Top
Image Alt

مسئولية القاضي عن الخطأ بسبب غير متعمد

  /  مسئولية القاضي عن الخطأ بسبب غير متعمد

مسئولية القاضي عن الخطأ بسبب غير متعمد

المتوقع أنَّ القاضي لا يقع في خطأ في حكمه، لا سهوًا ولا عمدًا؛ لأنه اختير بناء على توافر شروط معينة، منها: العدالة التي تحفظه من الجور عمدًا، ومنها: الاجتهاد الذي يعني العلم العميق بأحكام الشرع، وطرق استنباطها من مصادرها، كما يعني: الفطنة التي تجعله دائم اليقظة، عارفًا بأحوال الناس ودهائهم، ولكن لأنه بشر من البشر، فهو معرَّض للخطأ؛ لأن الخطأ من لوازم البشر، فلا معصوم منه إلّا من عصمه الله؛ كالأنبياء والمرسلين -عليهم السلام- وقد دلَّ حديث أم سلمة الثابت في الصحيح, والذي قال فيه النبيصلى الله عليه وسلم : إنه بشر، وإنهم يختصمون إليه، فيحكم بينهم على نحو ما سمع منهم، وحذَّرهم من أن يأخذ أحدهم ما ليس من حقه.

وهذا الخطأ الذي يقع من القاضي نوعان: نوع يقع منه سهوًا، ونوع يقع منه عمدًا، والخطأ الذي يقع عن سبب غير متعمد قد يقع من قاضٍ مجتهد، وقد يقع من قاضٍ مقلد، أي: إنه غير مجتهد، كما أن هذا الخطأ قد يقع بسبب من القاضي، وقد يقع بسبب خارج عنه، فإن وقع بسبب غير متعمد من قاضٍ مجتهد، فلا إثم ولا عتاب ولا عقاب في ذلك، ولا فساد، ولا مساءلة فيما وقع فيه، بل له أجر على تحرّيه الحق، وعدم تقصيره في الإجراءات، والفحص عن البينات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن سيدنا عمرو بن العاص: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، فإن أخطأ فله أجر)) وإنما صحَّ حكمه لظاهر حديث أم سلمة السابق، ولأنَّ قضاء القاضي المجتهد لا يجوز نقضه، لكن يجوز استئناف الحكم أمام محكمة أعلى، كما يجوز إعادة النظر في القضية من جديد، بناءً على ما جدَّ من قرائن وأدلة.

وقد يقع الخطأ غير المتعمَّد من غير المجتهد بسبب منه؛ كتقصيره في الإجراءات، أو تقصيره في التأكد من صدق الشهود، أو لقصر نظره في الاجتهاد في الموضوع، أو لعدم بذل قُصارى الجهد في البحث والتقصي، فإن هذا الحكم الخاطئ يئول إلى جَوْر بلا شك؛ لأنه في هذه الحالة وقع خطأ، وهذا الخطأ قد يؤدّي إلى جور، فإن آل إلى جور فإنَّ هذا الحكم يُنقض بلا ريب؛ لأنه ليس حكم الله، فالله سبحانه وتعالى هو العدل كله.

ومن ناحية أخرى، فإنه لا إثم عليه ما دام لم يتعمد الخطأ، ويعذر، بمعنى: أنه لا يسأل جنائيًّا، وإنما يضمن –أي: يتحمل الضمان المالي- إلّا إذا كان الخطأ جسيمًا يلحق من حكم عليه بهذا الحُكم، فإنه يلحق في هذه الحالة بشبه العمد, كأنه عمد؛ لأنه خطأ جسيم ولا يتساهل في الأخطاء الجسيمة، ويتحمل القاضي إذا كان الخطأ جسيمًا كل ما يترتب عليه من نتائج جنائية أو مالية. وخطأ القاضي في هذه الحالة لا يوجب عزله، ولكن يساءل أمام من عيّنه، ولمن عيَّنه عزله إن رأى المصلحة في ذلك، وله أن يبقيه، خصوصًا إذا كان لم يسبق أن وقع في مثل هذا الخطأ الجسيم.

وإذا كان الخطأ بسبب خارجي، مثل: كذب المزكين للشهود، بأن قالوا: إن الشهود عدول، ولكنهم في الواقع كانوا غير عدول، فترتب على ذلك أن القاضي حكم وجاء حكمه خطأ، فهذا الخطأ خارج عن إرادة القاضي؛ بل هو بسبب كذب المزكين للشهود، وفي هذه الحالة فإنَّ القاضي لا يسأل عن شيء، ولا يتحمل المسئولية الجنائية ولا المالية؛ إنما يتحملهما من كان سببًا فيهما، أو يتحمل إحداهما من كان سببًا فيها.

error: النص محمي !!