Top
Image Alt

مصادر المسيحية بعد عيسى -عليه السلام-

  /  مصادر المسيحية بعد عيسى -عليه السلام-

مصادر المسيحية بعد عيسى -عليه السلام-

اعتمدت المسيحية في عقائدها وتشريعاتها على الكتاب المقدس لديهم:

وهذا الكتاب الذي يدعونه المقدس يشتمل على التَّوْرَاة والأناجيل ورسائل الرسل وأعمالهم ورسائل بولس إجمالًا أما التَّوْرَاة فإنها تعد المصدر الأساسي للتشريع عندهم؛ لأن الإنجيل لم يشتمل على تشريعات، ولأن عيسى عليه السلام أعلن أنه غير ناسخ للتوراة كما جاء عنه في الإنجيل قال: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل؛ فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد، أو نقطة من الناموس حتى يدعى الكل” إنجيل متى إصحاح 5 الفقرة 17- 19.

ولقد كان المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام مصدقًا للتوراة في العقيدة والشريعة ولذلك جاء في التوراة: اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد وهذا في سفر التثنية إصحاح 6 فقرة 4.

وجاء في إنجيل متى ومرقص ولوقا: أن عالمًا من علماء بني إسرائيل سأل المسيح عن الوصية العظمى في التَّوْرَاة فأجابه بقوله: الرب إلهنا رب واحد، يقول مرقص: فجاء واحد من الكتبة، وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابه حسنًا سأله أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد” إنجيل مرقص إصحاح 12 فقرة 28، 29.

وعلى ذلك سار عيسى عليه السلام  ومن كان معه، وكان عليه السلام يزيل تشدد علماء بني إسرائيل، ويصحح لهم تفسير ما اختلفوا فيه، وانطلق أتباع عيسى بدعوته حتى كانت دعوة بولس المشئومة والتي غير فيها وبدل، كما ستعلم ذلك في حينه -إن شاء الله تعالى.

والخلاصة: أن التَّوْرَاة مصدر أساسي عند النصارى وما ذكرناه عن التَّوْرَاة في مصادر اليهودية يذكر هنا، أو يلتفت إليه دون أن نعيده، فهناك ما يغني عن إعادته؛ غير أنه يقال: هناك بعض الأسفار المعتبرة عند اليهود مرفوضة عند المسيحيين، مثالها سفر إستير؛ لعدم اعتقادهم صحة الوحي فيها.

أقول: وكل ما ذكر في التَّوْرَاة عن الله عز وجل يقال في عقيدة النصارى لأنهم لم يعتقدوا نسخه، ولا ذكروا كذبه، ولا قالوا ببطلانه، فهي عقيدتهم إذًا في الله -جَلَّ وَعَلَا- مضافًا إليها ما قالوه: بأن الله سبحانه وتعالى تنزل من عليائه وحل في مريم، وتربى في بطنها جنينًا، وتغذى من دم حيضها ثم نزل من رحمها، وتغذى من ثديها، ثم تربى على حجرها حتى كبر وصار فتى يافعًا بعد أن كان طفلًا ثم شابًّا قويًّا، فلما بلغ مبلغ الرجال، وقام بواجب دعوته كذبه اليهود وآذوه، واضطهدوه، وفي نهاية الأمر أمسكوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وبصقوا في وجهه ولكموه، ثم حكموا عليه وصلبوه”: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً} [الكهف: 5].

وما ذُكِرَ عن الأنبياء من فواحش واتهامات في التوراة، يقال هنا كذلك في عقيدة النصارى ما لم يكذبوه، ويرفضوه، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث فهي إذًا عقيدتهم في الأنبياء، مضافًا إليها ما زعموه في تقديس الأنبياء حتى أوصلوهم إلى درجة البنوة لله، أو الإلوهية، وكذلك الزعم للحواريين بأنهم رسل، ولا عصمة لهم، ولا معجزة تؤيدهم، هذا في الوقت الذي أنكروا فيه نبوة النبي محمد صلى الله عليه  وسلم كاليهود أيضًا.

وقد ثبتت نبوته في الإنجيل كما في التوراة، وما ذكر في التَّوْرَاة من تعصب بغيضٍ يذكر هنا أيضًا عند تعصب النصارى في الكلام عن معتقدهم، أو مصادرهم؛ لأنه كتابهم المقدس، والتوراة شريعتهم قبل الإنجيل، وما جاء عيسى ليغير منها حرفًا، بل ليكمل، والإنجيل ما هو إلا بشارة وأخلاق روحية، فالتوراة إذًا مصدرهم الأول الذي يستقون منه تشريعاتهم وأحكامهم، وإن ادعى بعضهم نسخ بعض أحكامها، كما هو مذكور في في مواضعه في الإنجيل ثم ماذا؟ هذا هو المصدر الأول.

أما المصدر الثاني: فالأناجيل الأربعة

ولفظ الإنجيل مختصٌّ بكتب هؤلاء الأربعة، وقد يطلق مجازًا على مجموع كتب العهد الجديد، وهذا اللفظ معرب، كان في الإنجيل اليوناني “إنكيليون” بمعنى البشارة والتعليم، كما يسمى هذا الجزء من الكتاب المقدس باسم العهد الجديد يقابل العهد القديم، وهو التوراة، ويشتمل العهد الجديد على سبعة وعشرين كتابًا على رأسها الأناجيل الأربعة: إنجيل متى، إنجيل مرقص، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا.

ويلاحظ أن هذه هي الأناجيل الأربعة التي اعترفت بها الكنيسة بعد أن اختارتها من عدد كبير من الأناجيل، وأصدرت قرارًا بإعدام ما عداها، واتخذت إجراءات صارمة في تنفيذ هذا القرار حتى لم يبق منها سوى إنجيل برنابا.

أما بقية كتب العهد الجديد فهي على النحو التالي:

كتاب (أعمال الرسل) (الحواريون)، (رسالة بولس إلى أهل رومية) رسالته الأولى إلى أهل كرنثوث رسالته الثانية إليهم، رسالته إلى أهل غلاطية، رسالته لأهل “أوفسيس” رسالته الأولى إلى أهل “تسالونيكي”، رسالته الثانية إليهم رسالته الأولى إلى “تيموثاوس”، ورسالته الثانية إليهم رسالته إلى “تيطس” رسالته إلى “قليمون” رسالته إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، رسالة بطرس الثانية، رسالة يوحنا الأولى، رسالة يوحنا الثانية، رسالة يوحنا الثالثة، رسالة يهوذا، رؤيا يوحنا، فهذه سبعة وعشرون اشتمل عليها العهد الجديد، ولنا وقفة مع كل سفر من أسفار العهد الجديد على الإجمال إن شاء الله.

أولًا: الأناجيل الأربعة نظرة عامة: هذه الأناجيل الأربعة لم يملها المسيح عليه السلام ولم تنزل عليه هو بوحي أوحي إليه، ولكنها كتبت بعده بفترات متباعدة، ولقد ذكر بعض المؤرخين: أنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود أناجيل متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا قبل آخر القرن الثالث، وأول من ذكر هذه الأناجيل أربعة “أرينوس” في سنة 209 ثم جاء من بعده “كليمنس “إسكندريانوس” في سنة 216.

وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم، ولم تكتفِ الكنيسة باختيار هذه الأناجيل الأربعة، بل أرادت إرغام الناس على قبولها لاعتقادها صحتها ورفض غيرها، وتم لها ما أرادت، فصارت هذه الأناجيل هي المعتبرة دون سواها.

وهذه الأناجيل تشتمل على أخبار يحيى المسمى عندهم يوحنا المعمدان والمسيح عليه السلام مع تفصيل القول عن المسيح بعد إجمال الحديث عن يحيى، وما كان منه، وما أحاط بولادته من عجائب وغرائب، وما كان يحدث منه من أمور خارقة للعادة، ولا تحدث من سواه من البشر، وما كان يحدث له من أحداث، وما كان يجري بينه وبين اليهود وما كان يلقيه من أقوال، وخطب، وأحاديث، وأمثال، ومواعظ.

وفيها قليل من الشرائع التي تتعلق بالزواج والطلاق، ثم أخبار المؤامرة عليه، واتهامه، والقبض عليه، ومحاكمته سواء أكانت تلك المحاكمة أمام اليهود، أم أمام الرومان، ثم الحكم عليه بالموت صلبًا، وصلبه بالفعل فيما يعتقدون، وفيها أيضًا قيامته من قبره ومكوثه أربعين يومًا، ثم رفعه إلى السماء، وفي الجملة هي تشتمل على أخبار المسيح وصلواته، وأقواله وعجائبه من بدايته إلى نهايته في هذا العالم.

ثانيًا: وقفة سريعة مع كل إنجيل على حدة بكلمة عن تاريخ تدوينه والتعريف بمؤلفه.

– إنجيل متى: ترجمة لمتى، هو أحد تلاميذ المسيح الاثنا عشر ويسميهم المسيحيون رسلًا، وقد كان قبل اتصاله بالمسيح من جباة الضرائب للرومان في كفر ناحوم من أعمال الجليل، وكان اليهود ينظرون إلى الجباة نظرة ازدراء؛ لأنها تحمل صاحبها على الظلم أو العنف، والعمل فيها معين للدولة الرومانية المغتصبة التي تحكم البلاد بغير رضا أهلها ولكن المسيح اختاره تلميذًا من تلاميذه، ولما أنكر الفريسيون عليه ذلك قال لهم: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى، فاذهبوا، وتعلموا ما هو إني أريد رحمة لا ذبيحًا، لأني لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة إنجيل متى إصحاح 9 فقرة 12، 13.

ولما صعد المسيح إلى ربه جال متى للتبشير بالمسيحية في بلاد كثيرة وإن كان موطن دعايته، كما يروي مؤرخو المسيحية هو الحبشة التي مات بها سنة 70 ميلادية، وفي رواية سنة 63 من الميلاد، ماذا عن إنجيل متى؟ اتفق جمهورهم على أنه كتب بالعبرية، أو السريانية، وأن أقدم نسخة كانت باليونانية، واختلفوا في أمور ثلاثة وهي:

– الجهل في تاريخ التدوين، والحق أن باب الاختلاف في شأن التاريخ لا يمكن سده، ولا يمكن ترجيح روايته، ولا جعل تاريخ أولى من تاريخ بالاتباع، ويمكن حصر التواريخ التي ذكرت في تدوين متى في سنة 37، 38، 43، 48، 61، 64.

– جهل النسخة الأصلية التي كتبت بالعبرية.

– جهل المترجم، وحاله من صلاح أو غيره، ولئن تسامح الباحث في تاريخ التدوين، فليمنعه العلم من الاسترسال في التسامح حتى يعرف الأصل الذي ترجم عنه، ومدى مطابقة الترجمة للأصل، ولكن عَزَّ عَلَيْنَا العلم بالأصل، ولقد كنا نتعزى عن ذلك لو عرفنا المترجم، وأنه ثبت ثقة، أمين في النقل، عالم لا يزيد على العلماء، فقيه في المسيحية، عارف للغتين فاهم لهما، مجيد في التعبير بهما؛ فعندئذ كنا نقول: ثقة روى عن ثقة بترجمته، ونسد الخلة بتلك الرواية، ونرأب الثلمة بتلك النظرة، ولكن قد امتنع هذا أيضًا.

فقال جمهرة علمائهم: إن المترجم لم يعرف، فبقيت الثلمة من غير ما يرأبها، فنحن بين أيدينا كتاب لا يعرف تاريخ تدوينه، مجهول أصله، لا يعرف مترجمه.

الثاني: إنجيل مرقص: ترجمة مرقص: اسمه يوحنا، ويلقب بمرقص، وأصله من اليهود وكانت أسرته بأورشليم، وكان وقت ظهور المسيح، ولم يكن من الاثني عشر الذين تتلمذوا على يد المسيح، وإن كان من أوائل الذين أجابوا دعوته، فاختاره من بين السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقادهم من بعد رفعه، وألهموا بالتبشير للمسيحية، كما ألهموا مبادئها.

لكن مرقص كان يذكر إلوهية المسيح، وقد لازم خاله برنابا، وبولس في رحلتهما إلى أنطاكية، ثم تركهما، وعاد إلى أورشليم، ثم التقى مرة أخرى بخاله، واصطحبه إلى قبرص، ثم افترقَا فَذَهَبَا إلى شمال أفريقية ودخلا مصر في منتصف القرن الأول، فوجد في مصر أرضًا خصبة لدعوته ودخل كثير من المصريين فيها، وكان يتردد بين مصر وروما أحيانًا، وإلى شمال أفريقيا أحيانًا أخرى، ولكن مصر كانت المستقر الأمين له، فاستمر إلى أن ائتمر به الوثنيون فقتلوه سنة اثنين وستين من الميلاد.

يتفق المسيحيون في أن هذا الإنجيل كتب باللغة اليونانية، ولكنهم اختلفوا في:

أ‌- صحة نسب الإنجيل إلى مرقص، فابن البطريق يقرر أن الذي كتبه بطرس عن مرقص في مدينة رومية ونسبه إليه، وأرينوس يقرر أن الذي كتبه مرقص من غير تدبير بطرس؛ لأنه كتبه بعد موت بطرس، وبولس فمن الكاتب إذًا، وليس بين أيدينا ما نرجح به إحدى الروايتين على الأخرى.

ب‌- جهل تاريخ التدوين واختلافهم في زمان تأليفه بين هذه السنوات سنة 56 أو 65 أو 60 أو 63 أو 61، فبين أيدينا كتاب مشكوك في صحة نسبته إلى صاحبه ومختلف في تاريخ تدوينه.

– إنجيل لوقا: ترجمة لوقا: اختلف الباحثون في التعريف بصاحب هذا الإنجيل فمن قائل: إنه أنطاكي، ولد بأنطاكية، ومن قائل: إنه روماني ولد بإيطاليا، ومن قائل: إنه كان طبيبًا، ومن قائل: إنه كان مصورًا، وكلهم متفقون على أنه من تلاميذ بولس ورفقائه، ولم يكن من تلاميذ المسيح ولا من تلاميذه حوارييه، فشأنه من شأن بولس لا من شأن المسيح، أو التلاميذ له.

اختلف الباحثون في القوم الذين كتب لهم أولًا هذا الإنجيل، فمن قائل: إنه كتب لليونان، ومن قائل: إنه كتب لليهود، ومن قائل: إنه كتب للرومان وآخر للكنيسة العامة، ومن قائل: إنه كتب إلى ساوفيلس، وهذا الأخير كان مصريًّا لا يونانيًّا، فهو كتب للمصريين لا لليونان.

جهل تاريخ التدوين اختلفوا في زمن تأليفه ما بين سنة 53 و58 و60 و63 و64 فبين أيدينا كتاب لا نعرف على وجه القطع شخصية كاتبه، وصناعته والقوم الذين كتب لهم، وتاريخ التدوين.

– إنجيل يوحنا: ترجمة يوحنا يختلف الباحثون حول يوحنا وصحة نسبة الإنجيل إليه وتاريخ، تدوينه على أقوال:

الأول: جمهور النصارى على أن كاتبه هو يوحنا الحواري بن زيدي الصياد والذي كان يحبه السيد المسيح حتى أنه استودعه والدته، وهو فوق الصليب -كما يعتقدون- وقد نفي في أيام الاضطهادات الأولى، ثم عاد إلى أوفسيس، ولبث يبشر فيها حتى توفي شيخًا هرمًا.

الثاني: أن كاتبه يوحنا آخر لا يمت إلى الحواري بصلة روحية، فواضعه ليس يوحنا الحواري، وإنما هو كتاب مزور أراد صاحبه أن يضاد اثنين من الحواريين بعضهما لبعض، وهما القديسان يوحنا ومتى، وهذا هو الذي عليه محققو المسيح، وقد عد المتعصبون من المسيحيين قولهم هذا خروجًا على وجه المسيحية. أما تاريخ تدوينه: فقد اختلفوا فيه ما بين سنة 69 و70 و68 و89 و95 و98 و96 من الميلاد؛ إذًا فليس له تاريخ محدد لتدوين هذا الإنجيل.

سبب تدوينه: إن المتأمل في كتب النصارى ومؤلفاتهم يرى: أنهم مجمعون أو يكادون على أن سبب تدوين يوحنا لإنجيله هو إثبات إلوهية المسيح التي اختلفوا في شأنها لعدم وجود نص في الأناجيل الثلاثة متى ومرقص ولوقا بعينها، ويستنبط من هذا:

– أن الأناجيل الثلاثة الأولى ليس فيها ما يدل على ألوهية المسيح، أو كانت كذلك قبل تدوين الإنجيل الرابع على الأقل، وأن النصارى مَكَثَت أناجيلهم نحو قرنٍ من الزمان ليس فيها نصٌّ على إلوهية المسيح.

– أن الأساقفة اعتنقوا إلوهية المسيح قبل وجود الإنجيل الذي يدل عليه ولما أرادوا أن يحتجوا على خصومهم، اتجهوا إلى يوحنا؛ ليكتب لهم إنجيلهم الذي يشتمل على الحجة، وهذا معناه: أن الاعتقاد بإلوهية المسيح سابق لوجود نص في الكتب عليه، والواقع: أن لهذا الإنجيل شأنًا أكثر من غيره؛ لأنه الإنجيل الذي صرح بإلوهية المسيح، وأصبحت عقيدة النصارى، وأساس التباين بينها، وبين العقائد الأخرى.

فهذه نظرة سريعة وخاطفة حول الأناجيل الأربعة، كما يعتقد كتاب النصارى لا كما يعتقد غيرهم وهي كما ترى مشكوك في أصحابها وفي تدوينها وفي ترجمتها وفي كل شيء فيها، هذا فضلًا عما اشتملت عليه من تناقض واضح وتحريف ظاهر، وسنشير إلى شيء من هذا مجملًا -إن شاء الله تعالى.

والذي يجدر التنبيه إليه، ويجب أن نعتقده، أن هذه الأناجيل ليست نازلة على عيسى عليه السلام في نظرهم فضلًا عن غيرهم، وليست منسوبة إليه، ولكنها منسوبة لبعض تلاميذه، ومن ينتمي إليهم، وهي -كما علمت- تشتمل على أخبار المسيح وقصصه، ومحاوراته، وخطبه وابتدائه ونهايته في الدنيا، كما يعتقدون هم، فهي على أقصى تقدير لا تزيد عن كتاب سيرة لحياة المسيح، امتلأ بالخرافات، والمتناقضات، وليتها صدقت في حياة المسيح، كما صدق الكتاب عندنا في عرض سيرة النبي محمد صلى الله عليه  وسلم، ولكن ترى فيها العجب العجاب؛ وإن دل على شيء؛ فإنما يدل على تعصب هؤلاء القوم لباطلهم، ومحاربتهم للحق وجفوتهم له، فأين إنجيل عيسى الحق؟ وإذ نؤمن بأن الله عز وجل أنزل إنجيلًا على عيسى عليه السلام فيه هدى ونور؛ نحن نؤمن بتحريف هذه الأناجيل.

فما الدليل على ثبوت تحريف تلك الأناجيل نقول: صدق الله العظيم إذ يقول: {فَوَيْلٌ لّلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هَـَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] وكما قال تعالى: ريُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13].

هذا وتحريف هذه الأناجيل واضح لكل ذي عينين، ومع ذلك يتعصب لها النصارى والتناقض الذي في هذه الأناجيل ليس فيما بين إنجيل وإنجيل لا ليس هذا فحسب، ولكن في الإنجيل الواحد نفسه، بل في الإصحاح الواحد نفسه.

ولا أكون مبالغًا إن قلت لك: إن التناقض، والتحريف يبدو واضحًا في الصفحة الواحدة ما بين أولها وآخرها، وربما وسطها، أو ذات سطرها، ولا يقف حد التحريف عند متنها فقط، بل يتعداه إلى السند أيضًا، وإليك الدليل، أو شيء من الدليل على سبيل الإشارة، والإجمال لا على سبيل التوضيح والتفصيل:

أولًا: إن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سندٌ متصلٌ لكتاب من كتب العهد القديم والجديد، وليس عندهم أدنى دليل على أن سفرًا من الأسفار كتب بواسطة النبي فلان، ووصل إلينا بالسند المتصل بلا تغيير، ولا تبديل والإسناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن، والوهم لا يكفي في الإثبات بل دعوى الإلهام مردودة وباطلة -كما سأبينه إن شاء الله- بل ثبت لديهم أن الكثير من الأسفار هي من الأكاذيب المصنوعة، ولا حجة في شيء لا يثبت صحة إسناده لقائلِهِ.

والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، ولقد اعتذرَ بعضهم عن ذلك بوقوع المصائب، والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلاثمائة وثلاثة عشر سنة؛ فنحن ليس أمامنا أي إسناد لهم، وما رأينا فيها شيئًا غير الظن والتخمين يقولون بالظن، ويتمسكون ببعض القرائن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.

ثانيًا: إن هذه الكتب مملوءة بالاختلافات والأغلاط، وقد أشرت قبل إلى بعض الاختلافات في التَّوْرَاة حين تحدثت عن مصادر اليهودية والتوراة كما هي من مصادر اليهود هي من مصادر النصارى -كما بينت سلفًا.

error: النص محمي !!