Top
Image Alt

مصادر الأفعال غير الثلاثية

  /  مصادر الأفعال غير الثلاثية

مصادر الأفعال غير الثلاثية

– مصادر الأفعال الرباعية.

– مصادر الأفعال الخماسية.

– مصادر الأفعال السداسية.

وحينما نتحدث عن مصادر الأفعال الرباعية نتناول الرباعي المجرد، والمزيد من الثلاثي.

بالنسبة لهذه المصادر: ذكر العلماء أنها قياسية، فقد ذكر ابن يعيش في شرحه على (مفصل الزمخشري): اعلم أن ما جاوز من الأفعال الماضية ثلاثة أحرف، سواء ما كانت هذه المجاوزة أو بغير زيادة، فإن مصادرها تجرى على سنن واحد.

يعني: سواء كانت الأفعال التي تجاوزت ثلاثة الأحرف مجردة فكانت هذه الأفعال مجردة رباعية.

أما كانت هذه الأفعال مزيدة؛ فإن مصادرها تجري على سنن واحد لا يختلف، وقياس مطرد في غالب الأمر وأكثره؛ وذلك لأن الفعل بها لا يختلف.

أما الأفعال الثلاثية فمختلفة أفعالها الماضية والمضارعة، فلاختلاف الأفعال الثلاثية اختلفت مصادرها، ولعدم اختلاف الأفعال الزائدة على الثلاثة جرت مصادرها على منهاج واحد لم يختلف.

أوزان مصادر الأفعال غير الثلاثية:

أولًا: وفق منهج (أوضح المسالك) لابن هشام؛ حيث يسير على نسق ترتيب (ألفية ابن مالك)؛ بدأ أولًا بالحديث على مصادر الأفعال التي على وزن “فعَّل” تبعًا لما قال ابن مالك:

وَغَيرُ ذِى ثَلاَثةٍ مَقِيسُ

*مَصدَرِهِ كَقُدِّسَ التَّقدِيسُ

بدأ ابن مالك بالحديث عن مصدر الفعل الذي على وزن “فعّل” وهو فعل رباعي مزيد بتضعيف العين، هذا الفعل يأتي مصدره القياسي إذا كان صحيح اللام على وزن “التفعيل”، مصدره القياسي “التفعيل” مثل: سلّم تسليمًا، كلم تكليمًا؛ قال تعالى: {وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً} [النساء: 164] وقالوا: طهّر تطهيرا، ووحّد توحيدًا، ويسّر تيسيرًا، وحوّل تحويلًا، وصيّر تصييرًا، وقوّم تقويمًا، وكرم تكريمًا، وعلم تعليمًا، وقال تعالى: {إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ صَلّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56] {وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} جاء مصدر الفعل الذي على وزن “فعّل” سلّم على وزن “التفعيل” التسليم.

وهذه الأفعال جميعها التي مضت على هذا الوزن نلاحظ أن لامها حرف صحيح، فإذا كانت على وزن “فعَّل” ولامها حرف علة، مثل: وصّى زكّى ولّى سمّى عزّى، هذه أفعال رباعية -أي ثلاثية مزيدة بتضعيف العين- وجميعها معتلة اللام، مصدرها القياسي أيضًا على وزن “التفعيل” كمصادر الأفعال السابقة صحيحة اللام، إلا أنها نظرًا لاعتلال لامها أحدث العرب فيها شيئًا من التغيير، فحذفوا ياء التفعيل، أي الياء الواقعة بعد العين وقبل اللام، حذفوا هذه الياء على سبيل الوجوب، وعوضوا منها التاء في آخر المصدر، وإذا حاولنا أن نعرف لماذا حذفوا هذه الياء الواقعة قبل الآخر وبعد العين وعوضوا منها التاء في آخر الكلمة؛ فمثلًا لو جاء الفعل “وصى” لو أردنا أن نأتي بمصدره على “التفعيل” كما هو المصدر القياسي فسيقال: توصِيي، الوزن: “تفعيل” ثم بعد ذلك تدغم الياء الساكنة في الياء الأخيرة، فيتحول إلى “توصيٌّ” العرب استثقلوا الياء المشددة في الآخر هذه من ناحية فحذفوا الياء الزائدة قبله إحدى الياءين وهي الياء الزائدة قبل اللام، وعوضوا منها التاء، لكون التاء أقوى من الياء الأخيرة، وهي لام الكلمة أقوى على قبول الحركات من حرف العلة، فقالوا: توصية، فلو جاء المصدر على “التفعيل” كما هو المصدر القياسي في الأصل لقيل: توصيي، ثم تدغم الياء -ياء التفعيل- في لام الكلمة، فحول إلى: توصيٌّ، استثقلوا الياء المشددة في الآخر، فحذفوا إحدى الياءين وهي الياء الزائدة قبل اللام، وهي ياء التفعيل، ولم يتركوا اللام وهي حرف علة لتكون محلًّا لحركات الإعراب، بل عوضوا من الياء التي حذفوها تاء التأنيث الساكنة أو التاء الدالة على التأنيث؛ لكونها أقوى من حرف العلة بالنسبة لقبول الحركات بعد الحذف والتعويض، أصبح المصدر: توصية، على وزن “تفعيلة” وهكذا بقية الأفعال التي على وزن “فعّل” وهي معتلة اللام، فيقال: سمى تسمية، زكى تزكية، ولى تولية، عزى تعزية، أشار إلى ذلك ابن مالك بقوله:

وَزَكَّهِ تَزكِيَةً … …. ….

*…. …. ….. … … ….

وربما حدث هذا التغيير في “فعّل” وهو صحيح اللام ولكن بقلة، نحو: ذكّر تذكرة، وجرّب تجربة، وبصّر تبصرة، وفرق تفرقة، وكمل تكملة.

وربما يستغنون عن “التفعيل” بـ”تفعلة” في حالة ما إذا كانت لام الفعل التي على وزن “فعّل” همزة ولأنهم يفعلون ذلك في الغالب الكثير فيقولون: خطأ تخطئة، وهنأ تهنئة، وجزأ تجزئة، هذا بالنسبة للفعل الذي على وزن “فعّل” وهو معتل اللام واجب.

بالنسبة للفعل إذا كان على وزن “فعّل” وهو مهموز اللام كثير عند بعضهم، وواجب كمعتل اللام أيضًا عند بعضهم الآخر، وقالوا في توجيه تحويل مهموز اللام من “فعّل” تحويل مصدره عن “التفعيل” إلى “تفعله” بأنه مثلًا: لو قيل مثلا في مصدر “خطأ”: “خطأ تخطيئًا”، كلمة “التخطيء” نجد أنها تنتهي بهمزة متحركة مسبوقة بياء زائدة، فهي مثل كلمة “خطيئة”، “خطيئة” التي تنتهي بهمزة متحركة مسبوقة بياء زائدة اطرد فيها إبدال همزتها ياءً فقالوا فيها “خطية” ومثل هذا: أحدثوه في المصدر “التخطيء” ففعلوا أي: جعلوا هذه الهمزة شأنها شأن حرف العلة، فأبدلوها ياء كما حدث في: خطية، فلما أبدلت ياء صارت أشبه ما تكون بانتهاء المصدر بحرف مشدد، ففعلوا فيه من التغيير ما فعلوا في: التوصية والتولية والتعزية والتسمية وغير ذلك.

ومن غير الغالب: أن يأتي الفعل الذي على وزن “فعّل” أن يأتي مصدره وهو مهموز اللام على وزن “التفعيل” من غير التحويل إلى وزن “تفعلة” فمن غير الغالب قولهم: خطأ تخطيئا وهنأ تهنيئًا، وجزء تجزيئًا، وهذا جائز عند غير سيبويه.

أما سيبويه: فلم يرد عنده إلا تحويل “تفعله” من “التفعيل” أو تحويل “التفعيل” إلى “تفعله” بالنسبة للفعل، إذا كان على وزن “فعّل” وهو مهموز اللام، شأنه في ذلك شأن الفعل إذا كان على “فعّل” وهو معتل اللام.

قياس وزن الفعل الذي على وزن “أفعل” وهو ثلاثي مزيد بالهمزة:

“أفعل” قد يكون هذا الفعل صحيح العين، مثل: أكرم، أحسن، أبعد، أعطى، أوجز، أيقن، فهذه الأفعال كلها على وزن “أفعل” أي: أنها رباعية أصلها ثلاثي مزيد بالهمزة، وهي أفعال صحيحة العين، هذه الأفعال التي على وزن “أفعل” وهي صحيحة العين يأتي مصدرها القياسي على “الإفعال”، فيقال: أكرم إكرامًا، أحسن إحسانًا، أبعد إبعادًا، أعطى إعطاءً وأصل كلمة إعطاء، أصلها: إعطاو -من عطا يعطو- تطرفت الواو إثر ألف زائدة فأبدلت همزة، فيقال: أعطى إعطاءً، والأصل أعطى إعطاوًا، وقالوا. أوجز إيجازا، الأصل: أوجز إوجازًا وقعت الواو ساكنة إثر كسرة فأبدلت ياء، فقالوا: أوجز إيجازًا، وقالوا: أيقن إيقانًا.

فقياس مصدر الفعل الذي على وزن “أفعل” إذا كان صحيح العين يأتي وزنه مطردًا على وزن مصدره، على وزن “إفعال”، قال ابن مالك:

… …. …. …. وَأجمِلاَ

*إجمَال …. ….. … … ….

أي أن “أفعل” صحيح العين يأتي على وزن “إفعال” كأجْمِل إجمالًا، وأجمَل إجمالًا. أجمَل إجمالًا فعل ماضٍ، وأجمِل إجمالًا هو أجمل فعل أمر.

الفعل الذي على وزن “أفعل” إذا كان معتل العين، فما قياس مصدره؟:

وأيضًا قياس مصدره “الإفعال” كقياس صحيح العين، لكن يحدث في المصدر نظرًا لاعتلال عينه بعض التغيير، فنأتي إلى عينه فننقل حركتها إلى الفاء الساكنة قبلها، فتقلب العين ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فيلتقي ساكنان الألف المنقلبة عن العين وألف المصدر.

وبالمثال يتضح هذا الكلام، فمثلًا الفعل أقام: أقام فعل ثلاثي مزيد بالهمزة، فهو على وزن “أفعل” لو أتينا بمصدره على أصل القياس فيه وهو الإفعال لكان المصدر “إقوام”، “إقوام” على وزن “إفعال” نلحظ أن العين هنا حرف علة هي حرف الواو “إقو” “إفع” القاف فاء الكلمة الواو عين الكلمة الميم لام الكلمة، “إقوام” تلحظ أن: القاف وهي حرف صحيح حرف ساكن “إقْ” “إفْ” الواو هو حرف علة حرف متحرك العرب كانوا لا يتركون الأمر هكذا، بل أنهم كانوا ينزلون الحروف منازلها، فالحرف الصحيح أولى به الحركة لقوته، وحرف العلة أقوى أو أولى به السكون لأن حرف الصحة أشرف منه، والحركة أشرف من السكون؛ لأن السكون عدم الحركة، فمثل هذه الكلمة ينبغي أن ينقل فيها -الحركة التي فوق الواو فوق حرف العلة- ينقل هذا الفتح إلى الساكن الصحيح قبل الواو، وهو حرف القاف، فتتحول القاف من ساكنة إلى متحركة بالفتحة “إيقاف” والواو بعد أن كانت محركة في الأصل، ستصير بعد نقل حركتها ساكنة، ولكن يقال: إن تحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها -الآن- بعد نقل حركتها إلى القاف إلى الساكن الصحيح قبلها، وإذا تحركت الواو في الأصل أو في الحال وانفتح ما قبلها وجب قلبها ألفًا فتصير القاف مفتوحة وتصير الواو ألفًا والألف ساكنة، الألف لا تقبل الحركة، وبعد هذه الواو التي انقلبت ألفًا يوجد ألف وهي ألف المصدر “إقوام” “إفعال” هنا ألف قبل الآخر تسمى ألف المصدر، فالتقى ألفان: الألف التي كان أصلها الواو والألف التي هي ألف “الإفعال” ألف الإفعال ساكنة، والألف المنقلبة عن العين -الواو – أيضًا ساكنة، ولا يجوز التقاء الساكنين في العربية، لأنه من المواضع التي لا يجوز فيها التقاء الساكنين، وفي هذه الحالة ينبغي أن نتخلص من أحد الحرفين الساكنين، إما أن نتخلص من الساكن الأول -وهي الألف المنقبلة عن العين- أي: عن الواو، وإما أن نتخلص من الساكن الثاني وهي الألف الزائدة -ألف المصدر- ألف “الإفعال”.

وهنا انقسم العلماء إزاء ذلك قسمين:

الخليل وسيبويه من ناحية، والأخفش والفراء من جانب آخر.

الخليل وسيبويه: يريان أن الألف التي حذفت وعوض منها التاء في الآخر لتصير الكلمة من “إقوام” إلى “إقامة” -أقام إقامة- فالتاء الأخيرة جاءت عوضًا عند إحدى الألفين المحذوفة.

وبذلك يريان أن الألف التي حذفت وعوض منها التاء التي تدل على التأنيث في آخر الكلمة إنما هي ألف “الإفعال” أي: ألف المصدر الزائدة.

وعلى ذلك أقام إقامة -بالنسبة لهذا الرأي وهو رأي الخليل وسيبويه- كلمة “إقامة” على وزن “إفالة” أقام إقامة، أفعل إفالة، أعان إعانة، المصدر إعانة على وزن “إفالة”.

أما الأخفش والفراء: فيريان أن الألف التي حذفت هي الألف المنقلبة عن العين، وهي التي عوض منها التاء، ومعنى هذا: أن المصدر إقامة والمصدر إعانة قد حذف من كليهما عين الكلمة، وعلى ذلك فوزن إقامة وإعانة عند الأخفش والفراء: “إفالة”.

فلو وزنا إقامة وإعانة بكل وجه جائز، قلنا: “إقامة وإعانة” كل منهما عند الخليل وسيبويه وزنهما “إفعلة” وعند الأخفش والفراء وزنهما “إفالة”.

والآن نريد أن نوازن بين الرأيين؛ لمحاولة الوصول إلى الراجح من هذين الرأيين:

صورة المصدر في النهاية واحدة، ولكن الوزن سيختلف، العلماء المنصفون رجحوا مذهب الخليل وسيبويه، قالوا: إن مذهب الخليل وسيبويه الذي قال: إن الألف المحذوفة بالنسبة لمصدر الفعل الذي على وزن “إفعلة” وهو معتل العين، إنما هي ألف المصدر الزائدة، فكلمة إقامة وإعانة كل منهما على وزن “إفعلة” حذف الزائد أفضل بكثير من حذف عين الكلمة، فهذا مما يرجح مذهب الخليل وسيبويه.

وقياسًا أيضًا على حذف مادة التاء نحو: تعزية، ولكونها زائدة، فهذا يعني بالإضافة إلى أن الثقل نشأ من فهي زائدة، وهي قريبة من الطرف، والثقل نشأ منها، كل هذه الأشياء ترجح ما ذهب إليه الخليل وسيبويه حذف الألف الزائدة ألف المصدر نظرًا لزيادتها من ناحية، وقربها من الطرف من ناحية أخرى، لأنها لم تسبق إلا التاء التي جاءت عوضًا، وهي مصدر الثقل؛ لأنها هي الألف الثانية وليست الألف الأولى.

وبعد أن تحدثنا عن هذا الخلاف نقول: إن التاء التي تأتي عوضًا من حذف إحدى الألفين هذه التاء قد تحذف عند الإضافة، كما قال ابن مالك:

قال تعالى: {وَإِقَامَ الصّلاَة} [الأنبياء: 73] {وَإِقَامَ الصّلاَة} بفتح الميم وقد أتت {وَإِقَامِ الصّلاَةِ} [النور: 37] وورد في الحديث الشريف: ((كاستنار البدر)) فـ{وَإِقَامِ الصّلاَةِ}  أصلها: وإقامة الصلاة، فحذفت التاء التي جاءت عوضا من حذف الألف، وكأنه قد جمع في ذلك بين حذف العوض والمعوض منه، وما جاء في الحديث: ((كاستنارة البدر)) هو الأصل كاستنارة البدر بالتاء فحذفت التاء، وبذلك جمع في الحذف بين المعوض والمعوض منه، وهذا جزء من الحديث ورد في (سنن الترمذي) وفي (مسند الإمام أحمد).

مصدر ما أوله همزة وصل:

وهو لا يكون إلا ماضيًا خماسيًّا أو سداسيًّا، فهمزة الوصل تأتي في أول الماضي الخماسي، وفي أول الماضي السداسي.

وهذه الأفعال كلها أولها همزة وصل، بعضها خماسي مثل: اقتدر، وارتمي، واصطفى، وانطلق، وانكسر، وانقاد، وانقضى، وبعضها سداسي: استخرج، واستعلم، واستفهم، إلى آخر هذه الأفعال.

وهذه الأفعال التي همزتها همزة وصل إذا أردنا أن نأتي بمصادرها القياسية فما علينا إلا أن نقوم بإحداث عملين:

الأول: أن نكسر الحرف الثالث من الفعل: اقتدر “اقتِ”.

الثاني: أن نزيد قبل الآخر ألفًا، وهي ألف المصدر، اقتدر اقتدارًا، ارتمى ارتماء أصله من الرمي وأصله ارتمايًا تطرفت الياء إلى ألف زائدة فأبدلت همزة، واصطفى اصطفاء كسر الثالث وزيد ألف قبل الآخر واصطفاء اصطفى اصطفاء، أصله اصطفى اصطفاوًا؛ لأنه من الصفوة صفى يصفو، وقعت الواو متطرفة إلى إثر ألف زائدة فأبدلت همزة.

انطلق انطلاقًا، كسرنا الثالث وزدنا ألفًا قبل الآخر تحول الفعل من فعل إلى مصدر انكسر انكسارًا انقاد انقيادًا، والأصل من قاد يقود فأصل انقيادًا: انقاد انقوادًا فوقعت الواو عينًا لمصدر فعل أعلت فيه، وقبلها في المصدر كسرة وبعدها فأبدلت ياءً، انقاد انقيادًا، انقضى انقضاءً.

الأفعال السداسية: استخرج استخراجا أحدثنا نفس التغيرين كسرنا الحرف الثالث وزدنا ألف قبل الآخر، استعلم استعلاما استفهم استفهاما. قال ابن مالك: وما يلي الآخر مد وافتح يعني ما يليه الآخر:

وَمَا يَلِى الآخرَ مُدَّ وَافتَحَا

*مَع كَسرِ تلوِ الثَّانِ مِمَّا افتُتِحَا

بِهمِزُ وَصلٍ …. …. ……

*…. ….. … … ….. …..

قالوا: لكن ينبغي أن نقيد ما أوله همزة وصل بألا يكون أصل الفعل على وزن “تفاعل” مثل مثلًا “تطاير” فهنا يمكن أن يقال فيه “اطَّاير” بإبدال التاء الزائدة في بداية الفعل طاء وإدغام الطاء في الطاء وفي هذه الحالة الحرف المدغم بحرفين أوله ساكن والثاني متحرك بعد الإدغام تصير الطاء الأولى ساكنة وتدغم في الطاء الثانية وهي فاء الكلمة ولا يمكن للعرب أن يبدءوا كلامهم بساكن، ومن ثم تجتلب همزة وصل فتتحول الكلمة من تطاير إلى “اطَّاير”.

وأيضًا: إذا كان الفعل على وزن “تفعل” كتطير يحدث فيه ما حدث في تطاير وهذا شيء جائز تطاير، تبدل التاء طاء ثم تدغم الطاء في الطاء ثم تجتلب همزة وصل لإمكان النطق بالساكن أو البدء بالساكن، فيقال: اطَّير الفعل الأول اطَّاير، ويقال في المضارع: هي يطَّاير اطَّايرًا، واطَّير يطَّير اطَّيرًا، وفي هذه الحالة نحن لا نحدث التغيرين اللذين أحدثناهما في الأفعال السابقة التي ليست على وزن “تفاعل” أو “تفعل” فنحن لا نكسر الثالث، وإنما نقول: اطَّاير اطَّايرًا، واطَّير اطَّيرًا.

ثم إذا أردنا أن نزن الأفعال هذه التي أحدثنا فيها هذه التغيرات ومصادرها التي كانت في الأصل على وزن تفعل وتحولت إلى الجلب همزة وصل في البداية أو تفعل تحولت إلى جلب همزة وصل في البداية أصلًا، نزن الأفعال والمصادر على حسب الوزن الأصلي فاطَّير التي أصلها تطاير اطَّاير إذا قيل لك: زن، هو على وزن “تفاعل” على حسب الأصل، والمصدر اطَّاير اطَّايرًا.

و”اطَّير” على اطيّرًا على وزن “تفعّل تفعلا” كما هو الأصل.

قالوا: إن المصدر الفعل الذي على وزن “استفعل” إن مصدره إذا كان معتل العين المصدر الأصلي القياسي أن يأتي على وزن “استفعال” كما حدث في استخرج استخراجًا، واستفهم استفهامًا، واستعلم استعلامًا، لكن ماذا لو كان الفعل استقام، استقام على وزن استفعل أيضًا كاستخرج واستفهم واستعلم، إلا أنه معتل العين لو أردنا أن نأتي بمصدره على استفعال؛ لوجدنا الأصل أن يقال: استقام استقوامًا، كلمة استقوام نجد حرف العلة وهو الواو حرف متحرك وقبله القاف وهو حرف صحيح، فالعرب يفعلون فيه ما فعلوا في إقوام حينما حولوه إلى إقامة، وإعوان حينما حولوه إلى إعانة بمعنى: أنه تنقل حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قبلها بحسب الآن، وإذا تحركت الواو في الأصل أو في الحال وانفتح ما قبلها تبدل ألفًا، فيلتقي في المصدر ألفان: الألف المنقلبة عن العين وألف المصدر فلا بد من حذف أحد الألفين، ويجري هنا أيضًا الخلاف الذي جرى في مصدر الفعل أقام وأعان.

الخليل وسيبويه يقولان: إن المحذوف المعوض منه بالتاء هو الألف الزائدة ألف المصدر، وهو وزن استقامة واستعاذة استعاذ استعاذة استِفَعْلَة، استعادة استقامة استِفَعلة، والأصل: استقوامًا واستحواذًا وقد حدث في كليهما ما حدث من قبل في إقامة وإعانة.

والأخفش والفراء يقولان: إن نحو استقامة واستعادة الوزن استفالة لأن المحذوف عندهم إنما هو العين، أي: الألف المنقلبة عن العين، قال ابن مالك مشيرًا إلى هذا:

واستَعِذِ استِعاذَةً …. …..

*…. …. ….. … … ….

ثم إن بعض الأفعال خارجة عن القياس قالوا: إن ذلك وارد تنبيهًا على الأصل فقالوا: أغيمت السماء إغيامًا، أغيم على وزن “أفعل” والفعل معتل العين، فكان ينبغي أن يحدث فيه التغيير الذي حدث من قبل، ولكنهم أتوا به على وزن “إفعال” شأنه في ذلك شأن الفعل صحيح العين، فقالوا: أغيمت السماء إغيامًا، استحوذ الشيطان استحواذًا بتصحيح العين، قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللّهِ} [المجادلة: 19].

مصدر الفعل إذا كان على وزن “تفعلل” الرباعي المزيد بحرف:

تفعلل” هو مزيد بالتاء هنا في أوله، مصدره على وزن فعله كل ما هنالك أن نضم رابعة فيتحول الفعل إلى مصدر: تدحرج تدحرُجًا، تجمل تجمُلًا، تشيطن تشيطُنًا، تمسكن تمسكُنًا.

وإذا كان الفعل مثل: توانى مصدره: التواني، والأصل: توانى توانيًا، يستحيل أن تنطق بياء مسبوقة بضمة، يجب إبدال الضمة كسرة ما دامت اللام ياء، وفي هذه الحالة تتحول إلى: توانى توانيًا.

نتحدث الآن عن مصدر الفعل الذي على وزن “فعلل” وما ألحق به:

فنقول: إن الفعل الذي على وزن “فَعْلَل” بفتح الفاء واللام الأولى وسكون العين، وهو المجرد الرباعي وما ألحق به من الثلاثي الذي زيد عليه حرف واحد، وجعل مماثلًا لهيئته -لهيئة “فعلل”- في صورته، وتصاريفه المختلفة -من الماضي والمضارع والأمر- واسم الفاعل، واسم المفعول، وفي المصدر كذلك. ومن المعلوم: أن هذا الإلحاق إنما هو لضرب من التوسع في اللغة، مصدر هذه الأفعال كلها التي على وزن “فعلل” وبقية الأفعال الملحقة به أشار ابن مالك -رحمه الله- في ألفيته إلى ما ينقاس مصدرًا لهذه الأفعال فقال:

فِعلاَلٌ أو فَعلَلَةٌ لِفَعللاَ

*وَاجعَل مَقِيساً ثَانِياً لاَ أوَّلاَ

“فِعلاَلٌ أو فَعلَلَةٌ لِفَعللاَ” ذكر هنا وزنين لفعلل، أي: وما ألحق به، ثم قال: “وَاجعَل مَقِيساً ثَانِياً لاَ أوَّلاَ” أي: الوزن الثاني من الوزنين اللذين ذكرهما في هذا البيت هو فقط الذي يعده ابن مالك قياسيًّا لوزن “فعلل” وما ألحق به، فابن مالك -رحمه الله- ذكر لهذا الوزن من الأفعال غير الثلاثية مصدرين: الأول “فِعلال” بكسر الفاء وزيادة ألف قبل الآخر “فِعلال” والثاني “فعللة” بزنة الفعل الرباعي المجرد نفسه، نفس الزنة مع زيادة تاء مربوطة في آخره، ثم قال: وَاجعَل مَقِيساً ثَانِياً لاَ أوَّلاَ.

وتفصيل الأمر: أن وزن “فعللة” يأتي مصدرًا قياسيًّا، وهو المصدر الثاني الذي ذكره ابن مالك في البيت السابق، هذا الوزن يأتي مصدرًا قياسيًّا مضطردًا في جميع الأفعال التي على وزن “فعلل” من الرباعي المجرد، وكذلك في الأفعال الملحقة بهذا الوزن، وسواء أكانت الأفعال الرباعية التي على وزن “فعلل” من قبيل المضعّف الرباعي أو المضاعف الرباعي أما كانت غير مضعفة.

والمضعّف الرباعي أو المضاعف الرباعي هو: ما كانت فاؤه ولامه الأولى من جنس واحد وعينه ولامه الثانية من جنس واحد كذلك.

في كل هذه الأنواع والأوزان يطرد في مصدرها أن يأتي على وزن “فعللة”.

ففعللة إذن: قياس مصدر هذه الأفعال جميعها باتفاق، فيقال: عربد عربدة، ودحرج دحرجة، وبعثر بعثرة، وزخرف زخرفة.

لاحظوا: هذه الأفعال هي من قبيل الرباعي المجرد، وقد جاءت مصادرها بزنة الأفعال فقط مع زيادة تاء مربوطة في الآخر، كما يقال في المضعّف الرباعي من هذا الوزن: زلزل زلزلة، ووسوس وسوسة، ووشوش وشوشة، والوشوشة كلام فيه اختلاط، وعسعس الليل -أي: أقبل بظلامه عسعسة- قال تعالى: {وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17].

فالأفعال: زلزل، وسوس، وشوش، عسعس، زلزل، فاء الفعل هو حرف الزاي وهو من جنس اللام الأولى، فاللام الأولى زلز هي اللام كذلك، ونلاحظ العين زلز اللام وهي من جنس اللام الثانية، وهذا هو معنى المضعف الرباعي، زلزل وكأنه مقطع ثنائي كرر مرتين.

كما يطرد وزن “فعلل” في مصادر الأفعال الملحقة “بفعلل” مثل: بيطر الدابة، بيطر الدابة، أي: عالجها مصدره بيطرة، حوقل الرجل حوقلة، جلببه -أي: ألبسه الجلباب- جلببة، سلقى الرجل إذا ألقاه على قفاه سلقية، جهور جهورة، والجهورة هي رفع الصوت، قلنسه -أي ألبسه القلنسوة- وهي لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال، قلنسه قلنسة.

وزن “فِعلال”:

“فِعلال” بكسر الفاء وزيادة ألف قبل الآخر، هذا الوزن لا يعد مصدرًا قياسيًّا إلا في نوع واحد فقط من الأفعال السابقة، وهو المضعّف أو المضاعف الرباعي، فنقول: زلزل -كما قلنا- زلزالًا نقول: زلزلة، ونقول: وسوسة وِسواسًا وسوسة، وشوش وِشواشًا وشوشة، فنحن نلحظ: أن الرباعي المضعف الذي فاؤه ولامه الأولى من جنس واحد، وعينه ولامه الثانية من جنس واحد، جاء مصدره على وزنين قياسًا مضطردًا على وزن الأول، وهو “فعلل” وعلى الوزن الثاني وهو “فِعلال”، ولا يطرد “فِعلال” إلا في هذا النوع من الأفعال، وهي التي من قبيل المضعف الرباعي.

وإذا وجدنا هذا الوزن -وهو وزن “فعلال”- لو وجدناه في غير هذا النوع من الأفعال، أي: لو أننا وجدناه في غير المضعف الرباعي من الأفعال لعددناه -كما قال علماء الصرف- من المصادر السماعية، وليس من المصادر القياسية، ولذلك ابن مالك قال: فعلال وفعللة، ذكر هذا الوزن أولًا، وثنى “بفعللة” ثم قال: واجعل مقيسًا ثانيًا -أي: فعللة- لا أولًا -أي فعلالًا، بمعنى: أن هذا المصدر وهو وزن “فعلال” لا يأتي قياسًا مضطردًا إلا في نوع واحد فقط، أما “فعللة” فهو يأتي قياسًا مطردًا في كل ما كان على “فعلل” وما ألحق به.

بعض ما جاء على وزن “فعلال”:

وهو من غير المضعف الرباعي، ولذلك عده علماء الصرف سماعيًّا، مثلا قالوا: سرهف الصبي، سرهف الصبي إذا أحسن غذاءه سرهافًا ومن الطبيعي أنه جاء على سرهفة أيضًا وهو وزن المصدر القياسي ولم يسمع “فعلال” مثلًا: في دحرج كما قال الصيمري: لم يقل أحد من العرب ولم يسمع عنهم أن أحدا منهم قال: دحراج، وسمع في حوقل الرجل إذا كبر وعجز عن الجماع حيقالًا، قال ابن يعيش في (شرح المفصل): وربما جاء على “فيعال” أي جاء “فعلال” على “فيعال” نحو “حيقال” قال الشاعر:

يا قَوْمِ قَدْ حَوْقَلْتُ أَوْ دَنَوْتْ

*وَشَرُ حَيْقالِ الرِجالِ الموْتْ

الخلاصة: أن المضعف الرباعي يطرد في مصدره وزنان هما “فعلال” و”فعللة” أما غيره من الأفعال التي على وزن “فعلل” وما ألحق به فمصدرها القياسي “فعللة” لا “فِعلال”.

وما كان للمضعف الرباعي مصدران قياسيان؛ لأن العلة في ذلك: تخفيف للثقل الحاصل بالتضعيف، ولذلك رأينا العرب لمزيد من التخفيف في هذا النوع بالذات -وهو المضعف الرباعي- يجوزون فتح فاء مصدره المكسورة، فيتحول “فِعلال” إلى “فعلال” للتخفيف أيضًا، لكن الأكثر أن يكون معنى مفتوح الفاء معنى اسم الفاعل لا معنى المصدر، فقد قال العرب: الزَلزال، الزَلزال بفتح الزاي الأولى، بمعنى المزلزل، والقَلقال بفتح القاف الأولى، يقال: قلقل الشيء قلقلة وقَلقالًا وقِلقالًا، أي: حركه فالقَلقال بفتح القاف الأولى بمعنى المقلقل، قال تعالى في سورة الناس في الآية الرابعة: {مِن شَرّ الْوَسْوَاسِ} [الناس: 4] أي: الموسوس، ولهذا وصف بالخناس وما بعده، وهما من صفات الذوات لا من صفات المعاني.

قياس مصدر الفعل الذي على وزن “فاعل”:

وهو ثلاثي المزيد بالألف الثانية، والفعل إذا كان على وزن “فاعل” ولم يكن فاؤه ياءً، أشار ابن مالك -رحمه الله تعالى- إلى ما يأتي قياسًا مصدرًا له بقوله:

لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَله ….

*…. …. …. …..

ومعنى ذلك: أن مصدر هذا الفعل الذي على “فاعل” يأتي قياسًا مطردًا على وزنين، هما: “الفِعال” و”المفاعلة”، ومن أمثلة ذلك: ضارب ضِرابًا ومضاربة، نلاحظ أن الفاء ليست ياءً، وهذا شرط أساسي: ضارب ضرابًا ومضاربة، وقاتل قتالا ومقاتلة، وخاصم خصاما ومخاصمة، وكاتب كتابًا ومكاتبة، ونادى نِداء ومناداة، ونداءً أصله: نداوًا، فهذا المصدر فعله -كما قال علماء اللغة-: وكما قال ابن يعيش في (شرح المفصل): إنه مشتق من قولهم ندى القوم إذا اجتمعوا فتشاوروا وتحدثوا ندوًا، ندى القوم ندوًا، وكانت لقريش في الجاهلية دار تسمى “دار الندوة”.

 وجمهور العلماء على أن وزن “الفعال” مصدر سماعي لا قياسي، قال ابن مالك في (الألفية): “لفاعل الفعال والمفاعلة” ومعنى هذا: أنه يرى: أن هذا الوزن الذي قال عنه جمهور العلماء -وهو الفعال- شأنه شأن “مفاعلة” في كونه مصدرًا قياسيًّا للفعل “فاعل” بيد أن الجمهور قالوا: إن هذا الوزن يعد مصدرًا سماعيًّا لا قياسيًّا، لماذا؟ قالوا: لأنه لم يسمع في كثير من الأفعال التي على وزن “فاعل” فلم يرد مثلًا: جالس جلاسًا، ولم يرد قاعد قعادًا، وكون الفاعل مصدرًا سماعيًّا لا قياسيًّا هو ظاهر كلام سيبويه أيضًا، وليس مجرد كلام الجمهور، فقد قال في (كتابه) الصفحة الثامنة من الجزء الرابع: وأما فعلت فإن المصدر منه لا ينكسر الذي لا ينكسر أبدًا “مفاعلة”.

وهذا كله إذا كان الفعل الذي على وزن “فاعل” ليس يائي الفاء، فكل الأفعال التي ذكرنا أمثلتها لم تكن يائية الفاء، فإن كان الفاء حرف الياء -مثل يامن وياسر- تعين عند جميع العلماء في مصدره أن يكون فقط “المفاعلة” فنقول: يامن ميامنة وياسر ميسرة، ولا يجوز أن يقال: يامن يمانًا، ولا ياسر يسارًا، لثقل الكسرة على الياء في أول الكلمة.

قال الشيخ خالد الأزهري -رحمه الله- في (التصريح بمضمون التوضيح): ويمتنع “الفعال” فيما فاؤه ياء نحو: ياسر ويامن، فلا يقال: ياسره يسارًا ولا يامنه يمانًا باستثقال الكسرة على الياء، حتى قال بعضهم: إنه لم يوجد منه -أي من الفعال- لم يوجد منه اليسار، اليسار -لغة في اليسار- وإلا اليعار جمع يعر، وهو الجدي، وإنما يقال: مياسرة وميامنة وشذ: ياومه يوامًا، حكاه ابن سيده.

إن الشيخ خالد الأزهري -رحمه الله- يريد أن يقول: إنه لم يرد على وزن “الفعال” عن العرب إلا ثلاث كلمات: اليسار، اليعار، اليوام.

– اليسار: هي لغة في اليسار، واليسار بمعنى الجهة اليسرى، وبمعنى: الثروة والسعة والرخاء، وليس مصدرًا للفعل ياسر، إذن: نستبعد كلمة اليسار من الكلمات الثلاثة المسموعة عن العرب فهي ليست مصدرًا؛ وإنما إما أن تكون بمعنى الجهة وإما أن تكون بمعنى الثروة والسعة والرخاء.

– اليعار: هي على وزن “الفعال” وفاء الكلمة حرف ياء، قالوا: إن اليعار جمع يعر، واليعر هو الجدي أو الشاة يربط ويشد عند ظبية الأسد أو الذئب أو نحوهما، والظبية حفيرة في موضع عال تغطي فوهتها فإذا وطئها الأسد أو أي حيوان مفترس وقع فيها، فهي ليست مصدرًا كذلك؛ لذلك فنحن نستبعدها من حيز المصادر.

– المصدر الوحيد الذي ورد على هذا الوزن، وهو وزن “الفعال” وفاؤه حرف الياء هو حكاه ابن سيده من قول العرب: ياومه يوامًا، أي: عامله بالأيام، أي: جعل أجره بالأيام على حسب الأيام، ياومه يوامًا كلمة يوام هي الكلمة الوحيدة التي جاءت عن العرب على وزن “الفعال”، وهي مكسورة الفاء مع أن الفاء حرف الياء فجاءت مخالفة للقياس، ومن ثم حكم العلماء على هذا المصدر وهو اليوام بالشذوذ، لكن ورد مياومة وهي على وزن مفاعله وهو المصدر القياسي الذي لم يتخلف.

وزن “الفعال” إذا ورد مصدرًا لفعل على وزن “فاعل” ليس يائي الفاء:

أن هذا الوزن أصله “الفيعال” بياء بعد الفاء، وهذه الياء هي التي تقابل الألف الزائدة في فاعل، لماذا” لأن المصدر ينبغي أن يشتمل على جميع حروف فعله، وإن نقص عن حروف فعله فلا ينقص إلا في إحدى حالتين: إما في حالة تعويض هذا الناقص في المصدر، كما قالوا في “وعد” “عدة” بحذف الواو والتعويض عنها بالتاء المربوطة، وهذه هي الحالة الثانية ينقص المصدر عن حروف فعله لفظًا؛ ولكنه ينبغي أن يراعى وجوده في التقدير، وعلى ذلك قالوا: إن قاتل قتالًا أصله: قيتال؛ فلو نطق العرب قتالًا بدون الياء فالياء مقدرة، ولذلك قالوا: إن هذه الياء إذا لم تكن في اللفظ فهي موجودة في التقدير، فالياء ثابتة في المصدر لفظًا أو تقديرًا.

قال الرضي في (شرحه على شافية ابن الحاجب): و”فعال” في “فاعل” مكسور “فيعال” والياء في مكان ألف فاعل.

مصادر غير الثلاثي السماعية:

ومن بعض ما ورد مسموعًا عن العرب مخالفًا للأقيسة السابق ذكرها، سنورد هذا المسموع بحسب ترتيب ما أوردناه في المصادر القياسية السابقة، وقد أشار إليه ابن مالك على الجملة فقال:

… … …. …. ….. …..

*وَغَيرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَه

ومعناه: أن ما ورد من مصادر غير ثلاثية على خلاف ما مر من الأوزان السابقة يحفظ ولا يقاس عليه، ومعنى قوله: “السماع عادله” أي: كان السماع له عديلًا كما قال ابن عقيل -رحمه الله- في شرحه على الألفية، والعديل هو المثيل والنظير.

– وما ورد في مصدر الفعل “كذّب” وهو على وزن “فعّل” وهو صحيح اللام، وقياس مصدره “التكذيب” كما قال ابن مالك:

وَغَيرُ ذِى ثَلاَثةٍ مَقِيسُ

*مَصدَرِهِ كَقُدِّسَ التَّقدِيسُ

وقد جاء على هذا القياس، فقالوا: كذب تكذيبًا، كما جاء فيه مسموعًا قولهم كذّب كذابًا، قال تعالى: {وَكَذّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذّاباً} [النبأ: 28] وقال عز وجل في السورة الكريمة نفسها: {لاّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذّاباً} [النبأ: 35] على ذلك فهو مخالف للقياس، ولكنه فصيح في الاستعمال ما دام قد ورد في القرآن الكريم.

– وأيضًا ورد في مصدر الفعل “نزّى” وهو على “فعّل” كذلك إلا أنه معتل اللام، وثلاثي مزيد بتضعيف العين كسابقه، إلا أن الفرق بينه وبين سابقه: أن سابقه كان صحيح اللام، فجاء على التفعيل في القياس، وأن هذا على وزن “فعّل” إلا أنه معتل اللام، فينبغي -كما قال العلماء- أن تحذف من مصدره ياء التفعيل، وأن يعوض عنها بالتاء المربوطة، فيقال في المصدر القياس “تنزية” وأصله من نزا الفعل ينزو بمعنى: وثب يثب، ونزّى معناه: أنزاه، فالتضعيف قائم مقام همزة التعدية أو الجعل أي جعله ينزو، أي: جعله يثب ويقفز، يقال كما قلنا: نزّى تنزية هذا هو القياس، كقولهم وصى توصية، وولى تولية بحذف ياء التفعيل والتعويض منها بالتاء، إلا أنه وقد ورد مسموعًا نزى تنزيًا، قول الراجز:

باتت تنزي دلوها تنزيّا

*كما تنزي شهلة صبيَّا

يصف امرأة بالضعف، وهي تجذب دلوها من البئر، فيقول: إنها تحركه حركة ضعيفة تشبه تحريك شهلة -أي: تحريك امرأة عجوز- لطفل تداعبه وترقصه.

والشاهد في قوله “تنزيًّا” حيث أورده الراجز على وزن “التفعيل” من غير أن يحذف ياء التفعيل ويعوض منها التاء، وقياسه “التفعلة” لكنه حمله على ما هو بمعناه، حمله حمل “نزى” على حرك، وكلاهما بمعنى واحد، ووزن واحد، وكما يقال: حرك تحريكًا قال: نزى تنزيًا.

– وقولهم: اقشعر جلده قشعريرة، بضم القاف وفتح الشين “قشعريرة” والقشعريرة هي الرعدة، فالفعل “اقشعر” فعل خماسي مبدوء بهمزة وصل، والفعل إذا كان خماسيًا أو سداسيًا مبدوءًا بهمزة وصل كان مصدره القياسي بكسر ثالثه وزيادة ألف قبل آخره، فمصدر هذا الفعل القياسي “اقشعرار”، اقشعر اقشعرارًا، وقد جاء على هذا القياس عند العرب كما جاء أيضًا “قشعريرة” فدخل الأخير -وهو قولهم “قشعريرة”- في باب المسموع الذي يحفظ ولا يقاس عليه.

– ما سمع عن العرب من قولهم: ترامى القوم رميًا: ترامى القوم رِمّيًّا بكسر الراء والميم المشددة والياء المشددة، فالفعل ترامى فعل خماسي مبدوء بتاء زائدة ولامه معتلة، ومصدره القياسي مع صحة اللام هو وزن الماضي مع ضم ما قبل آخره، يقال: تعلم تعلمًا وتفهَّم تفهما، ومصدره القياسي مع اعتلال لامه كالفعل ترامى هو الإتيان بصيغة الماضي كذلك لكن مع كسر ما قبل آخره؛ لتسلم اللام إن كانت ياءً من قلبها واواً فيما لامه ياء، مثل توانى توانيًا، ولتقلب اللام ياء إن كانت واوًا، نحو: تدانى تدانيًا من الدنو؛ لأن لو لم تبدل الضمة كسرة لأبدلت الواو الواقعة طرفًا بعدها، أي: بعد الضمة لأبدلت واوًا، وقيل: توانوًا وتدانوا، ولا يوجد في الأسماء اسم معرب في آخره واو قبلها ضمة، فقول العرب: ترامى القوم تراميًا بإبدال الضمة قبل الآخر كسرة جاء المصدر فيه على القياس.

أما قولهم ترامى القوم رِميّا؛ فقد جاء المصدر فيه مسموعا مخالفًا القياس.

– الفعل “تحمّل”: وهي كلمة جاءت مبدوءةً بالتاء الزائدة، وهي غير ثلاثية وجاء المصدر مخالفًا للقياس كذلك، القياس تحمل تحمُّلًا والفعل تملق تملقًا ولكن سمع تحمل تحمّالًا وتملق تملّاقا، ونحن نلاحظ: أن كل ما ورد عن العرب من المصادر غير الثلاثية مسموعًا مخالفًا للقياس ورد كذلك موافقًا للقياس.

error: النص محمي !!