Top
Image Alt

مسألة مبدأ اللغات: توقيفي أم اصطلاحي عند الزركشي في (البحر المحيط)؟

  /  مسألة مبدأ اللغات: توقيفي أم اصطلاحي عند الزركشي في (البحر المحيط)؟

مسألة مبدأ اللغات: توقيفي أم اصطلاحي عند الزركشي في (البحر المحيط)؟

مبدأ اللغات توقيفٌ من الله تعالى بإلهام أو وحي أو كلام، وهذا عند أبي الفرج، والموفق بن قدامة، والإمام الطوفي، وابن قاضي الجبل، والظاهرية، والأشعرية، قال في (المقنع): وهو الظاهر عندنا لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة: 31] أي: أن الله سبحانه وتعالى وضعها، فعبروا عن وضعه بالتوقيف لإدراك الوضع، وقيل: أو علمه بعضها، أو اصطلاحًا سابقًا، أو علمه حقيقة الشيء وصفته؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} [البقرة: 31].

ورُد قول مَن قال: “علمه بعضها، أو اصطلاحًا سابقًا، أو علمه حقيقة الشيء وصفته” بأن الأصل اتحاد العلم، وعدم اصطلاح سابق، وأيضًا أن الأصل أنه علَّمه حقيقة اللفظ، وقد أكده سبحانه وتعالى بقوله: “قل يا أيها الكافرون” [الكافرون: 1]، وفي (الصحيحين) في حديث الشفاعة: ((وعلمك أسماء كل شيء))، وبأنه يلزم إضافة الشيء إلى نفسه في قوله: {بِأَسْمَاء هَـؤُلاء} [البقرة: 31]، فالتعليم للأسماء، وضمير {عَرَضَهُمْ} للمسميات، ولظاهر قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، ولقوله تعالى: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق: 5]، وقوله تعالى: {وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22]، وحمله على اللغة أبلغ من الجارحة، وحمله على اختلاف اللغات أولى من حمله على الإقدار عليها لعلة الإضمار.

وقال جمعٌ: إن اللغة اصطلاحية وضَعَها واحدٌ أو جماعةٌ وعرف الباقون بإشارة وتكرار، وقيل: ما يحتاج إليه توقيف وغيره محتمل أو اصطلاح، وقيل عكسه، وقال قومٌ: الكل ممكن، ووقف جمعٌ عن القطع بواحد من هذه الاحتمالات، ثم اختلفوا هل لهذا الخلاف فائدة أو لا؟

فذهب جمعٌ إلى أنه لا فائدةَ له، وقال بعضهم: إنما ذكرت هذه المسألة لتكميل العلم بهذه الصناعة، أو جواز قلب ما لا يطلق له بالشرع كتسمية الفرس ثورًا وعكسه، وقال بعضهم: إنها جرت في الأصول مجرى الرياضيات كمسائل الجبر والمقابلة.

وقال الإمام الماوردي -رحمه الله-: فائدة الخلاف أن مَن قال بالتوقيف جعل التكليف مقارنًا لكمال العقل، ومن جعله اصطلاحًا جعله متأخرًا مدة الاصطلاح، وزعم بعض الحنفية أنهم يقولون بالتوقيف، وعُزِيَ الاصطلاح للشافعية، ثم قال: وفائدة الخلاف أنه يجوز التعلق باللغة عند الحنفية لإثبات حكم الشرع من غير رجوع إلى الشرع، ويجوز تسمية الشيء بغير توقيف ما لم يحرمه الله تعالى، فيبقى له اسمان: اسم توقيفي، واسم اصطلاحي، ذكره القاضي أبو يعلَى والشيخ تقي الدين تبعًا لابن الباقلاني وجمع، وخالف في ذلك الظاهرية.

وأسماؤه سبحانه وتعالى توقيفية لا تثبت بقياس، نقل المروذي عن الإمام أحمد رضي الله  عنه أنه قال: “لا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو سمَّاه رسولُه صلى الله عليه  وسلم”، وقال القاضي وغيره والمعتزلة والكرامية، بل والباقلاني والغزالي والرازي: في الصفات لا الأسماء.

وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجر في (شرح البخاري): اختلف الناس في الأسماء الحسنى هل هي توقيفية؟ بمعنى: أنه لا يجوز أن يشتق من الأفعال الثابتة لله تعالى اسمًا إلا إذا ورد نصٌّ في الكتاب والسُّنة؛ فقال الفخر الرازي: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية، وقالت المعتزلة والكرامية: إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابتٌ في حق الله تعالى جاز إطلاقه على الله تعالى، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي: الأسماء توقيفية دون الصفات، قال: وهذا هو المختار.

واحتج الإمام الغزالي بالاتفاق على أنه لا يجوز أن يسمى رسول الله صلى الله عليه  وسلم باسم لم يسمه به أبوه، ولا سمى به نفسه، وكذا كلُّ كبيرٍ من الخلق، قال: فإذا امتنع ذلك في حق المخلوقين فامتناعه في حق الله تعالى أولى، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يطلق عليه تعالى اسم ولا صفة توهم نقصًا، ولو ورد ذلك نصًّا، فلا يقال: ماهد، ولا زارع، ولا فالق، ولا نحو ذلك، وإن ثبت في قوله تعالى: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُون} [الذاريات: 48]، {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُون} [الواقعة: 64]، {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام: 95]، ونحوها، ولا يقال له: ماكر، ولا بناء، وإن ورد: {وَمَكَرَ اللّهُ} [آل عمران: 54] {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا} [الذاريات: 47].

وقال أبو القاسم القشيري: الأسماء تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيه -أي: في الكتاب والسنة والإجماع- وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لا يجوز حتى ولو صح معناه.

قال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله تعالى بما لم يصف به نفسه، والضابط أن كل ما أذن الشارع أن يدعى به سواء كان مشتقًا أو غير مشتق، فهو من أسمائه تعالى، وكلُّ ما جاز أن ينسب إليه سواءٌ كان مما يدخله التأويل أو لا، فهو من صفاته، ويطلق عليه اسم أيضًا.

يقول الإمام الرازي -رحمه الله-: كون اللفظ مفيدًا للمعنى إما أن يكون لذاته أو بالوضع، سواءٌ كان الوضع من الله تعالى أو من الناس، أو بعضه من الله وبعضه من الناس، فهذه احتمالات أربعة:

الأول: مذهب عباد بن سليمان الصيمري، أي: أن اللفظ مفيدٌ لذاته لا بالوضع.

والثاني -وهو القول بالتوقيف-: مذهب الأشعري وابن فورك.

والثالث -وهو القول بالاصطلاح-: مذهب أبي هاشم المعتزلي وأتباعه.

والرابع -وهو القول بأن بعضه توقيفي وبعضه اصطلاحي-: وفيه قولان منهم من قال: ابتداء اللغات يقع بالاصطلاح والباقي لا يمتنع أن يحصل بالتوقيف، ومنهم مَن عكس الأمر وقال: القدر الضروري الذي يقع به الاصطلاح توقيفي والباقي اصطلاحي، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق.

وأما جمهور المحققين فقد اعترفوا بجواز هذه الأقسام وتوقفوا عن الجزم، والذي يدل على فساد قول عباد بن سليمان: أن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي والأمم، ولا اهتدى كل إنسان إلى لغة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.

يقول الإمام الأصفهاني -رحمه الله- في شرحه: أن دلالة الألفاظ على المعاني معناها إفادتها لتلك المعاني للسامع العالم بالوضع، وتلك الإفادة إما أن تكون لذاته -أي: لذات اللفظ- أو لا لذاته بل بالوضع، وذلك أعم من أن يكون كله من الله أو كله من البشر، أو البعض من الله والبعض من البشر، فإن كان لذاته فهو مذهب عباد بن سليمان، وإن كان لا لذاته بل بالوضع فإما أن يكون وضع جميع الألفاظ لمعانيها من الله أو لا، فالأول هو التوقيف، وإن لم يكن جميعه من الله فإما أن يكون وضع الجميع من البشر أو لا، والأول هو الاصطلاح، وأما إذا لم يكن وضع الجميع من الله والتقدير أنه ليس وضع الجميع من البشر يلزم أن يكون وضع البعض من الله والبعض الآخر من البشر؛ لأنا نتكلم على تقدير الوضع، فعلم انحصار المذاهب المنقولة في المسألة في هذه المذاهب الخمسة التي ذكرها الإمام الرازي، وأنه يستحيل أن يكون هناك مذهبٌ آخر خارجٌ عما ذكره الإمام الرازي؛ الأول: مذهب عباد بن سليمان، الثاني: وهو القول بالتوقيف، الثالث: وهو القول بالاصطلاح، الرابع: وهو القول بأن بعضه توقيفي وبعضه اصطلاحي، وكما قلنا: إن فيه قولين: منهم مَن قال: ابتداء اللغات وضعٌ والباقي لا يمتنع أن يكون بالتوقيف، ومنهم مَن عكس الأمر؛ فقال: القدر الضروري الذي يقع به الاصطلاح توقيفي والباقي اصطلاحي، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.

وأما جمهور المحققين فقد اعترفوا بجواز هذه الأقسام سوى مذهب عباد، فإنهم جزموا ببطلانه، يقول الإمام الآمدي -رحمه الله- في كتابه (الإحكام): ذهب بعض المعتزلة إلى أنه لو لم يكن بين الألفاظ والمعاني مناسبةٌ طبيعيةٌ، وإلا لَمَا كان اختصاص ذلك اللفظ بذلك المعنى أولى من غيره، والدليل على فساد قول عباد: أن دلالة الألفاظ على معانيها لو كانت ذاتية لَمَا اختلفت باختلاف النواحي والأمم، ولعرف كل إنسان اللغات بأسرها، واللازم باطل، أي: أن كل إنسان لا يعرف اللغات، فالملزوم كذلك، أما الملازمة فظاهر؛ ذلك لأن الأمور الذاتية يهتدي إليها العقل، ولا يُتصور الاشتراك في طريق معرفة الشيء مع الاختلاف في العلم والجهل، وأما بطلان اللازم فلأن اللغة لا يهتدي إليها بالعقل، وكذلك سائر اللغات، فينتفي الملزوم، فلا تكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية، وهذا هو المطلوب.

يقول الآمدي: لا امتناع أصلًا في أن يضع الواضع لفظ الوجود بإزاء العدم أو بالعكس، بل قد وقع كلفظ “القرء” ونحوه، والاسم الواحد لا يكون بطبعه متلبسًا للشيء وعدمه، واحتج عباد بأنه لو لم تكن بين الألفاظ والمعاني مناسبة بوجه لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحًا بلا مرجح، وهو محالٌ، وإن حصلت بينهما مناسبة، فهو المطلوب، هذه هي حجة عباد بن سليمان الصيمري.

أجاب عن هذه الحجة الإمام الرازي بأن قال: إن قلنا: الواضع هو الله فالتخصيص بالإرادة -كما قلنا- في تخصيص العالم في كميته بقدر معين لا أزيد ولا أنقص، وكقولنا في أجزاء الأزمان واختصاصها بابتداء المعين، ومقدر ينشأ من الابتداء، وإذا قلنا: إن الواضع هو العبد فالتخصيص إنما كان بخطران ذلك المعنى في اللفظ بالبال دون غيره، ولا يقال: الكلام في خطران ذلك اللفظ بالبال دون غيره؛ لأنا نقول أفعال العباد مستندة إلى إرادة الله تعالى، والجواب: أن ذلك لإرادته القديمة.

يقول الإمام الأصفهاني -رحمه الله-: ثم نقول: هذا الكلام مختلٌ جدًّا، وبيانه: أن كون المرجح ضروريًّا أو نظريًّا أو مطلقًا لازمٌ من المناسبة الذاتية التي يدَّعيها عباد، ووجهه ظاهرٌ، وإن ثبت ذلك قلنا: إما أن يدعي عباد أن بين الألفاظ والمعاني مناسبةً معلومةً بضرورة العقل أو بنظر العقل، أو مجهولة بإطلاقها أو بخصوصها، وأيما كان فكلام عباد فاسدٌ، وأما إذا ادّعى مناسبة ذاتية ضرورية فلا تنفَى الملازمة، وأما إذا ادّعى كونها مجهولة بإطلاقها فيتناقض كلامه، وأما إذا ادّعى كونها مجهولة بخصوصها كخاصية المغناطيس فمسلم لاشتراك العقلاء في معرفة الاختصاص بأمرها مع الجهل بخصوص ذلك الأمر، وليس الأمر كذلك؛ فقد بطل مذهب عباد من جميع تفاسير المناسبة الذي يدعيها.

وقد اتضح أن كلام الإمام الرازي صحيحٌ لا إشكال عليه، وأن كلام عباد باطلٌ، وبه يتبين فساد قوله: إن أراد عباد مطلق الترجيح فيصح قوله ويبطل قول الإمام الرازي.

أيضًا أجاب الإمام الرازي عن كلام عباد، يقول الإمام الرازي: إن كان الواضع هو الله كان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين بالإرادة القديمة، كتخصيص وجود العالم بوقت مقدر دون ما قبله أو ما بعده، وإن كان الناس، فيحتمل أن يكون السبب خطور ذلك اللفظ في ذلك بالبال دون غيره -كما قلنا- في تخصيص كل شيء بعلم خاص من غير أن يكون بينهما مناسبة.

ثم قال الإمام الرازي: وأما الذي يدل على إمكان الأقسام الثلاثة فهو أن الله تعالى قادرٌ على أن يخلق فيهم علمًا ضروريًّا بالألفاظ والمعاني، وبأن واضعًا وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني، وعلى هذا التقدير تكون اللغات توقيفية.

وأيضًا فيصح من الواحد منهم أن يضع لفظًا لمعنى، ثم إنه يعرف الغير ذلك الوضع بالإيماء وبالإشارة، ويساعده الآخر عليه؛ ولهذا قيل: لو جُمِعَ جمعٌ من الأطفال في دارٍ بحيث لا يسمعون شيئًا من اللغات، فإذا بلغوا الكبر لا بد أن يحدثوا فيما بينهم لغة يخاطب بها بعضهم بعضًا -أي: أنهم لا بد أن يبتدعوا لغة يخاطب بها بعضهم بعضًا- وبهذا الطريق يتعلم الطفل اللغة من أبويه، ويعرف الآخر صغيره ما في ضميره، فثبت إمكان كون اللغة اصطلاحية، وإذا ثبت جواز القسمين -أي: كونها توقيفية، وكونها اصطلاحية- ثبت جواز القسم الثالث، وهو أن يكون البعض توقيفيًّا والبعض الآخر اصطلاحيًّا، ولما كنا لا نجزم بأحد هذه الثلاثة فذلك يكفي في الطعن في طرق القاطعين، أي: في طرق الذين يقولون بقطع بأن اللغة توقيفية أم اصطلاحية.

يذكر بعد ذلك الإمام الرازي حجج القائلين بالتوقيف، ويقول: احتج القائلون بالتوقيف بالمنقول والمعقول، أما المنقول: فمن ثلاثة أوجه:

– أحدها: قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة: 31] دل هذا على أن الأسماء توقيفية، وإذا ثبت ذلك في الأسماء ثبت أيضًا في الأفعال والحروف من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أنه لا قائل بالفرق أي: بين الأسماء، والأفعال، والحروف.

الوجه الثاني: أن التكلم بالأسماء وحدها متعذرٌ، فلا بد مع تعليم الأسماء من تعليم الأفعال والحروف.

الوجه الثالث: أن الاسم إنما سمِّي اسمًا لكونه علامة على مسماه، والأفعال والحروف كذلك، فهي أسماء أيضًا.

وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسام، فهذا عرف أهل اللغة والنحو، أي: أن الأصل أن الأفعال والحروف أسماءٌ أيضًا، أما تخصيصها بما يقابل الفعل والحرف، فهذا مما تعارف عليه أهل اللغة والنحو.

– الثاني: أن الله تعالى ذم أقوامًا على تسميتهم بعض الأشياء من غير توقيف بقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [النجم: 23]، فلو لم يكن ما جعل دالًّا على غيرها من الأسماء توقيفًا لما صح هذا الذم.

– الثالث: قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22]، ولا يجوز أن يكون المراد منه اختلاف تأليفات الألسنة وتركيباتها؛ لأن ذلك في غير الألسن أبلغ وأجمل، فلا يكون تخصيص الألسن بالذكر مرادًا، فبقي أن يكون المراد اختلاف اللغات.

هذه هي أدلة القائلين بالتوقيف بالمنقول.

أما المعقول، فقد ذكر الإمام الرازي وجهين من المعقول:

أحدهما: أن الاصطلاحَ إنما يكون بأن يُعرِّفَ كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره، وذلك لا يُعرف إلا بطريق كالألفاظ والكتابة، وكيفما كان فإن ذلك الطريق لا يفيد لذاته، فهو إما بالاصطلاح فيكون الكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل، أو بالتوقيف وهو المطلوب.

الثاني: أنه لو كانت بالمواضعة لارتفع الأمان عن الشرع؛ لأنها لعلها على خلاف ما اعتقدناه؛ لأن اللغات قد تبدلت، فإن قلتَ: لو وقع ذلك لاشتهر، قلتُ: هذا مبنيٌّ على أن الواقعة العظيمة يجب اشتهارها، وذلك ينتقد بسائر معجزات الرسول، وبأمر الإقامة أنها فرادى أو مثناة، أي: أن هذه المقولة -وهي أنها لو كانت واقعة لاشتهرت- تنتقد بالإقامة؛ لأنها لم تنقل لنا على وجهٍ قطعي هل هي بالإفراد أو بالتثنية، يعني: نقول في ألفاظها مرة واحدة، أو نقولها مرتين؟

اختلف العلماء في ذلك.

هذه هي أدلة القائلين بالتوقيف من المنقول والمعقول.

error: النص محمي !!