Top
Image Alt

مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين

  /  مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين

مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين

كانت العلمانية في بداية ظهورها تهدف إلى تحقيق غرض، وهو من أهم الأغراض التي أشغلت أذهان القائمين عليها، ألا وهو فصل الدين عن السياسة، والحكم على طريقة ما ينسبه الكتاب المقدس إلى نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم : “أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”.
وبغض النظر عن صحة هذه المقولة عن عيسى صلى الله عليه وسلم ، فإن العلمانيين وهم في محاولتهم الأولى لتصديع الدين المسيحي وجدوا أن هذا النص من الأمور المساعدة لهم، وقد جدوا وناضلوا حتى تم لهم ما يهدفون إليه من فصل الدين عن الدولة، وبالأحرى عزل رجال الكنيسة عن الدولة، ولم يعد دينهم صالحًا للحكم بين الناس في شئون حياتهم، بل تولاه التشريع الجديد المسمى العلمانية في قوانينها الوضعية.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى طور آخر وهو عدم السماح بالدين في كل مظاهر الحياة، ولم تعد مقولة: “أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر” قائمة في أذهان زعماء العلمانية الجامحة، فحورب الدين حربًا شعواء تحت الكراهية الشديدة لطغاة الكنيسة، الذين يمثلونه -حسب مفهوم أقطاب العلمانية-، هذا ما حصل في العالم النصراني ومبرراته، وهو ما يمثله دعاة العلمانية في البلدان الإسلامية التي تم لهم الحكم فيها.
وما دام الأمر قد وصل إلى محاربة الدين وإقصائه نهائيًّا، فلا بد أن يوجد البديل له في كل مظاهر الحياة، وهو ما وقع بالفعل، فطورت العلمانية لتشمل بعد ذلك الحكم والاقتصاد والعلم، والتاريخ، والحياة الاجتماعية، ومظاهر السلوك والأخلاق، وصور الآداب والفنون.. أي أنها أصبحت دينًا قائمًا بذاته، ملأ الفراغ الذي خلفه إقصاء الدين النصراني عن المجتمعات.
ولم يعد الناس بحاجة إلى الدين في أي قضية من القضايا التي تصادفهم؛ لأن المراد الجديد قد سد كل الحاجات، ولبَّى كل المطالب التي تواجه الفرد في حياته اليومية كلها، في الحكم وفي سائر متطلبات الحياة الاجتماعية الجديدة، وأصبح دعاة العلمانية كلهم على خط واحد وهدف واحد مع اختلافهم في الوسائل من بلد إلى آخر، وفيما يلي بيان ذلك في المسائل الآتية:
الأولى: العلمانية في الحكم:
أما العلمانية في الحكم، فمن الطبيعي أن لا يجد الحاكم العلماني أدنى ضرورة إلى الاستعانة بحكم الدين في أية قضية ، وذلك أولًا:لجهله بالدين وعدم معرفته به.
وثانيًا: للعداء الشديد المستحكم الحلقات بين الدين، وبين آراء المفكرين العلمانيين الذين يتصورون أنه لا تتم السعادة الحقيقية للشعوب، إلا إذا أُقصي الدين تمامًا عنهم، وحكموا أنفسهم بأنفسهم بعيدين عن التأثر بأحكام الدين.
وقصر بهم العزم أن يبحثوا عن مصدر العدل الحقيقي، والأحكام المتناسقة التي يسبق العقل إلى تصديقها قبل الواقع، وقد قال الله -تبارك وتعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82]، ولقد وجدوا في علمانيتهم اختلافًا كثيرًا وتناقضًا فاحشًا في الأحكام، ولكن طبع على قلوبهم.
الثانية: هل يوجد فرق في الإسلام بين الدين والسياسة؟
لا يمكن لأي شخص عرف الإسلام -مهما قلت معرفته به- أن يقول: إن الإسلام يفرق بين الدين والحكم، بحيث يكون الدين لله والحكم للشعب أو القانون أو مجلس التشريع أو الحزب أو غير ذلك من الإطلاقات العلمانية الباطلة؛ لأن الإسلام يعتبر جميع البشر عبيدًا لخالقهم.
ولا مزية لأحد على الآخر إلا بالتقوى، ويحرم أن يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، وأن من رضي بالتحاكم إلى غير الله، فهو طاغوت خارج عن الفطرة محارب لله ظالم لنفسه، متعد لما ليس له، وسيحاسبه الله تعالى على ذلك.
وفي الإسلام البيان التام الشامل لكل جوانب الحياة السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية.. إلخ، بينها الله تعالى في قواعد شاملة، وأحكام جامعة وأمر الناس بفهمها، واستخراج كل ما يصادفهم من أحكام وتشريع على ضوئها من من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
فالمشرع في الإسلام هو الله وحده، وما نطق به رسوله، والمنفذ للأحكام الشرعية هم الحكام الذين تختارهم الأمة ويرضون بحكمهم لتنفيذ الشرع الشريف، وهؤلاء الحكام ليسوا طبقة فوق البشر، أو لهم صفات إلهية -كما كان يتصور الجاهلون قديمًا-، وإنما هم منفذون فقط، وأن كل مسلم مطالب بأن يعرف الأحكام الشرعية وأمور العبادات والاقتصاد وغير ذلك من أمور الحياة.
وبعض آخر يطلب الإسلام من كل أتباعه أن يكونوا صالحين لتنفيذ أحكام الله في كل قضية تعرض للشخص، ومعنى هذا أنه لا يوجد في الإسلام تلك الدعوى النصرانية التي بنى عليها اللادينيون فكرهم، وهي: “أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”، فهذه الازدواجية لا مكان لها في الإسلام.
وإنما الذي فيه هو تساوي الناس في التكليف أمام الله، ومطالبتهم جميعًا بتنفيذ أحكام الشريعة وطاعة ولاة أمورهم في غير معصية الله، ورد ما يختلفون فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وبهذا تصلح الحياة وتستقيم الأمور ويحصل التنافس في فعل الخير، قال الله عز وجل: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
وقال تعالى: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [النساء: 58].
وقال -تبارك وتعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65].
إنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية نص واحد يثبت التفرقة بين الدين والحكم، لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ولا في أقوال علماء الإسلام، بل نجد أنه لا شرعية لحاكم لا يتخذ الدين منهجًا له.
ولا يوجد كذلك نص واحد يثبت أن أحدًا من خلفاء المسلمين من الصحابة أصدر حكمًا على طريقة الفصل بين الدين والحكم، أو اعتذر عن أي حكم أصدره بأن سياسة الحكم اقتضته، حتى وإن كان مخالفًا للدين، بل كانت طريقتهم أن كل حكم يخالف الدين يعتبر حكمًا جاهليًّا باطلًا، وذلك للتلازم التام بين الدين والحكم.
الثالثة: العلمانية والاقتصاد:
أما العلمانية والاقتصاد والدين، فلقد كان الاقتصاد هو العصى السحرية التي أسهمت في قيام المذهب العلماني.
فقد كانت الحالة الاقتصادية في أوربا في أتعس وضع، وأبأس حال بسبب الوضع الاجتماعي المتخلف، الذي أنتجته الديانة النصرانية وحكامها ممثلة في البابوات وأصحاب الجاه والسلطان، الذين كانوا لا يهمهم إلا ضمان استرقاق الشعوب النصرانية، وإذلالها لطواغيت رجال الدين وأباطرة الدولة، ولتكن حالتهم بعد ذلك إلى النار، فالدولة ليست مسئولة عن الفقراء والبائسين.
فنشط النظام الإقطاعي واستبداد الطبقة العليا بمن دونها حسب النظام الجاهلي، وكان النظام الاقتصادي مكبلًا بتعاليم الكنيسة تحليلًا وتحريمًا، وكان قائمًا على ظلم الكادحين وشرع رجال الكنيسة، الذين احتووا جل مصادر الاقتصاد مضافًا إلى ذلك صنوف الضرائب المفروضة على الفلاحين وغيرهم، الذين كانوا يُسخرون كلهم كما يسخر العبيد.
وإذا بتلك الأنظمة المعادية للدين لم تقدم حقيقة للناس، إلا آمالًا خيالية وإلا الإلحاد والإفلاس والغبن الفاحش، وانتزاع احترام الدين والتدين من قلوب أتباعه، وإحلال ضلالاتهم بدلًا عن ضلالات الدين النصراني البولسي.
وصح عليهم المثل القائل: “إنك لا تجني من الشوك العنب”، وظهر سوء الاقتصاد، وسوء التوزيع للثروات، وسوء التكافل الاجتماعي جليًّا في العلمانية، ولكنهم لا يعرفون بديلًا منقذًا في حال استكبارهم عن طريقة الإسلام في نظامه الاقتصادي.
الرابعة: العلمانية في التربية والثقافة:
قبل أن يصطدم الغرب المتحضر بالشرق المتخلف كانت التربية في الأخيرة متأخرة أسلوبًا وموضوعًا، وكانت الثقافة جامدة ومحدودة.
كان نصيب الأمة الإسلامية من المعرفة ينحصر في بقايا التراث الفكري، الذي دوَّنه علماء الكلام والفقه واللغة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، تلك البقايا التي تُسمى (الكتب الصفراء) أو الثقافة التقليدية، وفي أحسن الأحوال الثقافة الأصلية -كما في بلاد المغرب.
ولنأخذ شاهدًا قريبًا لذلك من الأزهر الذي صبت عليه اللعنات لجموده وتخلفه.
كان الأزهر منذ تأسيسه يدرس في حلقاته المكتظة الفلك والجبر والهندسة والطب، كما يدرس الفقه والنحو والحديث سواء بسواء بلا حرج، ولا غضاضة.
وظل كذلك إلى عصر ليس ببعيد، فها هو ذا الجبرتي يورد في تاريخه أسماء كثيرين ممن نبغوا في هذه العلوم بالنسبة لعصرهم -منهم والده-، وإن كان مستواهم متخلفًا بالنسبة لما هو عليه حال معاصريهم في الغرب، ذلك أن هؤلاء يمثلون الدفعات الأخيرة لحضارة منهارة، في حين يمثل أولئك الغربيون طلائع متقدمة لحضارة فتية.
ومع ذبول الحضارة الإسلامية التدريجي تقلص ميدان العلم؛ ليقتصر على العلوم الضرورية التي لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يحيا بغيرها، وأهملت العلوم الأخرى لا تحريمًا لها، ولكن عجزًا وتهاونًا يميلها الواقع المنهار من كل ناحية.
وفي فترة الركود العلمي تلك وُلدت أجيال بررت ذلك العجز والتهاون بصنوف المعاذير، ثم استساغت الانغلاق، وفسرت الدين نفسه تفسيرًا ضيقًا، وحددت علومه تحديدًا نابعًا من واقعها المظلم لا من حقيقة الدين وجوهره.
وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل، وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين غريبًا خاصًّا بالكفار.
من هذا الخطأ التاريخي تقريبًا نشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود، وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها.
وقد لخص المستشار علي جريشة علمنة التعليم فيما يلي:
أولًا: القضاء على التعليم الديني:
أ. التطويق من الخارج:

  1. الازدراء بالتعليم الديني.
  2. ازدراء معلمه وطلابه.
  3. قفل الوظائف اللامعة في وجوه خريجيه.
  4. خفض رواتبهم.
    ب. التطويق من الداخل:
  5. تقليص التعليم الديني.
  6. ازدياد التعليم العلماني.
    ثانيًا: نشر التعليم العلماني:
    اهتمام الدولة به.
    الابتعاث.
    المدارس الأجنبية والاختلاط.
    العلمانية في الاجتماع والأخلاق:
    كانت الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي قد انحرفت منذ بضعة قرون، لكن صورة الانحراف لم تبلغ أوجها إلا في مطلع العصر الحديث، حيث أصبح المجتمع في أخلاقه وتقاليده وعاداته ينطلق من منطلقات غير إسلامية، إذ غلبت الأعراف الجاهلية والعواطف المتهورة والعادات المستحدثة على الأخلاق الإسلامية الأصيلة.
    غير أن الناس بحكم العاطفة الدينية الموروثة، وبما جُبلوا عليه من الغيرة على فضائل الخلق كانوا ينسبون كل قيم وموازين وأعراف مجتمعهم للدين، أو على الأقل -يلتمسون لها فيه أصولًا، ورسخ ذلك الانحراف المتمسح للدين حتى أصبح هو الواقع الذي كان لدى الناس استعدادًا للوقوف في وجه من يحاول تغييره، سواء أكان مجددًا إسلاميًّا أو مفسدًا أجنبيًّا، وهم -على أي حال- يبررون موقفهم بالاستناد إلى الدين.
    وفي القرن الماضي احتك المجتمع الإسلامي المنحرف بالمجتمع الغربي الشارد عن الدين، ومنذ اللحظة الأولى أحس الغرب -المغرور بتقدمه المادي- بتفوقه الاجتماعي على الشرق، الذي لا شك أنه كان فيه من الفضائل ما يفتقده الغرب، لكن نظرة الغالب إلى المغلوب لا تسمح بالرؤية الصحيحة عادةً، لا سيما والروح الصليبية من ورائها.
    وبالمقابل أحس المجتمع الشرقي بالانيهار القاتل، واستشعر النقص المرير، ولم يتردد الغربيون الكفرة في القول: “بأن سبب تخلف الشرقيين هو الإسلام”، فقد استمدوا ذلك من الوهن الذي كان يسيطر على أولئك بأنهم مسلمون حقًّا!
    وهكذا كان الطريق مفتوحًا لمهاجمة الأخلاق، وتدمير مقومات المجتمع من خلال مهاجمة ذلك الواقع المتخلق الذي لا يمثل الإسلام، وكان النموذج الغربي المشاهد -الذي فصل الأخلاق عن الدين- يزيد الأمر قوة ووضوحًا.
    وإذا علمت قوى الصليبية الحاقدة -من مستعمرين ومبشرين ومستشرقين- أن البؤرة التي تتجمع فيها أصول أخلاق، ومقومات المجتمع وغيره، فقد وضعت المخططات الماكرة لسلب هذه الميزة من المسلمين بإفساد المرأة المسلمة، وإشاعة الدياثة بينهم.
error: النص محمي !!