Top
Image Alt

مسألة: من أهدى هديًا وهو مقيم، ورد عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}

  /  مسألة: من أهدى هديًا وهو مقيم، ورد عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}

مسألة: من أهدى هديًا وهو مقيم، ورد عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}

1. مسألة: من أهدى هديًا وهو مقيم:

أخرج البخاري ومسلم كلاهما من طريق عمرة بنت عبد الرحمن، أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: أن عبد الله بن عباس، قال: “من أهدى هديًا حرُم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي” وقد بعثتُ بهديٍ، فاكتبي لي بأمرك، قالت عمرة: قالت عائشة: “ليس كما قال ابن عباس؛ أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له، حتى نحر الهدي” وترجم عليه البخاري باب: من قلد القلائد بيده، ولم يذكر فيه: وقد بعثتُ بهدي فاكتبي إليّ بأمرك.

وفي رواية قالت في ردها: “أو له كعبة يطوف بها؟” وأخرج البيهقي في سننه عن شعيب قال -شعيب بن أبي حمزة قال-: قال الزهري: أول من كشف الغمة عن الناس وبين لهم السنة في ذلك: عائشة رضي الله عنها ، فأخبرني عروة وعمرة أن عائشة قالت: ((إني كنت لأفتل قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيبعث بهديه مقلدًا وهو مقيم في المدينة، ثم لا يجتنب شيئًا حتى ينحر هديه)) فلما بلغ الناس قول عائشة هذا أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس. قال البيهقي: وروى في هذا المعنى مسروق والأسود عن عائشة.

وهكذا رأت السيدة عائشة أن ما عندها من السنة يعارض ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يرسل هديه وهو مقيم, يقيم حرامًا حتى ينحر هديه.

قال ابن حجر في شرحه معلقًا على ترجمة البخاري باب: من قلد القلائد بيده، قال: والغرض بهذه الترجمة أنه كان عالمًا بابتداء التقليد ليترتب عليه ما بعده. قال ابن التين: يُحتمل أن يكون قول عائشة: ثم قلدها بيده، بيانًا لحفظها الأمر ومعرفتها به، ويحتمل أن تكون أرادت أنه صلى الله عليه وسلم تناول ذلك بنفسه أو علم وقت التقليد، ومع ذلك لم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرِم؛ لئلا يظن أحدٌ أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي.

وأنكرت السيدة عائشة رضي الله عنها  في موقف آخر هذا الأمر؛ فقد روى البخاري بسنده عن مسروق: أنه أتى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين، إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر، فيوصي أن تقلد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرِمًا حتى يحل الناس، قال: فسمعتُ تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: ((لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يحرم عليه مما حلّ للرجال من أهله حتى يرجع الناس)).

لفظ الطحاوي في حديث مسروق، قال: قلت لعائشة: إن رجالًا هاهنا يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذين يبعثون معه بمعْلمٍ لهم يقلدها في ذلك اليوم، فلا يزالون محرمين حتى يحل الناس، ولم تكن السيدة عائشة رضي الله عنها  وحدها التي تعلم ذلك؛ فبذلك يقول ابن مسعود وأنس وابن الزبير وآخرون، قالوا: لا يصير بذلك محرمًا. وهكذا نرى أنه لم تكن في الساحة السيدة عائشة فقط، وإنما كان هناك من ينتقد معها، أو ينتقد مستقلًّا عنها، كابن مسعود وأنس وابن الزبير وآخرون، كما ذكر ذلك ابن حجر في (فتح الباري).

وروى مالك في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدير: أنه رأى رجالًا متجردًا بالعراق، فسأل عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يُقلد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرتُ ذلك له، فقال: “بدعة ورب الكعبة” وروى ابن أبي شيبة عن الثقفي عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم أن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي متجردًا على منبر البصرة، فذكره، فعُرِف بهذا الاسم المبهم في رواية مالك وأنه ابن عباس.

قال ابن التين: خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء، واحتجت عائشة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وما روته في ذلك يجب أن يُصار إليه، ولعل ابن عباس رجع عنه. وتعقبه ابن حجر فقال: وفيه قصور شديد، فإن ابن عباس لم ينفرد بذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر الذي كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم، إلا أنه لا يُلبي، ومنهم قيس بن سعد كما روي ذلك عن عمر وعلي وإن كان منقطعًا. قال ابن المنذر: قال عمر، وعلي، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عباس، والنخغي، وعطاء، وابن سيرين، وآخرون: “من أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما يحرم على المحرم”.

هذا ومما يردُّ به المخالفون لعائشة، ما روي عن جابر، ورواه الطحاوي بسنده في (معاني الآثار) عنه، قال: “كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا، فقُدّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أمرت ببُدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم، وتشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من ورائي، وكان بعث ببُدنه وأقام بالمدينة صلى الله عليه وسلم “، ولكن هذا حديث ضعيف لا يقاوم ذاك الصحيح، قال البخاري: عبد الرحمن بن عطاء فيه نظر. وقال الطحاوي: قد تواترت الآثار عن عائشة بما لم تتواتر عن غيرها، بما يخالف حديث جابر، وحديث عائشة إسناده صحيح بلا خلاف بين أهل العلم، ومعه النظر والمعنى، ومما يُضعِّف حديث جابر: حديث يعلى بن مرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر صاحب الجبة إلا بنزعها)).

ومهما يكن من أمر فقد وضعت السيدة عائشة رضي الله عنها  أساسًا لتوثيق السنة، وهو الاحتكام بما علمته مشاهدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2. رد عائشة قراءة التخفيف: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ }:

ننتقل إلى مسألة قراءة في قوله تعالى: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } [يوسف: 110] أخرج البخاري في التفسير عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } [يوسف: 110] قرآها هكذا { كُذِبُواْ } خفيفة، وتلا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ}   [البقرة: 214] قال ابن أبي مليكة: فلقيتُ عروة بن الزبير فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة: “معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا أنه علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم، فكانت تقرأها: “وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا” مثقلة” أي: مشددة على الذال. ورواه كذلك، أي: البخاري في كتاب التفسير، في تفسير سورة يوسف بسنده، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها  قالت له -وهو يسألها عن قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} قال: قلت: “أكُذِبُوا أم كُذِّبُوا؟ قالت عائشة: “كُذِّبُوا” فقلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } قالت: معاذ الله؛ لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء وتأخر عنهم النصر، حتى إذا استيئس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك”. وفي رواية عن عروة: “فقلت لها: { كُذِبُواْ } مخففة، قالت: معاذ الله…” نحوه.

فظاهر قراءة التخفيف أن الرسل ظنوا أن ما جاءهم من الرسالة كذب، ولا أساس له -أي: شكوا فيما جاءهم من الوحي- وهذا غير جائز على الرسل؛ ولذلك تمسكت السيدة عائشة بقراءة التشديد، أي: ظنوا أنهم كذبهم قومهم الذين آمنوا بهم من قبل، ولا شك أن ما قرأت به إنما هو علمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو ما يعنينا هنا؛ أنها ردت قراءة تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة علمتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة الكثيرين على التخفيف: { كُذِبُواْ } على معنى: وظن أتباع الرسل أن الرسل كَذَبُوا عليهم، فالواو في {وَظَنُّواْ } راجعة إلى أتباع الرسل، من باب: حذف المضاف، وليس إلى الرسل؛ وعلى هذا يندفع المحظور الذي بينته عائشة رضي الله عنها . هذا، وقد فهم ابن عباس هذا الفهم، يعنى: عندما قرأ: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } بتخفيف الذال، فَهِم أن أتباع الرسل هم الذين ظنوا أن رسلهم كذبوهم، وقد أفاض ابن حجر -رحمه الله تعالى- في بيان ذلك في شرح الحديث في (فتح الباري) في الجزء الثامن، في صحيفة مائتين وثماني عشرة ومائتين وعشرين.

error: النص محمي !!