Top
Image Alt

مسئولية القاضي عن الخطأ بسبب متعمد

  /  مسئولية القاضي عن الخطأ بسبب متعمد

مسئولية القاضي عن الخطأ بسبب متعمد

وإذا وقع من القاضي الخطأ بسبب متعمد، أي: هو الذي تعمَّد الوقوع في هذا الخطأ؛ كأن يكون مثلًا أخذ رشوة -والعياذ بالله- أو تواطأ مع أطراف النزاع أو أحدهما لغرض من الأغراض، فهو الذي تعمد، في هذه الحالة إذا حكم القاضي حكمًا مبنيًّا على سبب متعمد، وكان هذا الحكم خطأ، ماذا نفعل؟ وهل عليه مسئولية؟ وما مدى هذه المسئولية؟

إذا صدر منه حكم خطأ مبنيّ على سبب متعمد منه، فإن هذا الحكم يؤدي إلى الجَوْر بلا شك، وإذا أدَّى الحكم إلى جور فهو ليس حكم الشرع؛ ولذلك يجب نقضه, ويجب مساءلة القاضي عنه: كيف حكم بهذا الحكم الخاطئ المتعمد، المبني على سبب متعمد؟

ويمكن إثبات تعمد القاضي بالوقوع في السبب, الذي أدى إلى الخطأ بأمور خارجية، أو بإقرار القاضي نفسه، والأمور الخارجية مثلًا مثل: البينات، الشهود، أو بإقرار القاضي نفسه، والقاضي في هذه الحالة يعزَّر بعقوبة تردعه وتجعله عبرة لغيره، بالإضافة إلى الضمان بالمعنى الشامل، الذي يدخل فيه القصاص، ويجب عزله بلا خلاف بين الفقهاء.

ومعنى ذلك: أنه عندما يتعمد القاضي الوقوع في خطأ بسبب هو متعمّد له؛ فإنه يجب في هذه الحالة ثلاثة أشياء:

  1. نقض هذا الحكم؛ لأنه ليس حكم الله سبحانه وتعالى , فالله عدل ولا يحكم إلا بالعدل.
  2. مساءلة القاضي عنه: كيف وقع؟ ما السبب في هذا؟ كيف تعمد الخطأ؟ ألا يعلم أن هذا لا يجوز؟ إذا ماطل أو جادل يمكن إثبات تعمده عن طريق البينات، أو عن طريق إقراره بالتحقيق معه.
  3. عزله من منصبه؛ لأنه خالف أصول المهنة، وانحرف عن مقتضياتها، وخاب ظن من عيَّنه فيه، فيجب عزله بلا خلاف بين الفقهاء؛ لأنه بذلك أثبت عمليًّا أنه لا يصلح للقضاء، كما يجب نقض هذا الحكم فورًا، وعلى هذا القاضي إعلام الخصمين بأنه نُقض حكمه، وأنه هو الذي نقضه، فيعلم الخصوم أو الخصمين بذلك؛ ليترافعوا إليه من جديد لأنه هو الذي ينقض حكمه بنفسه، ولا ينقضه حاكم أو قاض آخر.

ويترتب على ذلك أمور:

أولًا: إن كان الحكم لم ينفذ بعدُ؛ ألغي تمامًا، وكأن شيئًا لم يكن.

ثانيًا: إن كان الحكم قد نفذ, فإنه يترتب على ذلك أمور أخرى:

إن كان في العقوبات البدنية المضمونة فإنه يُقتص من القاضي؛ حيث يسوغ القصاص. وأيضًا العقوبات البدنية تكون في ماله هو، لا في مال الدولة؛ لأنه متعمد للخطأ، وإن كان ذلك الجور المتعمد في غير العقوبات من عقود وفسوخ وأموال، فإنه يعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل التنفيذ، بمعنى: أنه إن كان قد حكم حكمًا بالطلاق -مثلًا- بناء على هذا الخطأ المتعمد، فإن هذا الحكم يلغى وتعود الزوجة إلى زوجها، وإن كان حكم هذا الحكم الجائر بالإجارة –مثلًا: عقد من عقود الإجارة- عادت العين المؤجرة إلى مالكها، وتُنزع من المستأجر وتعود إلى مؤجرها الأصلي وهو المالك، وينزع المال من آخذه إن كان الحكم باستحقاق غير مستحقّ.

هذا إذا افترضنا أن المال لا يزال موجودًا، فلنفترض أن المال قد أنفق، إذا كان قد أنفق ومن أخذه يقدر على سداده سدَّده، لكن إذا كان من حُكم له به أخذه وتصرَّف فيه، إن كان لا يقدر على السداد فإنَّ هذا المال يكون على القاضي، والذي يغرمه من ماله؛ لأن الذي أخذ المال تصرَّف فيه بناءً على حكم ظاهره الصحة، وتصرف فيه ولم يعد يملك مثله ولا بدله، ولا يستطيع سداده، فحتى لا يضيع على صاحبه، فإنَّ على القاضي أن يدفعه ويغرمه من ماله الخاص.

هذا كله، بالإضافة إلى عزل ذلك القاضي، ما في ذلك شك، والكل متفق على هذا، فهو إذًا يُعزل ويضمن، ويُرد الحكم إلى ما كان قبل هذا الأمر الذي أدَّى إلى الخطأ، قبل حكم القاضي بهذا السبب الخاطئ المتعمد؛ لأن الضرر يزال: ((لا ضرر ولا ضرار)) والضرر يزال بضرر أخف منه، هذا كله لأنه تعمَّد السلوك والأخذ بالسبب الذي يؤدي إلى الجَوْر والظلم.

ويلاحظ أنَّ الفقه الإسلامي يحمِّل القاضي مسئولية عمده، كما يحمّله مسئولية شبه عمده، ويحمّل الدولة مسئولية خطئه الذي لم ينشأ عن تقصير جسيم، ولا يدرأ الضمان إلّا عن القاضي المجتهد، ومع ذلك فالفقه الإسلامي يكلف الدولة بتعويض المتضرر، ما دام الخطأ في حق من حقوق العباد.

أما في النظم القضائية الحديثة، فإن القاضي إذا أخطأ خطأ جسيمًا، فإنَّ من حق المتضرر مقاضاة ذلك القاضي، فإن حُكم للمتضرر ضمن القاضي من ماله، وإلا غرم الشاكي، وفي كل الأحوال لا تغرم الدولة شيئًا، لكن في الفقه الإسلامي الدولة تتحمل في بعض الحالات، والقاضي يتحمل في بعض الحالات، وهذا يدل على العدل والتوازن، كما يدل على تفوق الفقه الإسلامي في هذه النقطة على القوانين الوضعية؛ لأنَّ ما ذهب إليه هذا الفقه هو الأقرب إلى العدل.

error: النص محمي !!