Top
Image Alt

مسألة تحقيق كتب الحديث وهل يجوز نقل الحديث عن الكتب المعتمدة دون اخذه سماعا

  /  مسألة تحقيق كتب الحديث وهل يجوز نقل الحديث عن الكتب المعتمدة دون اخذه سماعا

مسألة تحقيق كتب الحديث وهل يجوز نقل الحديث عن الكتب المعتمدة دون اخذه سماعا

ثم ننتقل إلى مسألةٍ أخرى، يقتضيها كلام ابن الصلاح، وقد نصَّ عليها: أنه مادامت الأعصر المتأخِّرة لا يُوثق في نقل الكتب عن طريقها، فلا بُدَّ من أخذ الاحتياط في نقل الكتب، والتأكد من أنها نُقلت عن أصحابها نقلًا صحيحًا. وإذا كانت هناك بعضُ النسخ غير المعتمدة، والتي قد يكون فيها التحريف وغيره، فلا بدَّ من الاعتماد على النُّسخ المعتمدة والمقابَلة بينها، أو نسخةٍ قد وُثِّقت واطمأننّا إلى صحتها.

قال: ومن أراد العمل من كتابٍ، فطريقه أن يأخذَه من نسخةٍ معتمدة، قابلها هو أو ثقةٌ، بأصولٍ صحيحة. فإن قابلها بأصلٍ محقَّقٍ معتمدٍ أجزأه.

ومعنى ذلك: أنَّ ابن الصلاح يقول: من أراد العمل أو الاحتجاج بحديثٍ من كتاب من الكتب المعتمدة، فطريقُه إلى ذلك: أن يأخذه من نسخةٍ معتمَدةٍ قابلها هو أو ثقة، بأصولٍ صحيحة.

قال ابن الصَّلاح: ليحصُل له بذلك -مع اشتهار هذه الكتب وبُعدها عن أن يُقصد بها التبديل والتحريف- ليحصل له الثقةُ بصحة ما اتَّفقت عليه تلك الأصول عند المقابلة.

وهذا ما نسمِّيه: تحقيق الكتب؛ حيث نُقابلها بنُسخها المتاحة، ونأخذ ما اتَّفقت عليه ممّا يطمأنُّ به أنَّ هذا هو كلامُ مؤلِّفيها؛ وبذلك نأمنُ من التَّحريف في هذه الكتب والتَّصحيف فيها، وخاصةً من الكَتبَة والنَّاقلين لها. فقد يسقط منهم شيء، وقد تسبقُ أقلامُهم إلى شيءٍ آخر غير ما هو حقيقي في هذه الكتب.

قال السيوطي: وفهِم جماعةٌ من هذا الكلام: الاشتراط. يعني أنَّ ابن الصلاح يشترط ذلك.

قال: وليس فيه ما يُصرِّح بذلك ولا يقتضيه، مع تصريح ابن الصلاح باستحباب ذلك في قسم الحسن؛ حيث قال في التِّرمذيِّ: فينبغي أن تصحّح أصلك بجماعة أصول.

يعني: بمجموعة أصولٍ لهذا الكتاب، وقال ذلك في الترمذي، لأنَّه هناك إمكانيَّة الخطإ في ما يقوله الترمذي من: حَسنٌ صحيحٌ، أو صحيح فقط، أو حَسن فقط، أو غير ذلك ممّا تسبَّب في الاختلاف الكثير في نسخ الترمذي.

فأراد ابنُ الصلاح أن يُطمأنَّ إلى ما قاله الترمذي، فصرَّح باستحباب مقابلة النُّسخة التي يأخذ بها المستفيدُ، بمجموعةٍ من أصول الترمذي (سنن الترمذي)، حتى يطمئنَّ إلى مثل هذه الأحكام. فأشار بـيـنبغي إلى الاستحباب؛ ولذلك فكلام ابن الصلاح هنا ينسحب أيضًا على المقابلة بين النُّسخ المعتمدة، وأن هذا يقولُه ابن الصلاح لا على سبيل الاشتراط، وإنما على سبيل الاستحباب، كما ذَكر ذلك عند الترمذي.

قال السُّيوطيُّ: ولذلك قال النَّووي زيادةً عليه: فإن قابلها بأصلٍ محقَّقٍ معتمدٍ، أجزأه. ولم يورد ذلك مورد الاعتراض.

يعني: كأنَّه فهم أنَّ هذا هو مرادُ ابن الصلاح، وليس أنَّه معترض عليه، كما صنع في مسألة التَّصحيح قبله عندما اعترض عليه، وفي مسألة القطع بما في الصَّحيحيْن؛ فقد خالفه في ذلك. ومن عبارته يُفهم: أنه اعترض عليه، وصرَّح أيضًا في شرح مسلم بأن كلام ابن الصَّلاح محمولٌ على الاستظهار والاستحباب دون الوجوب.

وكذلك في (المنهل الرَّوي) لابن جماعة، بيَّن كذلك أنَّ المقابلة بين النسخ وبين أصول معتمدة هو على سبيل الاستحباب. 

وزاد العراقيُّ في ألفيّته هنا -لأجل قول ابن الصَّلاح، حيثُ ساغ له ذلك-: أنَّ الحافظ أبا بكر محمد بن خيرٍ بن عمر الأُموي الإشبيلي، خال أبي القاسم السهيلي، قال في برنامجه، يعني في ثبته: اتَّفق العلماء على أنَّه لا يصِحُّ لمسلمٍ أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، حتَّى يكون عنده ذلك القولُ مرويًَّا، ولو على أقلِّ وجوه الرِّوايات، لحديث ((مَن كذب عليَّ…)) انتهى.

يعني: إذا كان ابن الصلاح يحتاطُ في الأخذ من الكتب، والعمل بما فيها، والاحتجاج بما فيها، فمِن باب أوْلى ينبغي أيضًا: أن نحتاط في نسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا نقعَ في نطاق الوعيد في الحديث المتواتر: ((مَن كذَب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النَّار!))، فلا بد أن يتأكد الإنسان من أنَّ هذا الحديث منسوبٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال السيوطي: ولم يتعقَّبه العراقيُّ. وقد تعقَّبه الزركشي في جزءٍ له، فقال -فيما قرأتُه بخطه-: نقلُ الإجماع عجيب.

يعني: هو قال: اتَّفق العلماء، على أنَّه لا يصِحّ لمسلم… إلى آخِره، فنقل الإجماع هذا عجيب، وإنما حُكي ذلك عن بعض المحدِّثين.

ثم هو مُعارَضٌ بنقل ابن برهان إجماعَ الفقهاء على جواز ذلك، فقال في الأوسط لابن المنذر -وطبع منه بعض الأجزاء-: ذهب الفقهاء كافةً إلى: أنَّه لا يَتَوقف العمل بالحديث على سماعه؛ بل إذا صحَّ عنده النُّسخةُ جاز له العملُ بها وإن لم يسمع.

يعني: لا يُشترط -كما قال ابن خير الإشبيلي- حتى يكون ذلك القولُ عنده مرويًّا، يعني: معناه مسموعًا. فهنا يقول: ذهب الفقهاء كافَّةً -يعني: إجماع منهم- إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه؛ بل إذا صحَّ عنده النُّسخة جاز له العمل بها، وإن لم يسمع.

وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: الإجماعَ على جواز النَّقل من الكتب المعتمَدة، ولا يُشترط اتِّصال السند إلى مصنِّفيها؛ وذلك شاملٌ لكتب الحديث والفقه.

قال إلكيا الطبري صاحب أحكام القرآن، وهو شافعي المذهب: من وجد حديثًا في كتابٍ صحيحٍ، جاز له أن يرويه ويحتجَّ به؛ لم يُشترط أن يكون عنده له رواية. وقال قوم من أصحاب الحديث: لا يجوز له أن يرويَه لأنه لم يسمعه؛ وهذا غلط.

وكذا حكاه إمامُ الحرميْن في كتابه البرهان -وهو مطبوع- عن بعض المحدِّثين. وقال: هم عُصبة لا مبالاةَ بهم في حقائق الأصول، يعني: المقتصرين على السَّماع، لا أئمَّة الحديث.

وقال الشَّيخ عزُّ الدين بن عبد السَّلام -في جواب سؤالٍ كتبه إليه أبو محمد بن عبد الحميد-: وأمَّا الاعتماد على كتب الفقه الصَّحيحة الموثوق بها، فقد اتَّفقَ العلماء في هذا العصر، على جواز الاعتماد عليها والإسناد إليها، لأنَّ الثقةَ قد حصلت بها، كما تحصُل بالرِّواية؛ ولذلك اعتمد النَّاس على الكتب المشهورة في النَّحو واللُّغة والطِّبِّ وسائر العلوم، لحصول الثقة بها، وبُعد التدليس.

ومن اعتقد أن الناس قد اتفقوا على الخطإ في ذلك، فهو أوْلى بالخطإ منهم.

ولولا جوازُ الاعتماد على ذلك لتعطَّل كثير من المصالح المتعلقة بها، أي: في الأخذ منها والاحتجاج بها. وقد رجع الشارع إلى قول الأطباء في صور، وليست كتبهم مأخوذةً في الأصل إلا عن قومٍ كفار، ولكن لما بعُد التدليس فيها اعتُمد عليها، كما اعتُمد في اللغة على أشعار العرب وهم كفار، لبعد التدليس في مثل ذلك.

قال: وكتب الحديث أوْلى بذلك من كتب الفقه وغيرها، لاعتنائهم بضبط النُّسَخ وتحريرها. فمن قال: إنَّ شرط التخريج من كتابٍ يتوقَّف على اتِّصال السَّند إليه، فقد خرق الإجماع.

وغايةُ المُخرِّج أن ينقلَ الحديث من أصلٍ موثوقٍ بصحته، وينسبَه إلى من رواه، ويتكلَّمَ على علته وغريبه وفقهه. فقط يشترط أن ينقل الحديث من أصلٍ موثوق بصحته، ولا يشترط أن يكون له سند أو رواية متصلة إليه أو إلى مؤلِّفيه. قال: وليس الناقل للإجماع مشهورًا بالعلم مثل اشتهار هؤلاء الأئمة.

يعني: ليس هناك إجماع في ذلك، وهذا الذي ادَّعى الإجماع ليس مشهورًا كما اشتهر هؤلاء الأئمَّة الذين جوَّزوا ذلك، والنقل من الكتب المعتمدة الصحيحة المقابلة بأصولها واستوثق بصحتها.

قال: -يعني ابن عبد السلام-: بل نصَّ الشافعي في الرِّسالة على: أنه يجوز أن يُحدِّث بالخبر، وإن لم يعلم أنَّه سمعه. فليت شعري! أيُّ إجماعٍ بعد ذلك؟!

وكلُّهم يرُدُّون أو يُخالفون ابن خير الإشبيلي، في قوله: اتفق العلماءُ على: أنَّه لا يصِحُّ لمسلمٍ أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكون عنده ذلك القول مرويًَّا، يعني: سمعه على أقل وجوه الروايات، يعني: على أقل وجوه التحمل.

قال العز بن عبد السلام أيضًا: واستدلاله على المنع بالحديث المذكور أعجب وأعجب.

يعني: استدلال ابن خير على ذلك بحديث: ((مَن كذب عليَّ متعمِّدًا)) ليمنع من العمل بحديثٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو القول به حتى يكون مرويًَّا عنده، قال: استدلاله على المنع بالحديث المذكور أعجب وأعجب؛ إذ ليس في الحديث اشتراط ذلك، وإنما فيه تحريم القول بنسبة الحديث إليه، حتى يُتحقق أنَّه قاله، وهذا لا يتوقَّف على روايته، بل يكفي في ذلك علمُه بوجوده في كتب من خرَّج الصحيح، أو كونه نصَّ على صحته إمامٌ، وعلى ذلك عملُ الناس.

وقد بيَّن ابن حجر: أنَّ الاعتماد على ما في الكتاب لا يُعاب، بل هو وصفُ أكثر رواة الصَّحيح من بعد الصحابة وكبار التابعين، لأنَّ الرواة الَّذين في الصَّحيح على قسميْن:

– قسم كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم؛ فكان الواحد منهم يتعهد حديثه ويكرِّره، فلا يزال مبيِّنًا له. وسَهَّل ذلك عليهم قربُ الإسناد، وقلَّة ما عند الواحد منهم من المتون، حتى كان من يحفظ منهم ألف حديثٍ يُشار إليه بالأصابع؛ ومن هنا دخل الوهم والغلط على بعضهم، لِما جُبل عليه الإنسان من السهو والنسيان.

– وقسم كانوا يكتبون ما يسمعونه، ويحافظون عليه ولا يخرجونه من أيديهم، ويُحدِّثون منه. وكان الوهم والغلط في حديثهم أقلَّ من أهل القسم الأول، إلا مَن تساهل منهم، كمن حدث من غير كتابه أو أخرج كتابه من يده إلى غيره، فزاد فيه ونقص، وخفي عليه؛ فتكلم الأئمة في من وقع له ذلك منهم.

وإذا تقرَّر هذا، فمَن كان عدلًا، لكنه لا يحفظ حديثه عن ظهر قلب، واعتمد على ما في كتابه فحدَّث منه، فقد فعل اللازم له، وحديثه على هذه الصورة صحيحٌ بلا خلاف. فكيف يكون هذا سببًا لعدم الحُكم بالصحة على ما يُحدِّث به؟ هذا مردود. والله تعالى أعلم.

ومعنى كلام ابن حجر هذا: أنّ هذه الكتب، قد اعتُمد على كتابتها وعلى حفظها في المصنَّفات، ثم لمَّا اشتُهرت وانتقلت باشتهارها على أيدي الثقات، فلا يضرُّ بعد ذلك أن تُروَى بروايةٍ أو بوجهٍ من وجوه الرِّواية، أو تُروى من الكتب. وشهرتُها أيضًا تُغني عن الأسانيد، كما سبق أن ذكرنا في الاعتماد على التَّصحيح وعلى التَّضعيف من هذه الكتب، في ما لم يُصحَّح ولم يضعَّف قبل ذلك.

وعلى كلِّ حال، فالذي اختلف فيه العلماء، إنَّما هو في نقل الإجماع على: أنه لا يجوز إلا رواية الأحاديث بوجهٍ من وجوه الرواية، غيرِ الأخذ بالكتب؛ فخالف في ذلك كثير من المحدِّثين ومن الفقهاء، وأجازوا ذلك من ناحية الواقع العملي، بعد أن استقرت الأحاديث في بطون الكتب واشتهرت، ونقلت نقلًا صحيحًا، لا بأس والحالة هذه: أن تُنقل الكتب من غير روايةٍ، وإنما تنقل من الكتب التي قد وُثق بها، وقد قوبلت على أصول صحيحة، سواءٌ أقابلها الآخذ أو قابلها ثقةٌ غيره.

فكلُّ هذا صحيحٌ، ويؤخذ الحديث، ولا يقع الآخذ أو العامل بهذا الحديث تحت طائلة: ((مَن كذَب عليَّ متعمِّدًا)) لأنَّ هذا ليس من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كل وجوه الاحتياط هذه. هذا وإلا تعطَّلت أو تعطَّل العمل بهذه الكتب، والانتظار حتى تكون لها روايةٌ مسموعة أو غيرُ مسموعة من وجوه التحمل؛ وهذا ممَّا يكون فيه التَّشدُّد أو التَّنطُّع الذي يؤدي إلى ضياع أحاديث رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وإلى وقف العمل بكثيرٍ من كتب الحديث ومن كتب الفقه.

وجوه النَّقد الموجَّهة إلى الصحيحيْن:

قال ابن حجر: والكلام على هذه الانتقادات من حيث التَّفصيل، من وجوه:

منها ما هو مندفع بالكلية، يعني: لا يثبت. ومنها ما قد يندفع.

– فمنها: الزِّيادة التي تقع في بعض الأحاديث إذا انفرد بها ثقة من الثِّقات، ولم يذكرْها من هو مثلهُ أو أحفظُ منه؛ فاحتمالُ كونِ هذا الثِّقة غلط ظنٌّ مجرَّد، حتى نقول: إن هذه انتقادات على البخاري أو مسلم. وغايتها أنَّها زيادة ثقة؛ فليست فيها منافاة، لما رواه الأحفظ والأكثر، فهي مقبولة، والزيادة على الثقة مقبولة.

– ومن هذه الانتقادات: الحديث المرويُّ من حديث تابعيٍّ مشهور، عن صحابي سمع منه؛ فيُعلَّل بكونه روى عنه بواسطة؛ كالذي يُروى عن سعيد المقبُريِّ، عن أبي هريرة, ويُروى عن سعيدٍ، عن أبيه أبي سعيد، عن أبي هريرة.

فقد روى التَّابعيُّ -وهو سعيد المقبُريُّ- بواسطةٍ، عن أبي هريرة، بواسطة أبيه، وبغير واسطةٍ عن أبي هريرة؛ فهذا قد يُعطي شكًَّا في كون هذا الحديث قد سُمع مباشرةً من أبي هريرة. يعني: قد سمعه سعيدٌ المقبُري مباشرةً عن أبي هريرة, وأنَّ مثل هذا لا مانعَ أن يكون التابعيُّ سمعه بواسطة، ثم سمعه بدون ذلك الواسطة، لأنَّ المعروف مثلًا عن سعيدٍ المقبُريِّ أنَّه سمع من أبي هريرة مباشرةً وسمع من أبيه.

فلا مانع من أن يكون الحديث الواحد قد سمعه مرَّتيْن: مرة عن أبي هريرة مباشرةً بلا واسطة، ومرةً بواسطة أبيه.

ويلتحق بهذا ما يرويه التَّابعيُّ عن صحابيٍ؛ فيُروى من روايته عن صحابيٍّ آخر.

يعني: يروي أيضًا سعيد المقبري مثلًا الحديثَ عن أبي هريرة، ويروى عنه، عن ابن عمر مثلًا، والحديث هو واحد؛ فقد يُشكِّك هذا في كونه ضبطه، وفي كونه لا يدري هل هو سمعه من أحد الصَّحابيّيْن دون الآخَر أو لا. قال ابن حجر: فإنَّ هذا يكون سمعه منهما.

يعني: ما دام البخاري أو مسلم قد رويا هذا الحديث على هذا النحو، أو على نحوٍ من الروايتيْن، فلا بأس؛ فقد يكون هذا التَّابعيُّ سمعه من الصحابِيَّيْن، فيُحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا. كما قال عليُّ بن المدينيِّ في حديث عاصمٍ، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شدَّاد بن أوس.

والحافظ لم يذكر نصَّ الحديث الذي أشار إليه، وهو حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، رواه أحمد والدَّارمي، كلاهما من طريق يزيد بن هارون، عن أبي قلابة به.

ورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرَّحَبي، عن ثوبان.

وهو نفسه الحديث الذي رواه أبو داود، في كتاب: الصوم، في باب: في الصائم يحتجم، حديث رقم (2367).

ورواه أحمد والدَّارمي وابنُ ماجة، كلُّهم من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.

فهذا الحديث، رواه أبو قلابة -وهو من التابعين- تارةً عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس. ورواه عن ثوبانَ، ورواه عن أبي أسماء الرَّحَبي، عن ثوبان.

قال: ما أرى الحديثيْن إلا صحيحيْن لإمكان أن يكون أبو قلابة سمعه من كلٍّ منهما.

قلت -أي: قال ابن حجر-: هذا إنما يطَّرد حيث يحصل الاستواء في الضبط والإتقان.

يعني: هذا يكون عندما يكون هناك استواء في الضَّبط والإتقان، فيكون الحديثان صحيحيْن، ولا يُحتاج إلى ترجيح أحدهما على الآخر.

– ومن الانتقادات: ما يُشيرُ صاحب الصَّحيح إلى علَّته، كحديثٍ يرويه مسندًا، ثم يُشير إلى أنَّه يُروى مرسلًا، فذلك مصيرٌ منه إلى رواية من أسنده على من أرسله. فكونُه يُشير إلى أنَّه رُوي مرسلًا هو تنبيهٌ إلى أنَّه لم يَغبْ عنه هذا الطَّريق المرسل، وأنَّه لم يعتبره علةً في الحديث المتصل؛ وإنَّما ذلك -كما قال ابن حجر-: مصيرٌ منه إلى ترجيح رواية من أسنده.

– ومن الانتقادات: ما تكون علَّتُه مرجوحةً بالنِّسبة إلى صحَّته: فالرَّاجح هو الَّذي ليس فيه علَّة، وهو الَّذي رواه الشَّيخان أو أحدهما، كالحديث الذي يرويه ثقاتٌ متصلًا، ويُخالفهم ثقةٌ فيَرويه منقطعًا. أو يرويه ثقةٌ متصلًا، ويرويه ضعيفٌ منقطعًا.

فهنا الحكم للصحيح, وأنَّ العلة هنا مرجوحة، لأنَّ الراجح هو: ما يرويه الثقات متصلًا إذا خالفهم ثقة، فيرويه منقطعًا فيكون هذا شاذًا، أو يكون الحكم بالصحة لمن يرويه ثقةٌ متصلًا، ولا تؤثر علة من يرويه ضعيفٌ منقطعًا.

ومسألة التَّعليل بالانقطاع وعدم اللَّحاق -يعني: عدم اللُّقى- قلَّ أن تقع في البخاري بخصوصه، لأنَّه معلوم أن مذهبه: عدم الاكتفاء بالإسناد المعنعن، بمجرد إمكان اللقاء. فإذا كان هناك حديث روي بواسطةٍ عن شيخٍ آخر، وبغير واسطة، فلا نستطيع أن نقول: إن الرواية بلا واسطة عند البخاري منقطعة؛ فهو لم يأتِ بها إلا وقد اطمأنَّ إلى أنه ثبت اللقاء عنده بين الراوي وبين الشيخ الذي روى عنه بلا واسطة، وأنه قد سمع منه، حتى وإن كان الحديث معنعنًا.

وإذا اعتُبرت هذه الأمور من جملة الأحاديث التي انتُقدت عليهما، لم يبقَ بعد ذلك مما انتُقد عليهما سوى مواضعَ يسيرة جدًا.

قال ابن حجر: ومن أراد حقيقة ذلك، فليُطالع المقدمة التي كتبتها لشرح (صحيح البخاري). وهو يشير إلى (هدي الساري لمقدمة فتح الباري في شرح (صحيح البخاري).

قال ابن حجر: فقد بيَّنتُ فيها ذلك بيانًا شافيًا، بحمد الله تعالى وفضله، ولينظر في المقدِّمة إلى (ص347، 348)، من مقدمة فتح الباري. والله تعالى أعلم.                                                                               

وجوه النَّقد الموجَّهة إلى الصحيحيْن، من جهة الرواة:

عدد الرواة الذين انفرد بهم كلٌّ من البخاري ومسلم:

هذا، والذين انفرد البخاريُّ بالإخراج لهم دون مسلم: أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلًا.

المُتكلَّم فيهم بالضَّعف منهم: ثمانون رجلًا.

والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري: ستمائة وعشرون.

المُتكلَّم فيهم بالضَّعف منهم: مائة وستون.

وهذا، وإن كان ذُكر في معرض تفضيل البخاري على مسلم، لكنَّه يَشي في نفس الأمر، بأنَّ هناك رجالًا ضعفاء في البخاري وفي مسلم، وهذا مردُّه إلى أنَّ الرُّواة أنواع.

أنواع الرُّواة، وموقف البخاري ومسلم منها:

فهناك: من كان مستقيمَ الأمر ثم اختلط، فاعتُبر من الضُّعفاء:

والبخاريُّ ومسلم إذا أخذا حديثًا لهذا الرَّاوي، فقد يُعدُّ ذلك ظاهرًا أنَّهما أو أحدهما قد أخذ حديث راوٍ ضعيف؛ هذا في الظاهر. أمَّا في حقيقة الأمر، فإنَّهما ما أخذا إلا الصَّحيح من حديثه، أي: ما أخذا من حديثه إلا ما كان قبل الاختلاط.

– وكذلك يقال أيضًا في أحاديث المدلِّسين في البخاري ومسلم:

فظاهرًا: هؤلاء الرُّواة ضعاف، وبالتالي أخذ البخاري ومسلم برواية مدلِّس، وأن حديثه ضعيف، هذا في ظاهر الأمر. أمَّا في حقيقة الأمر: فإنهما -كما قرَّر العلماء- لم يأخذا من أحاديث المدلِّسين إلا ما صرَّحوا فيه بالسماع، وليس في روايتهم انقطاع من هذا الجانب.

وقد يكون الرَّاوي أحاديثُه صحيحةً ومتقنةً في جانب، وضعيفة في جانبٍ آخَر:

كأن يُقال مثلًا: إنَّ الرَّاوي فلان لم يُتقن أحاديثَه عن الزُّهريِّ، وأتقن أحاديثه عن غير الزُّهريِّ. وقد يضعف لمثل هذا، أو تضعُف أحاديثه عن الزُّهري؛ فقد يُطلق عليه الضعف.

فإذا كان البخاري ومسلم أو أحدهما لم يأخذا إلا من الأحاديث التي أتقنها، فهذا في ظاهر الأمر قد يقال: إنَّهما أخذا عن راوٍ ضعيف؛ ولكن في حقيقة الأمر أنَّهما أخذا براوٍ ثقة فيما رواه من تلك الأحاديث التي اعتمداها أو التي اعتمدها واحدٌ منهما، وهكذا…

مسلك الإمام البخاري في الرواية عمن انفرد بالرواية عنهم:

هذا، وقد ذكر السُّيوطيُّ: أنَّ الذين انفرد بهم البخاري ممَّن تُكُلِّم فيه، لم يُكثر من تخريج أحاديثهم، وليس لواحدٍ منهم نسخةٌ كبيرةٌ أخرجها كلَّها أو أكثرَها، إلا ترجمةَ عكرمة عن ابن عباس.

وأنَّ الذين انفرد بهم البخاري، ممن تُكلِّم فيهم، أكثرهم من شيوخه الَّذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم واطَّلع على أحاديثهم، وعرف جيِّدها من غيره. فإذا جاء بحديثٍ فهو اطمأنَّ كمحدثٍ إمام، بأنَّ هذا الحديث صحيحٌ عند هذا الرجل، حتى وإن تُكُلِّم فيه.

وهذا يُذكرنا بمسلك الإمام الشَّافعيِّ، مع إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو شيخه، واطمأنَّ إليه، وقال: لئن يخرَّ من السماء، خيرٌ له من أن يكذب. فاعتمد أحاديثه، وكان يقول في بعضها: أخبرنا أو حدثنا الثقة، ويعني به: إبراهيم بن أبي يحيى. هذا على الرغم من أنَّ إبراهيم هذا قد تركه المحدِّثون، وأكثروا القول فيه تضعيفًا وتركًا.

وقال ابن الصلاح: قد عيب على مسلمٍ روايته في صحيحه عن جماعةٍ من الضعفاء والمتوسّطين، الَّذين ليسوا من شرط الصحيح.

وجوابه من وجوه:

أحدها: أنَّ ذلك في من هو ضعيف عند غيره، ثقة عنده.

الثاني: أنَّ ذلك واقع في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، فيذكر الحديث أولًا بإسنادٍ نظيفٍ، ويجعله أصلًا ثم يُتبعه بإسنادٍ أو أسانيد فيها بعضُ الضُّعفاء على وجه التَّأكُّد والمبالغة، والزيادة فيه تُنبّه على فائدةٍ فيما قدمه.

وهذه العبارة الأخيرة، تُجيب عن تساؤل: مادام قد روى الحديث بإسنادٍ نظيفٍ، فما باله يُتبِعه بإسنادٍ أو أسانيد فيها بعض الضعفاء؟

فيُقال: إنَّ فيها زيادةً في هذا الحديث أو ذاك، تُنبه على فائدةٍ فيما قدَّمه، فهي وإن كانت في المتابعات والشَّواهد لكنَّها تفيد، ولأنَّ فيها تأكيدًا، ولأنَّه قد يكون فيها إشارةٌ إلى رفعها من درجة الضَّعف، لوجود الحديث في الأصول التي ذكرها.

الثالث: أن يكون ضعفُ الضعيف الذي اعتَدَّ به، طرأ بعد أخذِه عنه باختلاط، كأحمد بن عبد الرحمن بن أخي عبد الله بن وهب، اختلط بعد (250)، بعد خروج مسلم من مصر؛ وعلى ذلك فقد كان عند تلقِّي مسلم منه في حالة طيِّبةٍ وجيدةٍ، ولم يكن قد اختلط، فلم تتغير أحاديثه بهذا الاختلاط الذي حدث فيما بعد.

الرَّابع: في الجواب عن كون مسلم يروي عن جماعة من الضُّعفاء: أن يعلوَ بالضَّعيف إسنادُه، وهو عنده من رواية الثقات نازل؛ فيقتصر على العالي، ولا يُطوِّل بإضافة النازل إليه، مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن ذلك.

فقد روينا أنَّ أبا زُرعة أنكر عليه روايته، عن أسباط بن نصر، وقطن بن نصير، وأحمد بن عيسى المِصري، فقال: إنَّما أدخلتُ من حديثهم ما رواه الثِّقاتُ عن شيوخهم، إلا أنَّه ربَّما وقع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من روايةٍ أوثقَ منه بنزول؛ فأقتصرُ على ذلك.

ولامه أيضًا، على التَّخريج عن سويد بن سعيد الحدثاني، فقال: من أين كنتُ آتي بنسخة حفص عن ميسرة بعلوٍّ، يعني: هو روى عنه هذه النسخة التي هي عن حفص عن ميسرة بعلو.

ونلحظ أنَّ مسلمًا لا يأخذ عن هؤلاء الضعفاء إلا ما هو صحيح، وطبَعي أنَّ الضعيف عنده أحاديث صحيحة؛ ولذلك قال: إنَّما أدخلت من حديثهم ما رواه الثقات عن شيوخهم، يعني لم يتفرَّدوا به. ورواية الثقات عن شيوخهم تجعل مسلمًا يطمئنُّ إلى روايتهم. والله تعالى أعلم.

error: النص محمي !!