Top
Image Alt

مستويات تعلم وتعليم العربية

  /  مستويات تعلم وتعليم العربية

مستويات تعلم وتعليم العربية

مشكلة اختيار اللغة:

اختيار اللغة التي نتعلمها في برنامج لتعليم العربية مشكلة، بل ومشكلة كبيرة، وقد يتصور البعض أن الأمر لا يعدو مجرد قرار بتعليم لغة كذا، وتفضيلها على كذا، والأمر أصعب من هذا لسببين:

السبب الأول: تعدد مستويات العربية.

السبب الثاني: اختلاف طبيعة البرامج، وسوف نعرض لهذه المشكلة، بادئين بالحديث عن مستويات العربية، ومستويات تعليمها، ثم حجج وأنصار كل فريق، ثم رأينا في القضية.

مستويات اللغة العربية:

اللغة العربية شأن أي لغة أخرى، ذات مستويات في استخدامها، فعلى المستوى الرأسي نجد مستويين:

المستوى الأول: لغة التراث.

المستوى الثاني: لغة الحياة المعاصرة.

وعلى المستوى الأفقي، نجد مستويات مختلفة، منها ما يخص المثقفين، ومنها ما يخص أوساط المثقفين، ويمكن أن نميز هنا بين مستويين رئيسيين في تعليم العربية أولهما: المستوى اللغوي التخصصي، ويقصد به تدريس اللغة لأهداف خاصة، كأن ندرس العربية لمشتغلين بمهن أو حرف معينة.

ويستهدفون من تعلم العربية، اكتساب المهارات اللغوية المناسبة لهذه المهن أو الحرف، وفي مقابل هذا المستوى اللغوي التخصصي، يوجد مستوى آخر هو المستوى اللغوي العام، ويقصد به تزويد الدارس بالمهارات اللغوية، التي تلزمه لمواجهة مواقف الحياة العامة، كأن يتصل بوسائل الإعلام العربية المختلفة، قراءةً أو استماعًا أو مشاهدة، وكأن يطلب طعامًا معينًا، أو شرابًا يريده، وهذا بالطبع يثير قضيةً أخرى، هي نوع اللغة التي ينبغي أن تعلم في هذا المستوى العام، هل هي العامية لغة التخاطب اليومي بين الناس؟ أم هي الفصحى العامة؟ أم هي الفصحة المعاصرة، لغة الاتصال الرسمي كلامًا وكتابة؟ أم هي فصحة التراث المرتبطة بمصادر الثقافة الإسلامية الأولى؟

ولكن ماذا يقصد بفصحى التراث؟ وماذا يقصد بالفصحى المعاصرة؟ ولماذا نؤيد تعليم الفصحى المعاصرة، ونرفض تعليم العامية فصحى التراث، يطلق اصطلاح فصحى التراث على نوع من اللغة أقرب إلى المجال الديني، والأدبي المتخصص منه، في مجال الحياة العامة.

ويشيع هذا النوع من اللغة في الكتابات الدينية، والأدبية القديمة، والشعر العربي في عصوره المتقدمة، وهذه اللغة أنسب للدارسين، الذين لا يبتغون من تعلم العربية إلا قراءة الثقافة العربية والإسلامية، وكتب الأدب العربي القديم، ومن هؤلاء الدارسين المستشرقون، والمشتغلون بالمجال الديني في دول العالم الإسلامي، وغيرهم ممن لا يأملون في الاتصال الفعلي المباشر، بالناطقين بالعربية.

الفصحى المعاصرة:

اللغة التي ندعو إلى تعليمها هي الفصحى المعاصرة، أو كما يطلق عليها الخبراء: العربية المعيارية المعاصرة، ويقصد بها تلك اللغة، التي تكتب بها الصحف اليومية، والكتب والتقارير والخطابات، وتلقى بها الأحاديث في أجهزة الإعلام، ويتحدث بها المسئولون في لقاءاتهم العامة، والخطباء في خطبهم، وتدار بها الاجتماعات الرسمية، وتؤدى بها بعض المسرحيات، خاصة المترجم منها، وغير ذلك استخدموا فيه الفصحى لغة للفهم والإفهام.

لماذا نرفض تعليم العامية؟ أكرر في مستهل هذا الحديث أن العامية واقع لا مفر منه، هي أداة الاتصال بين الناس، وليس لكاتب أن يتصور اختفاؤه في زمن قريب، ولا يعدو الأمر وراء إنكارها -في رأينا- أن يكون تجاهلًا لواقع يفرض نفسه، أو تسرعًا في إصدار الأحكام العلمية، أو مزايدة لهدف، ومع تسليمنا بهذا إلا أن لنا بخصوص تعليمها موقفًا واضحًا، مؤداه أن يقتصر تعليمها أن يقتصر تعليمها على البرامج الخاصة، التي تضم نوعية من الدارسين، الذين تفرض ظروفهم تعلم عامية إحدى البلاد العربية.

 أما البرامج العامة لتعليم العربية، فنرفض استخدام العامية فيها، ويصدر رفضنا لتعليم العامية عن اعتبارات دينية، وقومية، وتربوية، ولغوية نجملها فيما يلي:

الاعتبارات الدينية:

إن العامية لا تساعد على الاتصال بالحرب العربي المطبوع، ومن ثم يعجز متعلموها عن قراءة القرآن الكريم، وكتب الحديث النبوي الشريف، وغيرهما من كتب التراث الإسلامي.

 الاعتبارات القومية:

إن العامية تفرض بين الشعوب العربية، وتقطع من روابط الفكر ما كان من شأنه توحيد الاتجاه، وتدعيم الصلات بين أبناء الوطن العربي.

الاعتبارات التربوية:

أثبتت الدراسات أن الذين يبدءون بتعلم الفصحى، يكونون أقدر على تعلم العامية، أسرع من اللذين يبدءون تعلم العامية، ثم يتحولون إلى دراسة الفصحى.

الاعتبارات اللغوية:

العامية أضيق لفظًا وفكرًا من الفصحى، وإذا بدا أمامنا قصور في التعبير عن بعض المفاهيم بالفصحى، فليس في العامية غالبًا ما يجبر هذا القصور.

مستويات تعلم العربية:

إن تعلم اللغة يتم على مستويين:

المستوى الأول: استقبال هذه اللغة.

المستوى الثاني: توظيف هذه اللغة.

وعلى سبيل التفصيل يمكننا القول: إن المتعلم الجيد للعربية، هو الذي يصل بعد جهد يبذله في تعلم هذه اللغة إلى المستوى، الذي يمكنه منه، إذ في الأصوات العربية، والتمييز بينها، وفهم دلالتها، والاحتفاظ بها حية في ذاكرته.

فهم العناصر المختلفة لبنية اللغة العربية، وتراكيبها، والعلاقات التي تحكم الاستخدامات المختلفة لقواعد اللغة، استقراء القواعد العامة: التي تحكم التعبير اللغوي، والتمييز بين الدلالات المختلفة للكلمات الواحدة، والمعنى المتقارب للكلمات المختلفة، إذ في الاستخدام الصحيح للغة في سياقها الثقافي أي: أن يدرك الدلالة الصحيحة للكلمة العربية في ثقافتها، وأن يستخدمها استخدامًا واعيًا.

مستويات تعليم العربية:

ماذا نعني بالتعليم في هذه الدراسة؟ المفهوم الذي نتبناه هنا لمصطلح التعليم هو: أنه عملية إعادة بناء الخبرة، التي يكتسب المتعلم من خلالها المعرفة، والمهارات والاتجاهات والقيم، إنه بعبارة أخرى إنه بعبارة أخرى مجموع الأساليب، التي يتم من خلالها تنظيم عناصر البيئة المحيطة بالمتعلم، بمثل ما تتسع له كلمة البيئة، من معانٍ من أجل اكتسابه خبرة تربوية معينة، والتعليم في ضوء هذا المفهوم أكثر من مجرد توصيل معلومات إلى ذهن الطالب، ثم مساءلته عنها بعد ذلك.

وعندما نتكلم عن تعليم العربية نفهم عدة أمور، إن تعليم العربية أكبر من مجرد حشو أذهان الطلاب، بمعلومات عن هذه اللغة، أو تزويدهم بأفكار عنها، إنه نشاط متكامل يهدف إلى ثلاثة أشياء، تنمية قدرات الطلاب العقلية، تنمية مشاعر الطلاب، واتجاهاتهم الإيجابية نحو اللغة العربية وثقافتها، اكتساب الطلاب مهارات لغوية معينة.

إن تعليم اللغة نشاط مقصور، ينطلق القائم به من تصور مسبق للمهمة، التي يقوم بها والأدوار التي يعملها، ومن ثم يلزم القيام بها وضع خطة للعمل ذات أهداف محددة، وإجراءات واضحة، إن تعليم اللغة ليس جهدًا ينفرد به شخص أمام آخر، إنه إعادة بناء الخبرة، وإعادة بناء الخبرة هذه نشاط يتطلب إسهام كل من المعلم والمتعلم، ليست الغاية من تعليم العربية، أن يزود المعلم الطالب بكل شيء، وأن يصحب طالبه على امتداد المسيرة، فينتظر الطالب منه الرأي في كل موقف، والحل لكل مشكلة، والإجابة عن كل سؤال.

إن التعليم الجيد للعربية، هو ذلك الذي يسهل عليه تعلمها، بينما يعتبر التعليم غير جيد، إذا عرف هذه العملية أو أحدث بها أخطاء، إن أساسيات الموقف التعليمي واحدة، بينما تختلف معالجة هذه الأساسيات، فمناهج الدراسة مختلفة، وطرق التدريس متعددة، والمواد التعليمية متنوعة، وأساليب التقويم متباينة.

error: النص محمي !!