Top
Image Alt

مصادر المعرفة، وموقف الإسلام من مسألة إمكان المعرفة

  /  مصادر المعرفة، وموقف الإسلام من مسألة إمكان المعرفة

مصادر المعرفة، وموقف الإسلام من مسألة إمكان المعرفة

مصادر المعرفة:

نجد أن مصادر المعرفة متنوعة, ويندرج تحتها: الوحي، الإلهام والحدس، العقل، التجربة.

أيضًا نجد هناك اختلافًا بين بعض المفاهيم المهمة التي يجب أن نقف عندها؛ ومنها: النظرية، الحقائق، المعرفة، الفروض.

فالنظر هو الفكر الذي تطلب به المعرفة، أي: إنه فعلٌ صادرٌ عن النفس؛ لاستحصال المجهولات من المعلومات، أي: التوصل إلى أشياء جديدة من خلال ما هو متاح، والعلوم النظرية مقابلة للعلوم العملية والشعرية كما عند أرسطو، ومقابلة للعلوم التجريبية كما عند المحدثين, والشخص النظري هو المتعلق بالعلوم النظرية.

والنظرية عند الفلاسفة المحدثين: هو تركيب عقلي مؤلف من تصورات منسقة, تهدف إلى ربط النتائج بالمبادئ.

وللمعرفة إطلاقات عديدة عند الفلاسفة, وما يهمنا هو الإطلاق المتعلق بنظرية المعرفة، وفيه تكون النظرية تركيبًا عقليًّا واسعًا يهدف إلى تفسير عدد من الظواهر، ويأخذه علماء وقته على أنه فرض قريب من الحقيقة، ويكون مجالًا للدراسة والبحث.

نظرية المعرفة:

هي تلك النظرية التي تبحث في مبادئ المعرفة الإنسانية، وطبيعتها، ومصدرها، وقيمتها, وحدودها، وفي الصلة بين الذات المدركة والموضوع المدرك، وبيان إلى أي مدى تكون تصوراتنا مطابقة لواقع الشيء, المستقل عن الذهن الذي تتناوله.

العناصر التي تبحثها هذه النظرية:

– تبحث في إمكان المعرفة, فتواجه مشكلة الشك في الحقيقة والتيقن بها.

– تبحث في التفريق بين المعرفة القبلية التي تسبق التجربة، والمعرفة التي تجيء اكتسابًا.

– تبحث في الشروط التي تصير بها الأحكام ممكنة، والتي تبرر وصف الحقيقة بالصدق المطلق إذا كان في الإمكان.

– كما تبحث في الوسائل التي تحقق المعرفة من خلالها، والمصادر التي تجيء عن طريقها.

– تدرس طبيعة المعرفة من حيث اتصال قوى الإدراك بالشيء المدرك، وعلاقة الأشياء المدركة بالقوى التي تدركها.

هذه هي مباحث نظرية المعرفة التي أصبحت في الدراسات الفلسفية جزءًا مهمًّا أوليًّا، ومما يؤكده الدارسون لنظرية المعرفة ضرورة عدم الخلط بينها وبين علم المنطق، كذلك ضرورة تمييزها عن علم النفس؛ فعلم المنطق يبحث في القوانين الصورية للفكر لتطبيقها على المبادئ, دون أن يبحث عن أصلها أو يناقش قيمتها، وعلم النفس هو علم تطبيقي يبحث في العمليات العقلية التي يقوم بها العقل في كسب معلوماته, مثل: الإدراك الحسي، والتذكر، والتخيل.

إمكان المعرفة:

الإمكان: هو حالة بين الامتناع والوجوب, أي: عدم اقتضاء الشيء الوجود والعدم. والبحث في إمكان المعرفة يعني دراسة إجابة هذا السؤال: هل في وسع الإنسان أن يعرف شيئًا؟

إن المعرفة ممكنة للإنسان، وقد انقسم الناس حيال هذه المسألة إلى فريقين:

الفريق الأول: يقول بإمكان المعرفة، وهم الاعتقاديون أو أتباع مذهب التيقن.

والفريق الثاني: ينكر قيام معرفة إنسانية، وهم أتباع مذهب الشك.

الشك في اللغة: هو ضد اليقين.

والشك في الاصطلاح عند الجرجاني: هو التردد بين النقيضين؛ فلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشك.

الشك المطلق أو الحقيقي:

في القرن الخامس قبل الميلاد سيطرت على الفكر اليوناني موجة من الحيرة والارتياب, انتهت بهم إلى إنكار جميع الركائز الفكرية للإنسان، وإنكار المحسوسات والبديهيات.

وقد أورد الشكّاك حُجَجًا تدعم موقفهم من الحقيقة؛ يتعلق بعضها بالذات التي تحكم، وبعضها بالموضوع الذي يحكم عليه، وبعضها بهما جميعًا، ومن أبرز حججهم:

– خداع الحواس والعقل, بحيث لا يبقى لدينا علامة لتمييز الصواب من الخطأ، فالحواس تبين لنا المجداف منكسرًا في الماء ومستقيمًا خارجه، وفي الأحلام نرى أشياء لا نراها في اليقظة، فأين الحقيقة في كلٍّ؟!

– اختلاف الإدراك بحسب حالة الموضوع المدرك التي هو عليها حين الإدراك؛ فمثلًا: كشاطات قرن الماعز تبدو بيضاء لو شُوهدت مفردة بسيطة، لكنها حين تؤلف مادة فإنها تشاهد سوداء.

– تناقض الناس؛ حيث اتخذ هؤلاء الشكّاك من تضارب الآراء بين الناس دليلًا على إنكار الحقيقة.

– الجهل بالأشياء, إذ يقولون: إن الأشياء متماسكة مترابطة، ولكي تعرف شيئًا واحدًا لا بد أن تعرف كل الأشياء، ولأنه لا يمكن معرفة كل الأشياء فلن تعرف شيئًا واحدًا؛ فمثلًا: معرفة شخصٍ ما تحتاج منا معرفة كل ماضيه، ومكوناته الجسمية والعقلية والروحية، ولأنه لا سبيل إلى هذا كله فسنبقى جاهلين بالفرد إلى آخر حججهم, التي لها وزن في الإنكار المطلق لقدرة الإنسانية على المعرفة، بل لم يعد لمذهب الشك المطلق وجودٌ في العصر الحاضر.

الشك المنهجي:

الشك الحقيقي يبدأ صاحبه شكاكًا, وينتهي كذلك.

أما الشك المنهجي فإن صاحبه يبدأ شكاكًا لينتهي إلى اليقين؛ فهو وسيلة يهدف منها إلى الوصول إلى المعرفة الصادقة.

وقد أكد كثيرٌ من رجال الفلسفة الحديثة هذا الشك، واعتبروه ضروريًّا لكل معرفة؛ سواء في ذلك العقليون، وعلى رأسهم “رينيه ديكارت” الذي يرى أنه لكي نقرر شيئًا محققًا في العلوم، فإنه لا بد لنا أن نطرح كل ما في داخل عقلنا من معارف، ونشك في جميع طرق العلم وأساليبه.

ولكن هذا الشك ليس وليد العصور الحديثة، فقد أوصى أرسطو قديمًا بمزاولة هذا الشك عند البدء بدراسة أي موضوع علمي؛ حيث هناك علاقة ضرورية تكون أدنى إلى الصواب.

اليقين والتيقن في اللغة: هو العلم وزوال الشك.

أما في الاصطلاح فهو نقيض الشك، وهو: اعتقاد اليقين بأنه كذا, مع الاعتقاد بأنه لا يكون إلا كذا مطابقًا للواقع، والاعتقاد: هو الحكم الذهني الجازم القابل للتشكيك إذا وُضع مقابلًا للعلم، ولكنه يطلق تارة على اليقين، وتارة على العلم، وتارة على التصديق مطلقًا.

ومذهب التيقن في المعرفة: هو الذي يقول بوجود الأشياء وجودًا حقيقيًّا، وبقدرة الإنسان على معرفتها، وقد ظهر هذا المذهب في صورتين:

1- الصورة المشاهدة عند كل الناس من تصديقهم لما يرون ويسمعون، وقطعهم بالأحكام على الأشياء دون نقد أو تمحيص، وكان هذا أسلوب الفلسفة القديمة في تفسير العالم والبحث في الوجود.

2- صورته مذهبًا فلسفيًّا ذا مواقف محددة، ولم تظهر هذه الصورة إلا بعد ظهور الشك، وبلبلة اتباعه للفكر البشري، فقام هذا المذهب يرد إلى معرفة الحقيقة اعتبارها ويدافع عنها، وتصدى أرسطو بعد ذلك لمناقشة حجج الشكّاك وإبطالها، وإزالة سوء الفهم للمبادئ العقلية التي اضطربوا فيها.

موقف الإسلام من مسألة إمكان المعرفة:

خالف الإسلام مخالفة صريحة مذهب الشك في وجود الأشياء، وقرر أن للأشياء وجودًا عينيًّا، وجعل الأشياء قسمين: موجودات عالم الطبيعة -أي عالم الشهادة-، وموجودات عالم ما وراء الطبيعة -أي عالم الغيب.

أما بالنسبة لمعرفة الأشياء، فمنهج الإسلام أن بإمكان الإنسان معرفة كثير من الأشياء والموجودات؛ إذا سلك السبل المؤدية إلى المعرفة، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}[العنكبوت: 20].

فهذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات تحث الإنسان على التدبر والتفكر والنظر؛ وذلك ليتحقق له أمران: معرفة الأشياء من حوله في الكون؛ ليستفيد منها في حياته المادية، وليستشعر عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وهذان لا يتحققان إلا بالمعرفة, ولو لم تكن ممكنة ولكن الأمر الوارد في الآيات لغوًا باطل، والله منزه عن ذلك.

وهذا الإمكان للمعرفة شامل للموجودات بنوعيها من عالم الشهادة والغيب، فليست خاصة بالموجودات المادية المحسوسة؛ بل يدخل في ذلك أيضًا موجودات العالم الغيبي، فقد أمرنا المولى -جل وعلا- بأن نؤمن بغيبيات معينة، والإيمان لا يكون إلا من خلال معرفة ما يؤمن به الإنسان.

فمثلًا: الإيمان بالملائكة ركنٌ من أركان الإيمان، ولا يعني أنهم في عالم الغيب بالنسبة لنا أننا لا نعرفهم, فنحن نعرف عنهم أوصافًا جاء بها الوحي كأنهم خُلقوا من نور، ونعرف أسماء لبعضهم، وغير ذلك مما نعرفه عن عالم الملائكة.

الشك المنهجي في ضوء الإسلام:

الذي يتناسب مع أسس الإسلام بالنسبة للشك المنهجي:

إن الله -جل وعلا- خلق الإنسان على أكمل صورة وأتمها {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، وجعل له عقلًا مجبولًا على مبادئ فطرية لا يمكن أن تزول من عقله؛ لأن قيمة العقل بصفته مصدرًا للمعرفة إنما يتم بوجودها، وزوال هذه المبادئ بالكلية يعني زوال العقل وسقوط التكاليف.

وأشهر من انتهج نهج الشك المنهجي هو الغزالي، وقد عاشه واقعًا حيًّا؛ حيث قال بعد فترة شكه المطبق: حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية المقبولة موثوقًا بها على أمر يقين.

وقد يرد إشكال بأن الشك المنهجي مما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم  حين قال: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَىَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىَ وَلَـكِن لّيَطْمَئِنّ} [البقرة: 260])).

والرد على هذا الإشكال من وجوه:

– أن سؤال إبراهيم لم يكن سؤال شك في القدرة, فكيف يشك وهو الذي قال للنمرود: {رَبّيَ الّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}وإنما هو سؤال عن الكيفية فلم يقل: يا رب، هل تستطيع إحياء الموتى؟

– السؤال بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء متقرر الوجود عند السائل والمسئول، وهذا يشبه قولك لرسام كبير فنان: دعني أنظر إليك وأنت ترسم لوحة.

– السبب المحرك لإبراهيم عليه السلام طلب رؤية الكيفية، قال الإمام الطبري: مساءلة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى؛ كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا.

– أما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((نحن أحق بالشك من إبراهيم)) أي: لو كان إبراهيم شاكًّا لكنا أولى منه؛ لكن لم يشك إبراهيم ولم نشك نحن أيضًا.

الشك في الأصول العقدية:

هناك من التزم الشك وجعله أول الواجبات للوصول إلى معرفة الله تعالى, مثل: أبو علي الجبائي؛ حيث قال: إن الشك في أول التكليف يحسن..، ويرون أن الذي يعتقد الإسلام كالصبي -مثلًا- إذا بلغ فاعتقاده تقليدٌ، ولكي يكون اعتقاده على علم لا بد أن يشك أولًا، ثم يبني عقيدته من جديد ليكون على علم.

أما رأي ابن تيمية، فهو لا يرى أن أول الواجبات معرفة الله؛ لأن الرسول أول ما دعا إليه دعا إلى الشهادتين، وهما متضمنتان المعرفة دون المعرفة المجردة.

وإذا تأملنا خطاب القرآن الكريم تأملًا دقيقًا, استخلصنا منه ما يلي:

أولًا: استخدم القرآن منهج الشك مع الذين رفضوا العقيدة الإسلامية، وتمسكوا بعقائدهم الباطلة، وبيّن أنها لم تقم على علم صحيح؛ بل صدرت عن جهل وضلال، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]، وقال تعالى: {أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء: 24].

ثانيًا: القرآن دعا الناس إلى العقيدة الصحيحة، وهي الغاية التي تسعى إليها المعرفة البشرية دون حالة توقف، وأن يطلب من الشخص تفريغ عقله ليبدأ من جديد.

error: النص محمي !!