Top
Image Alt

(مسند الحميدي)

  /  (مسند الحميدي)

(مسند الحميدي)

وهو: عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي, الإمام الحافظ الفقيه، مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين. قال الشافعي: كان يحفظ لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث، وقال ابن سعد: صاحب ابن عيينة وراويته، قال أبو حاتم: هو أثبت الناس في ابن عيينة، رئيس أصحابه، ثقة إمام، قد جالس سفيان بن عيينة تسع عشرة سنة أو نحوها، وذكر ابن خير في فهرسته مسند الحميدي عن سفيان بن عيينة.

وقد بدأ بمسند العشرة: أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى باقي العشرة، ثم أتبعهم ببعض كبار الصحابة: ابن مسعود، ثم أبي ذر، ثم ذكر بعض الصحابة أيضًا، وذكر النساء من الصحابة بادئًا بأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم باقي النساء, خالطًا الكُنى بالأسماء، ثم ذكر رجال الأنصار، ثم باقي الصحابة وعددهم أربعة عشر صحابيًّا ومائة صحابي، وختم الكتاب بصغار الصحابة من المكثرين كأبي هريرة وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله، وأكثر الأحاديث فيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وقد ورد تبويب لبعض المجموعات من حديثه في بعض النسخ؛ كالجنائز والبيوع، والأقضية والجهاد، وحصل ذلك في مسند بعض الصحابة أيضًا، وهذا فيما يظهر إذا تتابعت عدة أحاديث عن نفس الصحابي في موضوع واحد.

ويظهر لنا أن التبويب من غير الحميدي، وإلا لسار فيه على نظام واحد ولم يقتصر على مسند بعض المكثرين كابن عباس وأبي هريرة.

وقد بدأ مسند ابن عباس بذكر أحاديثه التي قال فيها: سمعت أو رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, مما صرح فيها بالاتصال بينه وبين الرسول -صلى الله عليه وسلم- فبلغت نحو عشرين حديثًا، ثم أتبع ذلك بذكر باقي أحاديثه.

ومن خصائصه: أن أكثر أحاديثه من روايته عن سفيان بن عيينة، وأن فيها ما يصل إلى ثلاثين حديثًا عن شيوخه غير سفيان، وأكثر في مسند أبي بكر من الرواية عن غير سفيان بن عيينة.

ومن أهم شيوخه: وكيع بن الجراح، والوليد بن مسلم، ويعلى بن عبيد، وفي (المسند) فوائد جمة عن ابن عيينة تتصل بالأحاديث المروية تفسيرًا لكلمة غريبة، أو تأكيدًا لحفظ سفيان عن شيخه، أو حكايةً عن شيخه فيما يتعلق بالحديث من ناحية حفظه له، أو زمن تحديثه، أو علاقته ببعض أقرانه، كابن جريج فيما يتعلق بالحديث المروي، وفيه أسئلة من الحميدي لسفيان تتعلق ببعض هذه الوجوه وإجابات سفيان له.

وقد أضافت هذه الفوائد إلى (المسند) الكثيرَ, متعلقًا برواية الحديث وفهم ما يشتمل عليه، وأحيانًا يتبع الحديث برواية أو بروايات تشتمل ما اشتمل عليه متن الحديث.

والأمثلة التطبيقية فيه كثيرة:

فقد روى عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه خرج من الخلاء, فقدم إليه طعام فغسل يديه وأكل، فقيل: ألا تتوضأ؟ فقال: ((إني لا أريد أن أصلي فأتوضأ)). ثم روى بسنده عن عمر: أنه دخل الخلاء ثم خرج, فقدم إليه طعام فأكل منه، قيل له: ألا تتوضأ؟ قال: إني أستطيب بشمالي، وآكل بيميني. فالموقوف ورد عرضًا لتأييد المتن الوارد في الحديث المرفوع، وبيان أن غسل اليدين إذا أصاب اليمين ما يقتضي الغسل.

ومن الأحاديث التي رواها: ما رواه عن سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: أخبرني أبو الشعثاء جابر بن زيد, أنه سمع ابن عباس يقول: “أخبرتني ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد”. ثم قال: قال سفيان: هذا الإسناد كان يعجب شعبةَ: سمعت أخبرني، سمعت أخبرني، كأنه اشتهى توصيله.

وروى أيضًا بإسناده عن سفيان قال: حدثنا الزهري، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول…)) الحديث. فقيل لسفيان: فإن نافع بن عمر الجمحي لا يسنده -أي: عن الزهري- فقال: لكني أحفظه وأسنده كما قلت لك، ثم قال: إن المكيين إنما أخذوا كتابًا جاء به حميد الأعرج من الشام قد كتب عن الزهري، فوقع إلى ابن جرجة، فكان المكيون يعرضون ذلك الكتاب على ابن شهاب، فأما نحن فإنما كنا نسمع مِن فِيه.

وقال الحميدي: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو، قال: أخبرني أبو معبد قال: “سمعت ابن عباس يقول: ما كنا نعرف انقضاءَ صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بالتكبير”. قال عمرو: فذكرته بعد ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك به، فقلت: بلى قد حدثتنيه قبل هذا، قال سفيان: كأنه خشي على نفسه؛ أي: أن يقال: إن الخطأ منه.

وروى بسنده عن سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أكل أحدكم, فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها)) قال سفيان: فقال له عمرو بن قيس: يا أبا محمد، إنما حدثناه عطاء عن جابر! فقال عمرو: والله لقد سمعته من عطاء يحدثه عن ابن عباس قبل أن يقدم علينا جابر مكةَ، قال سفيان: وإنما لقي عمرو وعطاء -إن شاء الله تعالى- جابرًا في سنة جاور فيها.

error: النص محمي !!