Top
Image Alt

مسائل تخص الجمعة

  /  مسائل تخص الجمعة

مسائل تخص الجمعة

المسألة الرابعة: صلاة ركعتيْن للدّاخِل أثناء الخطبة:

يعني: شخص دخل المسجد، والإمام على المنبر يخطب خطبة الجمعة، هل على ذلك الشخص الداخل المتأخِّر صلاة تحية المسجد: يركع ركعتيْن، أو ليس عليه صلاة؟ ولا تحية المسجد؟ ولا سُنّة؟ ولا غير ذلك؟ وإنما يجب عليه الجلوس للاستماع للخطبة؟ هذا هو موضوع هذه المسألة.

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: إن الفقهاء اختلفوا فيمن جاء يوم الجمعة والإمام على المنبر -والمقصود بـ”جاء”: يعني: جاء إلى الصلاة، ودخل المسجد أو المصلَّى الذي تنعقد فيه الجمعة- هل يركع ركعتيْن أم لا؟

  • فذهب بعضهم إلى: أنه لا يركع؛ وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة.
  • وذهب بعضهم كالشافعي، وأحمد إلى: أنه يركع، أي: يُصلِّي ركعتيْن خفيفتيْن، ثم يجلس.

ب. ما قاله ابن قدامة:

تحت المسألة التي ذكَرها الخرقي بقوله: “ومَن دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى يركع ركعتيْن، يوجز فيهما”، يعني: ركعتيْن خفيفتيْن.

يعلِّق ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني) فيقول: وبهذا -أي: بوجوب الركعتيْن على مَن دخَل والإمام يخطب. قال الحسن، وابن عيينة، ومكحول، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال شريح، وابن سيرين، والنخعي، وقتادة، والثوري، ومالك، والليث، وأبو حنيفة: يجلس، ويُكره له أن يركع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي جاء يتخطّى رقاب الناس: ((اجلسْ! فقد آذيتَ وأنيْت!))، رواه ابن ماجه. ولأن الركوع يشغله عن استماع الخطبة، فكُره، كركوع غير الداخل.

إذًا، هناك رأيان كما قال ابن رشد. رأي بأنّه يصلِّي ركعتيْن، ورأي بأنه لا يصلِّي، بل يُكره له ذلك.

يرجِّح ابن قدامة وجهة النظر القائلة بصلاة ركعتيْن، فيقول: ولنا ما روى جابر قال: ((جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، فقال: أوَصلَّيتَ يا فلان؟ قال: لا. قال: قُم، فاركعْ))، وفي رواية: ((فصلِّ ركعتيْن))، متفق عليه. ولمسلم قال: ((ثم قال: إذا جاء أحدُكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فلْيركعْ ركعتيْن، ولْيتجوّز فيهما))، أي: يُخفِّف. وهذا نص. ولأنه دخل المسجد في غير وقت النهي عن الصلاة، فسُنّ له الركوع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدُكم المسجد، فلا يجلسْ حتى يركَعَ ركعتيْن))، متفق عليه.

وحديثهم، قضية في عيْن، يعني: قضية الرجل الذي جاء يتخطّى الرقاب، فأمَره النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس، هذه حالة خاصة، في واقعة خاصة؛ ولذلك يقول عنها: وحديثهم قضية في عين، يحتمل أن يكون الموضع يضيق عن الصلاة، أو يكون في آخِر الخطبة، بحيث لو تشاغل بالصلاة، فاتتْه تكبيرة الإحرام. والظاهر: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمَره بالجلوس ليكفَّ أذاه عن الناس لتخطِّيه إيّاهم. فإن كان دخوله في آخِر الخطبة، بحيث إذا تشاغل بالركوع فاتَه أوَّلُ الصلاة، لم يُستحبّ له التشاغل بالركوع. وينقطع التطوُّع بجلوس الإمام على المنبر، فلا يصلِّي أحدٌ غير الداخل، يصلِّي تحية المسجد، ويتجوَّز فيها، لِما روى ثعلبة بن أبي مالك: “أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يوم الجمعة يُصلّون حتى يخرج عمر. فإذا خرج عمر وجلس على المنبر، وأذَّن المؤذِّنون، جلسوا يتحدّثون. حتى إذا سكت المؤذِّن وقام عمر، سكتوا، فلم يتكلَّم أحد”. وهذا يدلّ على شهرة الأمْر بينهم.

المسألة الخامسة: القراءة المسنونة في الجمعة:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول: أكثر الفقهاء على: أنَّ مِن سنَّة القراءة في صلاة الجمعة: قراءة سورة “الجمعة” في الركعة الأولى، لِما تكرَّر ذلك من فعْله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه خرّج مسلم، وأبو داود، والترمذي، عن أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى بـ”الجمعة”: {يُسَبّحُ لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة: 1]، إلى آخِر السورة- وفي الثانية: بالسورة التالية لها: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون:1].

وروى مالك، ومسلم، وأبو داود، والترمذي: أنّ الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير، ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، على أثر سورة “الجمعة”؟ -يعني: في الركعة الثانية. قال: ((كان يقرأ بـ{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1].

واستحبّ مالك العمل على هذا الحديث؛ فتكون القراءة في الركعة الأولى بسورة “الجمعة”، محلّ اتفاق. أمّا الركعة الثانية، فهناك رواية: بـ{إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون:1]، ورواية أخرى رجّحها مالك: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}.

  • وهناك رأي آخَر: وإن قرأ عنده -أي: عند الإمام مالك- بسورة: {سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ} [الأعلى:1]، كان حَسَنًا؛ لأنه مرويّ عن عمر بن عبد العزيز.
  • وأما أبو حنيفة: فلم يقف فيها شيئًا، يعني: يقرأ بأي قراءة، ليس عنده سُنَّة معيَّنة.

إذًا، هناك ما يشبه الإجماع على: أن في الركعة الأولى تكون القراءة بسورة “الجمعة”. أمّا الركعة الثانية، فإمّا أن تكون بـ{إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ}، أو: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} أو: {سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ}.

ب. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة -رحمه الله- تحت عنوان: مسألة:

قال الخرقي: “وينزل -أي: الإمام- مِنْ على المنبر، فيصلِّي بهم الجمعة ركعتيْن، يقرأ في كل ركعة: “الحمد لله”، وسورة، يعني: سورة “الفاتحة”، وتسمّى سورة “الحمد لله”، وسورة أيًّا كانت”.

لكن ابن قدامة يشرح ذلك، فيقول: جملة ذلك: أن صلاة الجمعة ركعتان عقب الخطبة، يقرأ في كل ركعة: “الحمد لله”، وسورة، ويجهر بالقراءة فيهما؛ لا خلافَ في ذلك كلّه. قال ابن المنذر: “أجمع المسلمون على: أنَّ صلاة الجمعة ركعتان”. وجاء الحديث عن عمر أنه قال: ((صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصْر، على لسان نبيِّكم صلى الله عليه وسلم))، رواه الإمام أحمد وابن ماجه.

ثم قال بعد أن بيّن القاعدة الأساسية، قال: ويُستحبّ أن يقرأ في الأولى بسورة “الجمعة”، والثانية بسورة “المنافقون”؛ وهذا مذهب الشافعي، وأبي ثور، لِما روي عن عبيد الله بن أبي رافع قال: صلّى بنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ سورة “الجمعة” في الركعة الأولى، وفي الركعة الآخِرة {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ}  [المنافقون:1]. فلما قضى أبو هريرة الصلاة أدركْتُه، فقلت: يا أبا هريرة، إنك قرأتَ سورتيْن، كان عليٌّ يقرأ بهما بالكوفة. قال: ((إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الجمعة))، أخرجه مسلم. وإن قرأ في الثانية بـ”الغاشية”، فحَسَن؛ فإن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ماذا كان يقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على إثر سورة “الجمعة”؟ فقال: ((كان يقرأ بـ{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}))، أخرجه مسلم. وإن قرأ في الأولى بـ(سبِّح اسم ربك الأعلى)، وفي الثانية بـ”الغاشية”، فحَسَن؛ فإن النعمان بن بشير، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيديِن وفي الجمعة بـ{سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ} و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، قرأ بهما أيضًا في الصَّلاتيْن))، أخرجه مسلم.

وروى سمُرة بن جندب: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بـ{سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ} و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} معًا))، رواه أبو داود، والنسائي.

وقال مالك: أمّا الذي جاء به الحديث: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}  مع سورة “الجمعة”، والذي أدركت عليه الناس بـ{سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ} . وحكى عن أبي بكر عبد العزيز: أنه كان يستحبّ أن يقرأ في الثانية {سَبّحِ} . ولعله صار إلى ما حكاه مالك: أنه أدرك الناس عليه، يعني: عمل أهل المدينة، واتّباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن. ثم قال: وهذا هو الصحيح، ومهما قرأ، فهو جائز حَسَن، إلَّا أن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن. ولأن سورة “الجمعة” تليق بالجمعة، لِما فيها من ذكْرها، والأمر بها، والحثّ عليها.

تلك إذًا هي القراءة المسنونة أو المستحبّة في صلاة الجمعة، أو في ركعتَيِ الجمعة: الركعة الأولى: سورة “الجمعة”، والركعة الثانية: إما أن تكون بـ{إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ}  أو بـ{سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ} أو بـ”الغاشية”. وإذا قرأ بأي شيء آخَر، فهو حسن. وإن اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن.

الفصل الرابع: في أحكام الجمعة:

ما مضى كلّه يُعتبر أحكامًا، لكن ابن رشد سمّى هذا الفصل: أحكامًا؛ لأنه يتناول حُكم غُسل الجمعة، وحُكم من هو خارج المصر -أي: العاصمة- هل تجب عليه صلاة الجمعة، أو لا تجب؟ وحُكم التبكير للجمعة، وحُكم البيع يوم الجمعة بعد الأذان. لذلك سمّى هذا الفصل: أحكام الجمعة.

قال: وفي هذا الباب أربع مسائل:

الأولى: في حُكم طُهر الجمعة، أي: الغُسل.

الثانية: على من تجب ممّن خارج المصر؟

الثالثة: في وقت الرّواح المرغَّب فيه إلى الجمعة، أو التبكير إلى يوم الجمعة.

الرابعة: في جواز البيع يوم الجمعة بعد النداء.

المسألة الأولى: غُسل الجمعة:

أ. ما قاله ابن رشد:

يحكي ابن رشد: أنّ الفقهاء اختلفوا في هذا الغسل، هل هو واجب أو سُنّة؟ فقال: اختلفوا في طُهر الجمعة.

  • فذهب الجمهور إلى أنه سُنّة، وهو الصحيح.
  • وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرْض. ولا خلاف فيما أعلم أنه ليس شرطًا في صحّة الصلاة.

وقبل أن ننتقل إلى بيان سبب اختلاف الفقهاء في حُكم الغُسل، ننظر فيما قاله ابن قدامة -رحمه الله- في هذه القضية، في كتابه (المغني).

ب. ما قاله ابن قدامة:

يقول الخرقي: “ويُستحبُّ لمَن أتى الجمعة أن يغتسل، ويلبس ثوبيْن نظيفيْن، ويتطيَّب”.

ويعلِّق ابن قدامة على ذلك بقوله: لا خلافَ في استحباب ذلك -أي: الغسل، والثوبيْن النظيفيْن، والتّطيّب.. وفيه آثار كثيرة صحيحة، منها: ما روى سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يغتسلُ رجل يوم الجمعة، ويتطهّر ما استطاع من طُهر، ويَدّهن مِنْ دهنه، أو يمس من طيب بيْته، ثم يخرج، فلا يفرِّق بين اثنيْن. ثم يصلِّي ما كتب له. ثم يُنصت إذا تكلّم الإمام، إلَّا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى))، رواه البخاري. وليس ذلك بواجب في قول أكثر أهل العلْم، لا الغسل، ولا الثوبيْن النظيفيْن، ولا التّطيّب؛ لأن الخرقي صدّر الكلام بقوله: “ويُستحبّ”، ولم يقل: “يجب”.

قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلْم، أي: على استحباب الغُسل، والملابس النظيفة، والتّطيّب. العمل على هذا عند أهل العلْم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومَن بَعْده. وهو قول: الأوزاعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.

وهذا ما قاله ابن رشد بأنه رأي الجمهور: أنه سُنّة، وما قاله الخرقي: أنه مُستحب. وقيل: إنّ هذا إجماع. قال ابن عبد البَر: أجمع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على: أنّ غسل الجمعة ليس بفرض واجب. لكن بالرغم من هذا الإجماع، إلَّا أن هناك رأيًا آخَرَ حُكي عن أحمد رواية أخرى: أنه واجب. وروي ذلك عن أبي هريرة، وعمرو بن سليم، وعمار بن ياسر.

قَاوَلَ عمَّار بن ياسر رجلًا، فقال عمار: “إنه إذًا شرٌّ ممّن لا يغتسل يوم الجمعة”. ووجْهه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((غُسلُ الجمعة واجب على كلِّ مُحتلم))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أتى مِنكم الجمعة، فلْيغتسلْ)). وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((حقّ على كلّ مسلم: أن يغتسل في كلِّ سبعة أيام يومًا؛ يغسل رأسه، وجسده))،متفق عليها.

وهذه الأحاديث وأمثالها تؤكِّد أنّ الإسلام دين النظافة، ودين الطهارة. فمن لم يغتسل كلَّ يوم، فلا أقل من أن يغتسل يوم الجمعة؛ وذلك حقٌّ -أي: واجب. على كل مسلم: أن يغتسل في كلّ سبعة أيام.

ثم يقول ابن قدامة في عدم وجوب الغُسل للجمعة -وليس مطلق الغُسل؛ لأننا نعلم أن الغسل واجب من الجنابة، والغسل واجب من الحيض، والغسل واجب من النّفاس، ومِن الاحتلام، ونزول المنيّ: ولنا: ما روى سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن توضأ يوم الجمعة، فبِها ونِعْمت -أي: ذلك يكفيه. ومن اغتسل، فالغسل أفضل)). ومعنى الأفضلية: أنّ غيره جائز. رواه النسائي، والترمذي وقال: حديث حسن.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن توضأ فأحْسَن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصتَ، غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. ومن مسَّ الحصى فقد لغَا))، متفق عليه. وأيضًا، فإنه إجماع؛ حيث قال عمر لعثمان: “أية ساعة هذه؟ فقال: إني شُغلتُ اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على الوضوء. فقال له عمر: والوضوء أيضًا؟ -يعني: تأخير، واكتفاء بالوضوء وعدم الغسل- وقد علمت: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل؟))”، ولو كان واجبا لردَّه، ولم يخفَ على عثمان، وعلى من حضر من الصحابة. وحديثهم محمول على تأكيد النّدب، ولذلك ذكَر في سياقه: ((والسّواك، وأن يمسّ طيبًا))، كذلك رواه مسلم، والسواك، ومس الطيب، لا يجب، ولِما ذكَرنا من الأخبار. وقالت عائشة: “كان الناس مهنة أنفسهم -أي: يقومون بخدمة أنفسهم، ولا يقوم بخدمتهم أحد. وكانوا يروحون إلى الجمعة بهيئتهم -أي: بالملابس التي امتهنوا فيها أعمالهم- فتظهر لهم رائحة، فقيل لهم: لو اغتسلتم؟”، رواه مسلم بنحو هذا المعنى.

ثم يضيف ابن قدامة إلى هذه الجزئيّة عِدّة جزئيات أخرى تتعلّق بقضية الغسل؛ حيث يقول: وقت الغسل بعد طلوع الفجر؛ فمن اغتسل بعد الفجر، أجزأه. وإن اغتسل قبله، لم يجزئه. ويفصِّل تحت هذا العنوان آراءَ الفقهاء.

ثم يقول في فصل آخَر:

ويفتقر الغسل إلى النية؛ لأنه عبادة محضة، فافتقر إلى النِّيّة، كتجديد الوضوء. فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلًا واحدًا ونواهما أجزأه، ولا نعلم فيه خلافًا. وروي ذلك عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور. وقد ذكرنا: أنّ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن غَسل واغتسل)) أي: جامع واغتسل. ولأنهما غسلان اجتمعا، فأشبها غسل الحيض والجنابة.

وإن اغتسل للجنابة، ولم ينوِ غُسل الجمعة، ففيه وجهان:

أحدهما: لا يُجزيه.

وفصل آخر بعنوان: “مَن لا يأتي الجمعة، فلا غسل عليه”. قال أحمد: ليس على النساء غسل يوم الجمعة. وعلى قياسهنّ: الصبيان، والمسافر، والمريض. وكان ابن عمر، وعلقمة، لا يغتسلان في السفر. وكان طلحة يغتسل.

بعد هذا البيان والتفصيل الذي ذكره ابن قدامة -رحمه الله- والذي علِمنا منه: أن غسل الجمعة لا يتجاوز أن يكون سُنّة؛ بل إن ابن عبد البَر نقل إجماع العلماء على ذلك، وإن كان هناك رأي آخَر يقول بوجوب غسل الجمعة، ينقل ابن رشد السبب في اختلاف الفقهاء حول هذا الغسل: من قال بأنه سُنّة، ومن قال بأنه فرض من أهل الظاهر.

المسألة الثانية: وجوب الجمعة على مَن هو خارج المصر:

كلمة “مصر” يعني: عاصمة، أو بلد كبرى. ومَن هو خارج المصر أي: في البادية، أو في القرى المحيطة الصغيرة.

أ. ما قاله ابن رشد:

تحت هذا العنوان، يقول ابن رشد:

وأمّا وجوب الجمعة على من هو خارج المصر.

  • فإنَّ قومًا كأبي حنيفة قالوا: لا تجب على مَن خارج المصر.
  • وقوم، وهم الجمهور: مالك، والشافعي، وابن حنبل، قالوا: بل تجب. ثم هؤلاء القائلون بالوجوب، اختلفوا اختلافًا كثيرًا في المسافة التي تجعل الجمعة واجبة.
  • فمنهم مَن قال: من كان بينه وبين الجمعة مسيرة يوم، وجَب عليه الإتيان إليها. وهو شاذ.
  • ومنهم من قال: يجب عليه الإتيان إليها على ثلاثة أميال. يعني: حوالي خمسة كيلومترات.
  • ومنهم من قال: يجب عليه الإتيان من حيث يسمع النداء في الأغلب؛ وذلك من ثلاثة أميال من موضع النداء. وهذان القولان عن مالك. وهذه المسألة ثبتت في شروط الوجوب.

هذا العرض الذي قاله ابن رشد على وجوب الجمعة على من هو خارج المصر، واختلاف الفقهاء فيها على هذا النحو الذي رأيناه.

ب. ما قاله ابن قدامة:

أيضًا يتناولها ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني)؛ حيث يقول تحت المسألة التي قالها الخرقي: وتجب الجمعة على مَن بَيْنه وبين الجامع فرسخ -والفرسخ: مقدار قديم، يُساوي أربعةَ أميال بالمقاييس الحديثة. والميل: حوالي 2 كيلو إلا ربعًا، أو نحو ذلك، 1650 متر تقريبًا. هذا في حق غير أهل المصر. أما أهل المصر، فيلزمهم كلّهم الجمعة. يعني: إذا كانت مدينة كبيرة مثل: القاهرة، أو بغداد، أو الرياض، أو نحو ذلك من العواصم الكبرى، فإنها قد تمتدّ أكثر من فرسخيْن، أو ثلاثة فراسخ، أو عشرة فراسخ. لذلك يقول: أمّا أهل المصر، فيلزمهم كلّهم الجمعة، بعُدوا أم قرُبوا.

وقال أحمد: أمّا أهل المصر، فلا بد لهم من شهودها، سمعوا النداء أو لم يسمعوا؛ وذلك لأن البلد الواحد بُني للجمعة، فلا فرقَ بين القريب والبعيد، ولأنّ المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ -هذا في زمن الإمام أحمد، لكنه الآن قد تكون بعض العواصم أكثر من ذلك- فهو في مظنّة القرب، فاعتبر ذلك. وهذا قول أصحاب الرأي، ونحوه قول الشافعي.

فأمّا غير أهل المصر: فمَن كان بيْنه وبين الجامع فرسخ فما دون، فعليه الجمعة. وإن كان أبعد، فلا جمعة عليه. وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب؛ وهو قول مالك، والليث، وروي عن عبد الله بن عمر، وقال: “الجمعة على مَن سمع النداء”. وقال: وهذا قول الشافعي، وإسحاق، لِما روى عبد الله بن عمرو، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجمعة على مَن سمع النداء))، رواه أبو داود. والأشبه أنه مِن كلام عبد الله بن عمرو، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعمى الذي قال: ليس لي قائد يقودني، قال له: ((أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجِبْ))، ولأن مَن سمع النداء داخل في عموم قول الله سبحانه وتعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ} [الجمعة: 9]، ورويعن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، ونافع، وعكرمة، والحَكم، وعطاء، والأوزاعي، أنهم قالوا: الجمعة على مَن أواه الليل إلى أهله، لِما روى أبو هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجمعة على مَن أواه الليلُ إلى أهله)). يعني: إذا كان يخرج بعيدًا عن البلد، وفي الليل يأتي إلى أهله داخل المصر، فالجمعة واجبة عليه، ما دام يبيت عند أهله في المصر.

وقال أصحاب الرأي: لا جمعةَ على مَن كان خارج المصر؛ لأنّ عثمان رضي الله عنه صلَّى العيد في يوم جمعة، ثم قال لأهل العوالي -أي: المناطق المتفرّقة البعيدة، أو الخارجة عن العاصمة: “من أراد منكم أن ينصرف، فلينصرفْ. ومن أراد أن يُقيم حتى يصلِّي الجمعة، فليُقِم”. ولأنهم خارج المصر، فأشبه أهل الحِلَل. جمع حلَّة: أي حيّ.

ولنا في وجوب الجمعة قول الله سبحانه وتعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ}، وهذا يتناول غير أهل المصر إذا سمعوا النداء.

وحديث عبد الله بن عمرو، ولأنّ غير أهل المصر يسمعون النداء وهم من أهل الجمعة، فلَزِمهم السعي إليها كأهل المصر. وحديث أبي هريرة غير صحيح، يرويه عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف. قال أحمد بن الحسن: ذكرت هذا الحديث لأحمد بن حنبل، فغضب وقال: استغفر ربك! استغفر ربك! وإنما فعل أحمد هذا؛ لأنه لم يرَ الحديث شيئًا؛ لحال إسناده. قال ذلك الترمذي.

وأما ترخيص عثمان لأهل العوالي، فلأنه إذا اجتمع عيدان -عيد الجمعة، وعيد الفطر، أو عيد الأضحى- اجتُزِئ بالعيد، وسقطت الجمعة عمّن حضَره -على ما قرّرناه. بمعنى: أنه يكتفى بخطبة أحد العيديْن، إمّا عيد الفطر، أو صلاة الجمعة.

لكن من لم يُصلِّ الجمعة، عليه صلاة الظهر، وليس معنى ذلك أن العيد كافٍ عن الجمعة، وإنما العيد كاف في الخطبة والحضور، حضور الجماعة. أمّا إذا لم يصلِّ الجمعة، فعليه أن يصلِّيَ الظهر.

وأمّا اعتبار أهل القرى بأهل الحلَل، فلا يصحّ؛ لأن أهل الحلل غير مستوطِنين، ولا هم ساكنين في قرية، ولا في موضع جُعل للاستيطان. وأمّا اعتبار حقيقة النداء، فلا يمكن؛ لأنه قد يكون من الناس الأصمّ، وثقيل السمع، وقد يكون النداء بين يدي المنبر فلا يسمعه إلا من هو في الجامع، إلى غير ذلك من الاحتمالات؛ فثبت من ذلك أن القريبين من المصر تجب عليهم الجمعة، كأهل المصر، وأنّ البعيدين لا تجب عليهم؛ والحدُّ في ذلك مختلف.

المسألة الثالثة: حكم التبكير للجمعة:

التبكير، يُقصد به: السعي مبكِّرًا إلى صلاة الجمعة، قبل موعدها بساعات، أو بدقائق، وذلك حرصًا على دخول المسجد، والجلوس في المسجد، وانتظار الخُطبة، وقراءة ما يتيسر من القرآن، وذكْر الله سبحانه وتعالى بأفضل أنواع الذّكْر، قبل أن ينشغل الحاضر بالخطبة وما يتعلَّق بها وما يتلوها من الصلاة. هذا التبكير للجمعة، ورد فيه حديثٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبيِّن فضل ذلك التبكير عن التأخير. وقد عبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بتقسيم ذلك الفضل إلى ساعات، فمَن راح في الساعة الأولى فله كذا، ومن راح في الساعة الثانية فله كذا، ومن راح في الساعة الثالثة فله كذا، وهكذا.

ومن هنا، وقف العلماء أمام هذه الساعات التي ذكَرها رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هي ساعات حقيقية بمواقيتنا الحاضرة؟

كما نعلم، الساعة: ستون دقيقة؛ فهل المقصود بالساعات التي ذكَرها النبي صلى الله عليه وسلم الساعات المعاصرة ومواقيتها المحدّدة؟ أم أنّ المسألة ليست مسألة توقيت ولا ساعات؛ لأن ذلك لم يكون موجودًا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وإنما المقصود الحث على التبكير؛ فيكون المقصود بالساعة: جزءًا من الوقت، أو جزءًا من الزمن، قد يكون خمس دقائق، قد يكون عشر دقائق، قد يكون أكثر من ذلك، قد يكون أقلّ من ذلك.

وقف العلماء حائرين أمام بيان المعنى المراد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الساعة الأولى))، و((الساعة الثانية))، و((الساعة الثالثة))، و((الساعة الرابعة))، و((الساعة الخامسة)).

أ. سبب اختلاف الفقهاء:

حكى ابن رشد -رحمه الله- اختلافَ العلماء في المراد بهذه الساعات التي وردت في فضْل الرواح. وبيّن أنَّ سبب هذا الاختلاف هو قوله صلى الله عليه وسلم: ((من راح في السّاعة الأولى، فكأنّما قرّب بَدَنةً))، أي: تصدَّق وتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى بذبح جمَل، وتوزيعه، وتقسيمه على الفقراء والمساكين؛ تقرُّبًا إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا جزاءُ من راحَ مبكِّرًا لصلاة الجمعة في الساعة الأولى. ونحن نعلم أنّ مَن تقرّب إلى اللهسبحانه وتعالى ولو بشقِّ تمرة، نمَّى الله عز وجل له ذلك الفضلَ وتلك القربَى، حتى تصير عند الله عز وجل كجبل أُحُد، فكيف إذا كانت الصدقة جملًا؟

((مَن راح في الساعة الأولى، فكأنما قرَّب بَدَنة. ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرَّب بقرة -أي: ذبح بقرة، وقسّمها صدقة على الفقراء والمساكين- ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشًا -أي: ذبح كبشًا وقسّمه، وتصدّق به- ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرّب دجاجة. ومَن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرّب بيضة))، رواه الجماعة.

وبالتالي وجدنا اختلاف العلماء أمام المراد في هذا الحديث بهذه الساعات.

  • فالشافعي -رحمه الله- وجماعة من العلماء اعتقدوا: أنّ هذه الساعات هي ساعات النهار؛ وبالتالي يكون المطلوب التبكير لصلاة الجمعة من أوَّل شروق الشمس؛ بل ربّما عقب صلاة الفجر، نسعى إلى الجمعة، ونحرص على التبكير والسعي إليها. فندبوا -الشافعي وهذه الجماعة- إلى الرّواح -أي: التبكير- من أوّل النهار. والرّواح أي: الذهاب إلى المسجد.
  • وذهب مالك إلى: أنها -أي: الساعات- أجزاء ساعة واحدة، قبل الزوال، وبعده. يعني: كأن صلاة الجمعة تتطلّب الخطبة والصلاة حوالي ساعة، وإذا كان وقتها هو وقت الظهر -كما سبق أن ذكرنا. فوقتها يبدأ من الزوال، وبالتالي يكون التبكير إليها في جزء قبل الزوال، ويستمر ذلك بعد الزوال؛ فيكون المقصود بالساعات: أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده. يعني: خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة، ونحو ذلك.
  • وقال قوم: هي أجزاء ساعة قبل الزوال، يعني: أجزاء من الساعة، لكن الساعة كلّها قبل الزوال. وهو الأظهر -أي: الأوضح- لوجوب السعي بعد الزوال، إلَّا على مذهب مَن يرى أن الواجب يدخله الفضيلة. وهذا المعنى الذي تناوله ابن رشد -رحمه الله- في هذه المسألة، وبيّن أقوال الشافعي ومالك، ومَن على شاكلتهم من العلماء في هذه القضية، وأنَّ المقصود بالساعات: إمّا أن يكون أجزاءً من النهار، من أوّل النهار إلى وقت الزوال، وقت صلاة الجمعة، يقسّم ذلك إلى خمسة أقسام. وإمّا أن يكون المقصود أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده، كما قال الإمام مالك، أو كلها قبل الزوال كما يقول غيرهما.

ب. ما قاله ابن قدامة:

وابن قدامة -رحمه الله- تولّى هذه المسألة أيضًا بالبيان، في فصل من فصول “كتاب الجمعة”، في كتابه (المغني)؛ حيث يقول -رحمه الله: فصل: وللسعي إلى الجمعة وقتان. والمقصود بالسعي هنا: التبكير -كما سبق أن أشرنا. فالتبكير هو: السعي الحثيث إلى الجمعة قبل وقتها. والتبكير: هو السعي إلى الجمعة. يقول: وللسعي إلى الجمعة وقتان: وقت وجوب، ووقت فضيلة.

فأمّا وقت الوجوب، فما ذكرناه . يقصد، أو يشير إلى قوله: “الأذان” الذي ذكَره في المسألة السابقة؛ حيث قال: “وأخذ المؤذِّنون في الأذان، وهذا الأذان الذي يمنع البيع، ويُلزم السَّعي إلَّا لمن منزله في بعدٍ، فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون فيه مُدركا للجمعة”، فالذي ذكَره من قبل هو “الأذان”، أي: أذان المؤذِّن بين يدي الخطيب على المنبر، والذي أشار إليه الحقُّ سبحانه وتعالى بقوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ}، وهذا هو النداء الذي يحرِّم البيع والشراء كما ذكَرت الآية الكريمة. هذا النداء هو وقت الوجوب. أما وقت الفضيلة، فمِن أوّل النهار.

فابن قدامة هنا يُؤكّد على ما ذكره الشافعي -رحمه الله. وكأنَّ الإمام أحمد بن حنبل يوافق الشافعي في ذلك. وأما وقت الفضيلة، فمِن أوّل النهار، فكلَّما كان أبكَرَ -أي: أكثر وقتًا قبل الجمعة- كان أوْلى وأفضلَ. وهذا مذهب الأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وكما علِمنا هو مذهب أحمد بن حنبل أيضًا.

إذًا، يكون على هذا المعنى -معني التبكير من أوّل النهار- كلٌّ من: الإمام أحمد، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا يُستحبُّ التبكير قبل الزوال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن راح إلى الجمعة…))، والرواح: بعد الزوال، والغدوّ: قبله. كأن الإمام مالكًا هنا يريد أن يعتمد على المعاني اللغوية. عادةً، مفهوم الرواح يميل إلى المساء، والرواح: يعني العودة إلى البيت. والغدوّ: يعني الذهاب من البيت إلى الحقول، أو إلى المصالح، أو نحو ذلك.كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لو توكَّلتم على الله حقَّ توكُّله، لَرَزقَكم كما يَرزق الطّير: تغدو خماصًا -يعني: تذهب في الصباح جائعةً- وتروح بِطانًا))، يعني: ترجع إلى بيوتها وأعشاشها، وقد امتلأت بطونها من الحبوب والغذاء. فيريد الإمام مالك أن يُبيِّن أنّ الرواح: يكون قبل الزوال، أمّا الغدو: فيكون قبْله. فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن راح إلى الجمعة)) معناه: أنّ ذلك يكون في جزء بعد الزوال. أمّا الغدو: فيكون قبله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((غَدوة في سبيل الله أو روحة)) أي: ذهاب في الصباح، وعودة في المساء: ((خيرٌ من الدنيا وما فيها)). ويقال: تروَّحْتُ، عند انتصاف النهار. قال امرؤ القيس:

تروح من الحيّ أم تبتكر

*… … … … … …

يردُّ ابن قدامة على رأي الإمام مالك واستدلاله بقوله: ولنا -أي: دليلًا على ما ذكَرنا من أن التبكير يكون من أول النهار: ما روى أبو هريرة، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرَّب بدَنة. ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرّب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرّب كبشًا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرَّب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرَّب بيضة. فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر))، متفق عليه.

ونلاحظ في هذا الحديث الذي استدل به ابن قدمة، بعض الزيادات عن الحديث الذي يشمل نفس المعنى والمضمون عند ابن رشد؛ لأنه أضاف غسل الجمعة أن يكون مثل غسل الجنابة، يعني: غسلًا كاملًا. وأضاف أيضًا صفة من صفات الكبش: ((أقرن)). ثم قال: ((إذا خرج الإمام -أي: إلى الخطبة- حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر))، ولم نجِد ذلك عند ابن رشد -رحمه الله. 

والحديث -كما يقول ابن قدامة- متفقٌ عليه. وفي لفظ: ((إذا كان يوم الجمعة، وقف على كل بابٍ من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الأوَّل فالأوَّل -أي: من يدخل أولًا المسجد، ثم من يدخل ثانيًا، ثم من يدخل ثالثًا.. فإذا خرج الإمام، طوَوْا الصحفَ، وجاءوا يستمعون)). ومعنى ذلك: أنّ مَن تأخّر عن الدخول قبل صعود الإمام إلى المنبر، لا يُكتب اسمه: الملائكة لا يكتبون اسمه ضمن الحاضرين. ((فإذا خرج الإمام، طووا الصحف، وجاءوا يستمعون))، أي: يستمعون الخطبة. متفق عليه.

وقال علقمة: “خرجت مع عبد الله إلى الجمعة، فوجدتُ ثلاثةً قد سمعوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنّ الناس يجلسون من الله عز وجل يوم القيامة على قَدْر رَواحِهم إلى الجمعة))، رواه ابن ماجه.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن غَسَلَ يوم الجمعة واغتسَل -أو من غَسَّلَ يوم الجمعة واغتسَلَ-وبكَّر وابتكر، كان له بكل خطوة يخطوها أجْرَ سنَة، صيامها وقيامها))، أخرجه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ، رواه ابن ماجه. والمقصود بـ((غسَّل)) يعني: توضّأ، من توضأ يوم الجمعة، ثم اغتسل؛ لأنه كما علمنا في غسل الجنابة من قبلُ أنّ السّنّة هي البدء بالوضوء، ثم الاغتسال. ((وبكَّر وابتكر)). بكَّر يعني: سعى إلى الوقت الأوّل. وابتكر يعني: تحمَّل في ذلك، وتكلَّف في ذلك؛ لأن التاء تفيد الافتعال، أي: التكلُّف والهمّ. وله هذا الأجر العظيم الذي أعدّه الله لذلك المغتسِل المبكِّر: ((كان له بكل خطوة يخطوها أجْر سنةٍ، صيامها وقيامها))، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، رواه ابن ماجه، وزاد أيضًا في هذا الحديث: ((ومشى ولم يركب -وهذه فضيلة أخرى- ودَنَا من الإمام فاستمع، ولم يلْغُ)) لم يُكثر من اللغو، أو يلغو مع جاره أو الداخل عليه. ((دنا من الإمام فاستمع، ولم يلْغُ)).

وقوله: ((بكَّر)) أي: خرج في بكرة النهار، وهي: أوّله. وابتكَر: بالغ في التبكير -كما أشرنا إلى أنّ التاء تفيد الافتعال- أي: جاء في أوّل البكرة، أوّل النهار، على ما قال امرؤ القيس:

تروح من الحيّ أم تبتكر

*… … … … … …

وقيل: معناه: ابتكر العبادة، من بكوره. وقيل: ابتكر الخطبة، أي: حضر الخطبة، مأخوذ من باكورة الثمرة، وهي: أوّلها. وغير هذا أجود، يعني: ما مضى من المعاني من التبكير في أوّل النهار أوْلى من باكورة الثمرة وغيرها؛ لأن من جاء في بكرة من النهار، لزم أن يحضر أوّل الخطبة.

والحاصل: أن التبكير في كل الأحوال فضيلة من الفضائل، وسُنّة من السُنن التي ينبغي لمن عليه الجمعة أن يحافظ عليها، وأن يحرص على نوال أجْرها، سواء أخذنا برأي الشافعي،أو الجمهور -الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل: التبكير من أول النهار، وسواء أخذنا برأي هؤلاء، أو أخذنا برأي الإمام مالك: أنّ التبكير إنما يكون في جزء من السَّاعة قبل الزوال وبعده، أو على رأي الآخَرين القائلين بأن الساعات: أجزاء ساعة قبل الزوال.

المسألة الرابعة: حُكم البيع وقت الجمعة:

أ. ما قاله ابن رشد:

يبدأ ابن رشد مباشرةً، فيقول:

إنّ العلماء اختلفوا في ذلك. وكان المفروض ألا يختلفوا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال قولًا صريحًا: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]، وليس بعد كلام الله كلام. فما دام الله سبحانه وتعالى قد أمر بترْك البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فعلى كلّ مسلم أن يلتزم ذلك، وأن يقوم به خيرَ قيام. ومع هذا، فإنّ العلماء -كما يحكي ابن رشد. اختلفوا في هذه القضية. سواء كان بيعًا أو شراءً؛ لأنهما كلمتان متبادلتان، يعني: يطلَق كلّ منهما على الآخَر. فكأنَّ البائع يبيع العين للمشتري، والمشتري يبيع الثمن للبائع. فهذا بائع، وذلك بائع، وهذا مشترٍ، وذلك مشترٍ.

  • فإن قومًا، وهم: مالك، وأحمد، قالوا: يُفسخ البيع، أي: يبطل، ولا ينفذ. أي: يُفسخ البيع إذا وقع النداء.
  • وقال قوم آخرون: الشافعي، وأبو حنيفة: لا يُفسخ. يعني: البيع صحيح، ونافذ، لكنه مكروه أن يتمّ في ذلك الوقت.

ب. ما السَّبب في اختلاف الفقهاء، مع أنّ الآية صريحة في هذا الموضوع: {إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ}؟

يقول ابن رشد: السبب هو: النهي الذي جاء في الآية الكريمة {وَذَرُواْ الْبَيْعَ}. فهل النهي عن الشيء الذي أصله مباح إذا تقيّد النهي بصفة، وهي صلاة الجمعة، يعود بفساد المنهي عنه أو لا يعود؟ يعني: النهي عن البيع مقيَّد بسماع أذان الجمعة، وهل هذا النهي يعود على البيع بالفساد؟ أو لا يعود عليه بالفساد؟

هذا هو تساؤل ابن رشد. وترك الموضوع دون أن يعلّق عليه.

ج. ما قاله ابن قدامة:

لكن ابن قدامة -رحمه الله- فصّل هذا الكلام في كتابه (المغني)؛ حيث يقول تحت مسألة قال فيها الخرقي: “وأخذ المؤذِّنون في الأذان، وهذا الأذان الذي يمنع البيع، ويُلزم السَّعي، إلَّا لمن منزله في بُعدٍ، فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون فيه مُدرِكًا للجمعة”.

يعلِّق ابن قدامة على ذلك بقوله: أمّا مشروعية الأذان عَقِبَ صعود الإمام، فلا خلافَ فيه. فقد كان يؤذَّن للنبي صلى الله عليه وسلم . قال السائب بن يزيد: ((كان النِّداء إذا صعد الإمام على المنبر، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر. فلمّا كان عثمان، كثُر الناس، فزاد النداء الثالث على الزوراء))، رواه البخاري.

وأمّا قوله -وهذا محلّ كلامنا، وشاهدُنا: “هذا الأذان الذي يمنع البيع، ويُلزم السعي”، فلأن الله سبحانه وتعالى أمر بالسَّعي ونهى عن البيع بعد النداء، بقوله سبحانه: {إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ}، والنِّداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النداء عقب جلوس الإمام على المنبر؛ فتعلَّق الحكم به دون غيره. ولا فرْقَ بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده.

وحكى القاضي روايةً عن أحمد: أنَّ البيع يَحرم بزوال الشمس، وإن لم يجلس الإمام على المنبر.

قال ابن قدامة: ولا يصحُّ هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى علّقه بالنداء لا على الوقت، ولأن المقصود بهذا إدراك الجمعة، وهو يحصل بما ذكرنا دون ما ذكَره. ولو كان البيع معلّقًا بالوقت، لَما اختصّ بالزوال، فإنّ ما قبله أيضًا وقت. فأمّا مَن كان منزله بعيدًا لا يُدرك الجمعة بالسعي وقت النداء، فعليه السعي في الوقت الذي يكون به مُدرِكًا للجمعة؛ لأن الجمعة واجبة، والسعي قبل النداء من ضرورة إدراكها؛ وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به واجبٌ، كاستقاء الماء من البئر للوضوء إذا لم يقدر على غيره، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، ونحوهما.

ثم قال: “وتحريم البيع ووجوب السعي، يختصّ بالمخاطبين بالجمعة”. وهذا لم يذكره ابن رشد، وتلك مَزيَّة وقيمة الرجوع إلى المراجع.

يعني: ابن رشد ذكَر قوليْن في حُكم البيع: قول بالفسخ والبطلان، وقول بالصِّحة والجواز. ولم يقل: هل صدر البيع من المخاطبين بالجمعة أم مِن غيرهم؟ أمّا ابن قدامة، فوضّح ذلك بقوله: “وتحريم البيع ووجوب السعي، يختصّ بالمخاطبين بالجمعة”. فأمّا غيرهم من النساء، والصبيان، والمسافرين -أي: الناس الذين لا تجب عليهم الجمعة، كما سبق أن بَيّنّا. فلا يَثبت في حقهم ذلك. وذكَر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتيْن. والصحيح: ما ذكَرْنا. أي: لا يبطل بيعُهم ولا شراؤهم؛ فإن الله سبحانه وتعالى إنما نهى عن البيع مَن أمَره بالسعي، فغيْر المخاطَب بالسعي لا يتناوله النّهي. ولأنَّ تحريم البيع معلَّلٌ بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة، وهذا معدومٌ في حقِّهم؛ حيث لا جمعةَ عليهم. فإن كان المسافر في غير المصر، أو كان إنسانًا مقيمًا بقرية لا جمعةَ على أهلها، لم يَحرم البيع، قولًا واحدًا، ولم يُكره. وإن كان أحد المتبايعين مخاطبًا، والآخَر غير مخاطب، حَرم في حقّ المخاطب، وكُره في حقّ غيره؛ لِمَا فيه من الإعانة على الإثم.

وتتجلى هنا دقة الفقهاء، وجمال التشريع الإسلامي. وإن كان أحد المتبايعين مخاطبًا -أي: بالجمعة- والآخر غير مخاطب -أي: بالجمعة- حرُم في حق المخاطَب -أي: البيع- وكُره في حق غيره -أي: غير المخاطَب.. لماذا كُره في حق الغير؟ لِمَا فيه من الإعانة على الإثم. ويحتمل أن يحرم أيضًا؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].

 ثم قال: ولا يحرم غير البيع من العقود، كالإجارة، والصلح، والنكاح. وقيل: يحرم؛ لأنه عقد معاوضة، فأشبه البيع.

ولنا -والحقيقة: أننا لسنا مع ابن قدامة في هذا الدفاع؛ لأن الأوْلى أن تبطل جميع العقود، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد حرَّم البيع، فالبيع عقد من العقود، فكيف تجوز الإجارة؟ مع أن الإجارة قد تُعطِّل أكثر من البيع؛ لأن البيع يحصل بالمعاطاة، يعني: بصورة فورية. أمّا الإجارة فتحتاج إلى كتابة، وإلى توقيعات، وإلى شهود، وكذلك الصلح، والنكاح: إيجاب، وقبول، وشهود، وإشهار. فكيف يقول ابن قدامة هذه العقود لا تحرم؛ لأنّ النص في البيع؟- أن النَّهي مختص بالبيع، وغيره لا يساويه في الشغل -ونحن نرى: أنّ غير البيع يساوي البيع في الشغل، أو ربّما يزيد عليه- لقلَّة وجوده، فلا يصح قياسه على البيع.

error: النص محمي !!