمشابهة نفهم الغائب ونثبته، وإن كانت هذه المماثلة ليست في الحقيقة والكيفية، فهي مماثلة من وجه دون آخر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى: “ولولا أنّ هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي يقتضي من المواطأة، والموافقة، والمشابهة ما به تفهم، وتثبت هذه المعاني لله، لم نكن قد عرفنا عن الله شيئًا، ولا صار في قلوبنا إيمان به، ولا علم، ولا معرفة، ولا محبة، ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه؛ فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلك المعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا. ومن فَهِم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة، حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، ومن سادة أهل العلم والإيمان، وتبين له أن القول في بعض صفات الله كالقول في سائرها، وأن القول في صفاته كالقول في ذاته”.

وبيان ذلك أن الاشتراك في المعنى العام، لا يستلزم الاشتراك بين ما علمناه في الشاهد، وبين الغائب في جميع الوجوه، وإنما نفهم المراد الذي أريد منا فهمه بالقدر الجامع الذي فيه نوع تناسب وتشابه، وإن كان لا سبيل إلى فهم الكنه والكيفية، والقياس والمماثلة التي يجب أن يبنى عليه هذا الباب فيما يتعلق بصفات الله تعالى وأسمائه هو قياس الأولى، وإثبات كونه تعالى أحق بكل كمال وجلال؛ خلافًا لما ضل بسببه المتكلمون ونحوهم حيث جعلوا الأصل الذي انبنى عليه النظر في الأسماء والصفات قياس التشبيه والتمثيل، المتضمن مماثلة المخلوق للخالق.

وقد زاغ فهم من توهم أن المشكل والمتشابه من الكتاب والسنة ما دلّ منه على بعض أمور التوحيد، والصفات، والقدر، والوعيد، وغيرها، وإن هذا لهو الزيغ المبين، والضلال البعيد.

وكيف يُدَّعَى التشابه في آيات وأحاديث هي من أبين الكتاب إحكامًا، وأظهره تفصيلًا وبيانًا، وإن ما تضمنه فيها من البيان والإحكام أعظم مما تضمنه فيما سواها. ولم يعرف عن أحد من السلف الصالح مطلقًا أن المشكلات من النصوص آيات الصفات وأحاديثها، بل الذي نقل عنهم يدل على خلاف ذلك، وكيف تكون آيات الصفات وأحاديثها من المشكل المتشابه عندهم ولم يرد عنهم قط أنهم تنازعوا في شيء منها. وظهر تناقضهم حيث زعموا أن آيات وأحاديث الصفات مشكلة ومتشابهة، ثم عمدوا إلى تأويلها، وأثبتوا لها معانٍ أخرى تدل على غير ظاهرها. والأدلة وإن كان فيها محكم ومتشابه، فإن الأصل هو المحكم والمتشابه يرد إليه، فما خالف ظاهر المحكم فهو متشابه يرد إلى المحكم، هذا محلّ اتفاق المسلمين، وعليه دلّ الكتاب كما في قببوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7]. وقد عكس من انعكس وانتكس فجعل المتشابه هو الأصل، والمحكم يُردّ إليه، وذلك أنهم زعموا أن العقل هو المحكم، باعتبار أن الأصل معتمد في مسائل التوحيد؛ فإذا تعارض العقل مع النقل قدم العقل عندهم، وقد أبطل هذا الزعم أئمة السلف.

error: النص محمي !!