Top
Image Alt

مسند الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-

  /  مسند الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-

مسند الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-

وهذا الكتاب يمثل الطريقة الأولى، وهي طريقة الأطراف، والتي هي ترتيب الأحاديث بحسب الراوي الأعلى للحديث، وبدأ هذا الكتاب كغيره من المسانيد بالخلفاء الأربعة، ثم أتبعهم بالعشرة المبشرين بالجنة، ثم بعد ذلك بالأسبقية في الإسلام.

التعريف بـ(مسند الإمام أحمد بن حنبل):

أ. اسم الإمام:

اسمه: أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المتوفى في سنة 240 هجرية، وفي بعض الأقوال 242 هجرية.

مولده -رحمه الله تعالى- كان في سنة مائة واثنان وستين من الهجرة المصطفوية.

ب. الكتاب:

الكتاب هو المسند، وهو كتاب كبير يضم حوالي أربعين ألف حديث بالمكرر، وثلاثين ألف حديث بحذف المكرر، والإمام أحمد يكرر الحديث؛ لأن الحديث يرويه أكثر من راو، فإذا روى الحديث مثلًا سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وسيدنا علي وغيرهم، يذكر الحديث كلما أتى ذلك الراوي؛ لأنه يذكر مرويات كل راوٍ على حدة، فكل ما جاء الحديث عن راوٍ ذكره مرة أخرى، من أجل ذلك حدث التكرير الذي وصل به الكتاب إلى أربعين ألف حديث، لو حُذف المكرر واكتفي برواية واحدة لكان العدد ثلاثين ألف حديث.

جـ. راوي الكتاب:

روى هذا الكتاب القيم ونقله للناس عبد الله بن أحمد بن حنبل، ابن المؤلف، ابن الإمام أحمد مؤلف الكتاب، وهو إمام وعالم ومحدِّث كبير من علماء السنة، له في الكتاب زيادات زادها على رواية أبيه، ولأمانته العلمية نبه عليها بقوله: قلت. أي: يذكر الأحاديث التي رواها عن أبيه، فإذا روى حديثًا لم يأخذه عن أبيه وإنما أخذه عن غيره، يقول من أول السطر: قلت حدثنا. فما دمت تقرأ كلمة: قلت، تعرف أن الحديث الذي يأتي بعد كلمة قلت إنما هو من زيادات الإمام عبد الله بن أحمد، عن أبيه أحمد -رحمهما الله تعالى-.

وحاول الإمام أحمد بن حنبل في هذا الكتاب أن يُدَوِّن للمسلمين أكبر قدر ممكن من أحاديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم وقال لابنه عبد الله: “يا بني، احتفظ بهذا المسند؛ فلعله أن يكون مرجعًا لأمة محمد صلى الله عليه  وسلم إذا اختلفوا على حديث وجدوه فيه”. واصطلح العلماء على أن الكتاب الذي يجمع مرويات كل راو على حدة -دون النظر إلى موضوع الحديث- يسمى بالمسند، ومن هنا سمي هذا الكتاب بالمسند.

فالإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- رتب كتابه هذا على مسانيد الصحابة، بمعنى أنه روى أحاديث كل صحابي على حدة، بغض النظر عن موضوع الحديث، فالجامع بين كل مجموعة من الأحاديث والصحابي الذي روى هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

د. ترتيب مسانيد الصحابة في (مسند الإمام أحمد بن حنبل):

قلت أن أغلب المسانيد ترتب بحسب الأسبقية في الإسلام، ومنزلة الراوي في الإسلام، فأغلب المسانيد تبدأ بأحاديث الخلفاء الأربعة؛ إذ هم أعلى القوم بعد رسول الله صلى الله عليه  وسلم ثم يكملون بالعشرة المبشرين بالجنة، وهكذا بعد ذلك كل حسب مكانته في الإسلام، فرتب الإمام أحمد بن حنبل مسانيد الصحابة في كتابه هذا -المسند- بحسب أفضلية الصحابة، أي: ميزاتهم وسَبْقهم في الإسلام، ومكانتهم ومواقع بُلدانهم.

ولم يلتفت إلى الترتيب على حروف المعجم، كما فعل أصحاب المعاجم في الحديث، فإن الكتب التي أُلفت بهذه الطريقة -لكنها رتبت الصحابة بحسب حروف المعجم- تعرف بالمعاجم ولا تعرف بالمسانيد، وهي التي ستكون درسنا القادم إن شاء الله.

هـ. طريقة البحث في (مسند الإمام أحمد بن حنبل):

البحث في (مسند الإمام أحمد بن حنبل) كان في أول الأمر يرجع الباحث إلى فهارس كل جزء، أي: كل مجلد من مجلدات الكتاب الستة، حتى يهتدي إلى مسند الصحابي الذي روى الحديث، الذي يريد الباحث تخريجه، وبالنظر للتكرار لبعض الأحاديث، لأن الحديث قد يرويه أكثر من صحابي، فيرويه الإمام أحمد مرات، نظرًا لذلك لا بد عند تخريج الحديث من هذا المسند من مراجعة كل الفهارس في كل المجلدات.

ولكن وفق الله سبحانه وتعالى مَن سَهَّل البحث في هذا الكتاب، إذ قام ناشرو المسند، وهم أصحاب المكتب الإسلامي، دار صادر ببيروت، حينما صوروا المسند سنة 1389 هجرية الموافق سنة 1969 ميلادية عن الطبعة الميمنية بالقاهرة، فألحقوا بالطبعة المصورة فهرسًا لأسماء الصحابة، مرتبًا على نسق حروف المعجم، وأمام اسم كل صحابي رقم الجزء والصفحة، وذُكر أن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني كان قد أَعَدَّ هذا الفهرس لنفسه؛ لتسهل عليه المراجعة في (المسند).

وقد أثبتوا هذا الفهرس في أول الجزء الأول من (المسند)، فَمَن أراد تخريج الحديث من هذا المسند فليعرف أولًا اسم الصحابي الذي روى الحديث، ثم يراجع الفهرس العام في المجلد الأول، فيعرف موضع مسند هذا الصحابي في أي جزء، ومِن أي صفحة يبدأ مسنده، ثم يقرأ أحاديث هذا الصحابي حتى يصل إلى حديثه، إذا كان هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وإذا لم يجده فليراجع مرجعًا آخرَ، والذي يدله على أن حديثه في (مسند الإمام أحمد) أم لا هو كتاب (المعجم المفهرس) الآتي بعد، فإنه يذكر الحديث، ويبين رقم الجزء ورقم الصفحة التي فيها الحديث، ويكتب رقم الجزء بخط كبير، ورقم الصفحة برقم صغير.

والبحث في (المعجم المفهرس) له طريقة خاصة -سنذكرها بعد ذلك في بقية طرق التخريج- ولكن للفائدة السريعة أقول لِمَن أراد أن يُخرج المسند للإمام أحمد عن طريق (المعجم المفهرس): عليه أن يختار كلمة من كلمات الحديث، إما كلمة غريبة تحتاج إلى شرح من المعاجم وقواميس اللغة، أو يختار كلمة مهمة يدور حولها معنى الحديث، ثم يجردها إلى فعلها الثلاثي، ثم يذهب إلى (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)، وهو مكون من ثمانية أجزاء، تحت الفعل الثلاثي للكلمة التي اختارها من الحديث، يجد جزءًا من حديثه فيه هذه الكلمة.

وكتب الذين ألفوا ذلك المعجم تحت هذه الكلمة: أخرجه “خ”، يعني البخاري. “م” يعني: مسلم. “د” يعني: أبو داود في سننه، إلى آخر ما قالوا، حتى إذا وجد “حم” أو “حل”، هذه معناه أحمد بن حنبل. يجد رقمًا كبيرًا مثلًا خمسة وشرطة مائلة، ثم رقمًا صغيرًا ولنفرض خمسة، فيأتي إلى المجلد الخامس ويفتح ص5 ويقرأ الصحيفة كلها أو الصفحة كلها، فيجد حديثه في داخل (مسند الإمام أحمد)، كما أشار إليه أصحاب ومؤلفو (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي).

و. وصف (مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل):

كتاب (المسند) كتاب كبير، يشتمل على أربعين ألف حديثٍ بالمكرر، وثلاثين ألف حديث بحذف المكرر، والكتاب هو روايةُ عبد الله بن الإمام أحمد مؤلف الكتاب، ويقع الكتاب في ست مجلدات كبار، وطبعته المطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1313 هجرية.

وقد صورت هذه الطبعة سنة 1389 هجرية دار صادر، المكتب الإسلامي ببيروت، وطبع على حاشيته كتاب (منتخب كَنز العمال في سنن الأقوال والأفعال) لعلي بن حسام الدين المعروف بالمتقي الهندي، والكتاب طبع أخيرًا في المملكة العربية السعودية في خمسين مجلدًا، طباعة نقية واضحة بخط كبير، وبها تخاريج لأغلب الأحاديث التي وردت في (مسند الإمام أحمد بن حنبل)، وإن شاء الله تعالى سنذكر بعض النماذج من هذه النسخة.

ز. مسانيد الصحابة في الكتاب:

قد اشتمل (المسند) على أربع وتسعمائة مسند من مسانيد الصحابة، منها مسانيد بلغت مئات الأحاديث، كمسند أبي هريرة والمكثرين من الصحابة، ومنها مسانيد لا تشتمل إلا على حديث واحد، ومنها مسانيد بين ذلك. وقد ابتدأ المصنف بمسانيد الأربعة الخلفاء: أبي بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، ثم ثلاثة أحاديث لثلاثة من الصحابة، ثم مسانيد أهل البيت، وهكذا حتى انتهى بحديث شداد بن الهاد رضي الله  عنهم جميعًا.

ر. جهود العلماء حول (مسند الإمام أحمد بن حنبل):

أقول: لا يكون الإنسان مبالغًا إذا قال: لم ينل كتاب من كتب السنة عناية العلماء كما نالها (مسند الإمام أحمد بن حنبل)، إلا أن يكون (صحيح البخاري) له السبق في ذلك، فمنذ ظهور الكتاب والعلماء يتناولونه بالدراسة وبالشرح وبالتحليل، وأَوْلوه العناية القصوى، وساروا على دربه في كثير من المؤلفات، ومن بعده تتابعت المسانيد، ومن العلماء مَن حَوَّله إلى مسانيد، كل مسند على حدة.

ومنهم من أخرج ثلاثياته وحدها، ورباعياته وحدها، وخماسياته وحدها، ومعنى ثلاثياته، أي: الأحاديث التي بين الإمام أحمد وبين رسول الله صلى الله عليه  وسلم ثلاثة من الرواة فقط، ورباعياته، أي: التي بين الإمام أحمد وبين النبي صلى الله عليه  وسلم أربعة رواة فقط، وكذلك الخماسيات، أي: بينه وبين رسول الله صلى الله عليه  وسلم خمس من الرواة فقط.

والكتاب -أي: (المسند)- نعلم أنه لم يكن مبوبًا على أبواب الفقه؛ لأن المسانيد لا يهمها التبويب الفقهي، وإنما تُرتب بحسب الراوي الأعلى للحديث، فحديث في الحج يكون بجوار حديث في الصلاة، بجوار حديث في الصوم، هذا لا أثر له، المهم أن الراوي الأعلى هو واحد، وهو أبو بكر الصديق مثلًا. لما كان الكتاب غير مبوب تبويبًا فقهيًّا، قام عالم فاضل في الخمسينيات بتبويب الكتاب تبويبًا فقهيًّا، فتصفح الكتاب وجمع أحاديثَ كل باب على حِدة، بطريقة كتب الحديث المبوبة تبويبًا فقهيًّا في كتاب قيِّم، يقع في اثني وعشرين مجلدًا، أسماه (الفتح الرباني) المؤلف هو فضيلة الشيخ عبد الرحمن البنا الساعاتي.

وإن شاء الله تعالى سأذكر نماذج من هذا الكتاب، التي حَوَّلت (مسند الإمام أحمد بن حنبل) من مسانيد إلى كتاب مبوب تبويبًا فقهيًّا.

ومن الذين اعتنوا بهذا الكتاب من العلماء المتأخرين المرحوم الشيخ أحمد شاكر قاضي قضاة مصر في وقته، إذ قام -رحمه الله تعالى- بتخريج عشرة آلاف حديث من (المسند)، وعاجلته المنية قبل أن يتم تخريجه العلمي لهذا الكتاب.

ثم أكمل تخريج الكتاب على نفس منهج الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- فضيلة الشيخ الحسيني عبد المجيد هاشم، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف الأسبق -رحمه الله تعالى- ورافقه في هذا العمل فضيلةُ الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر السابق، فقام بتخريج الثلاثين ألف حديث الباقية، تكملةً لتخريج الشيخ أحمد شاكر.

وأخيرًا قامت جامعة الأزهر الشريف بمشروع كبير ضخم، وهو مشروع (موسوعة السنة لتنقية السنة من الدخيل)، أي: مِن الأحاديث التي ليست بأحاديث، ولكن نُسبت زورًا وبهتانًا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم. هذه الموسوعة بدأت بـ(مسند الإمام أحمد بن حنبل)، فحوَّلته إلى رسائل علمية للماجستير والدكتوراه، وقسمته على طلبة الدراسات العليا، وانتهى جميع الطلاب من تخريجهم العلمي لكل أحاديث هذا (المسند). وشرحوا الألفاظ الغريبة في متون الأحاديث، واستنبطوا الأحكام الفقهية منها، ورتبوا أحاديث (المسند) ترتيبًا فقهيًّا وترتيبًا أبجديًّا، وتكلموا في كل حديث عن رواته وترجموا لكل الرواة، حتى وصلوا إلى الحكم على كل سند من أسانيد (المسند)، ودونوا كل هذا في رسائلهم، فخرج (المسند) في ثوب جديد وصل عدد مجلداته إلى ثلاثين مجلدًا تقريبًا، وهو مطبوع وموجود في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف بالقاهرة، تحت عنوان: (موسوعة السنة).

وكان المشروع بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين، نائب رئيس جامعة الأزهر السابق -رحمه الله تعالى- ورئيس مركز السنة بدولة قطر، وكان لي شرف العمل في هذه الموسوعة، فكانت رسالتي العلمية لنيل درجة التخصص الماجستير في الحديث وعلومه في تخريج القسم الثالث من مسند عبد الله بن مسعود، من (مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل)، وكان ذلك في سنة 1981 ميلادية.

error: النص محمي !!