Top
Image Alt

معايير تصنيف الأصوات إلى صوامت وحركات ووضع الوترين الصوتيين ووضع المخارج والأحياز

  /  معايير تصنيف الأصوات إلى صوامت وحركات ووضع الوترين الصوتيين ووضع المخارج والأحياز

معايير تصنيف الأصوات إلى صوامت وحركات ووضع الوترين الصوتيين ووضع المخارج والأحياز

المعيار الأول: تصنيف الأصوات إلى صوامت وحركات:

تبين لنا موقف العرب من تصنيف الأصوات، وقد تبين من خلال نظرتهم للحركات: أن بعضهم يرى أن “الواو” في مثل ولد، و”الياء” في نحو: يترك، ينبغي عدهما من الأصوات الصامتة؛ للأسباب النطقية الآتية:

1. قلة وضوحهما في السمع إذا قيس بالحركات.

2. يبدو في نظر هؤلاء أن الفراغ بين مقدم اللسان وبين الحنك الأعلى، في نطق الياء، يكون أضيق منه حال النطق بالكسرة الطويلة، ويترتب على ذلك أننا نسمع نوعًا من الحفيف الخفيف في نطق هذه الياء، وكذلك الحال مع الواو؛ حيث يكون الفراغ بين أقصى اللسان وأقصى الحنك، حال النطق بهما، أضيق منه حال النطق بالضمة الطويلة، وهي الواو الأخرى، ومن ثَم نسمع حفيفًا خفيفًا مع النطق بهذه الواو.

3. الواو والياء في نحو المثالين السابقين، أقصر من الحركتين المناظرتين لهما.

الأسباب النطقية ليست كافية وحدها لتسويغ هذا الحكم

إننا نلاحظ عند نطق هذين الصوتين طبقًا للأوصاف التي ذكروها، أن هناك تكلفًا واصطناعًا في هذا النطق، الأمر الذي يخرجه عن الوضع الطبيعي، بالإضافة إلى أن نطقهما بهذه الطريقة يقربهما لا يبعدهما من الحركات، وهو عكس المقصود؛ ولهذا يرى الدكتور/ كمال بشر: أنه من الأوفق الالتجاء إلى الخواص الوظيفة لهذين الصوتين؛ لنتأكد من حقيقة وضعهما، وبالرجوع إلى هذه الوظيفة تأكد أن الواو والياء في المثالين السابقين- ولد، ويترك- تقومان بدور الأصوات الصامتة، وتقعان موقعهما تمامًا في التركيب الصوتي في اللغة العربية.

قارن الأمثلة الآتية: ولد وبلد، ويترك ونترك، في المثال الأول: نلاحظ أن الواو وقعت موقع صوت صامت، وهو الباء في بلد، ولم يفرق بين الكلمتين في التركيب والمعنى إلا وجود الواو في الأولى، والباء في الثانية، ومعنى هذا أن الواو يمكن أن تتبادل الموقع مع الأصوات الصامتة، وأنها مثلها في كونها قادرة على التفريق بين المعاني كالصوامت تمامًا، ومثل هذا الكلام يقال في “يترك” فالياء تقابل النون في “نترك” وتستطيع أن تتبادل الموضع معها.

ومما يؤيد أن الواو والياء في هذين المثالين ونحوهما تؤديان وظيفة الأصوات الصامتة، أنهما كالأصوات الصامتة تمامًا، متبوعتان بحركات: “وَ، يَ” وأنهما وقعتا في أول الكلمة، وهاتان خاصتان تنفرد بهما الأصوات الصامتة دون الحركات، أما الواو في نحو: “حوض” والياء في نحو “بيت” فكل منهما وقعت موقع الأصوات الصامتة، وأدت وظيفتها، وقد يؤيد هذا الادعاء التصريفات الأخرى لهذه الكلمات: فـ”حوض” جمعها أحواض، و”بيت” جمعها أبيات، تلاحظ أن الواو في أحواض، والياء في أبيات متلوتان بحركة، وهو موضع لا يكون إلا للأصوات الصامتة، وخلاصة ذلك:

  1. أن الواو والياء في “أدعو و أرمي” حركتان خالصتان من ناحية النطق والوظيفة معًا، والواو والياء هنا يسميان حروف المد عند علماء العربية.
  2. الواو والياء في نحو “ولد و يترك” من الأصوات الصامتة؛ بناء على ما يقومان به من وظيفة في التركيب الصوتي للغة، بالإضافة إلى وجود بعض الخواص النطقية التي تبعدهما عن الحركات، وتقربهما من الأصوات الصامتة، والتسمية الصحيحة للواو والياء عند علماء العربية أنهما حرفا علة فقط، ليستا من أصوات المد أو اللين، في هذه الحالة.
  3. الواو والياء في نحو: “حوض و بيت” من الأصوات الصامتة أيضًا في نظر العلماء؛ لأسباب نطقية ووظيفية، ويسميها علماء العربية في هذه الحالة أصوات اللين، وقد وهم بعض الدارسين، وظن أن الواو والياء في “حوض و بيت” جزآن من حركة مركبة، وهو وهم خاطئ، ولا شك أن الحركة المركبة وحدة صوتية واحدة، والموجود في “حوض و بيت” ليس وحدة واحدة، وإنما هناك وحدتان مستقلتان، هما الفتحة مع الواو في “حوض” والفتحة مع الياء في “بيت” وقد جاء هذا الوهم من المشتغلين بالدراسات السامية بوجهٍ خاص؛ تقليدًا لما جرى عليه بعض المستشرقين غير الواعين بخصائص العربية، ومعنى هذا: أن الواو والياء في اللغة العربية من الأصوات الصامتة وظيفيًّا في السياقات الآتية:
    1. إذا وقعت الواو والياء في أول الكلمة.
    1. إذا اتبعتا بحركة من أي نوع.
    1. إذا وقعتا ساكنتين وقبلهما فتحة.

وقد نبَّهنا ابن جني إلى سياق آخر، للواو والياء الصامتتين، وذلك إذا جاءتا مضعفتين، كما في نحو “إجلوّز وشيّد” ويقول حينئذ إنهما قويتا بالتضعيف، فأشبهت الحروف الصحاح، ومع هذا ينبغي ألا ننسى أنهما في هذه الحالات لهما شبه نطقي بالحركات، كما أن لهما شبهًا وظيفيًّا بالأصوات الصامتة من جهة أخرى؛ ولهذا يطلق عليهما العلماء في هاتين الحالتين: أنصاف الحركات “Sime-vowels” وليس هناك ما يمنع من تسميتها: أنصاف صوامت، ولكن المصطلح الأول أولى لشهرته في الدراسات اللغوية، وهذا ما تعارف عليه الدارسون.

وبعد هذا التصنيف الثنائي لأصوات اللغة: الصوامت والحركات، كان على الدارسين أن يدرجوا نحو كل صنف منهما لبيان حدوده ومفرداته، وصولًا إلى معرفة دقيقة بكل أبعاده وجوانبه، بشيء من التفصيل والشرح والتفسير لمجموع خواصه وميزاته في البناء اللغوي، وقد سلكوا في ذلك مسلكين متكاملين، متدرجين من العمومية النسبية إلى الخصوصية الدقيقة، قسموا كل صنف إلى فئات على أساس ما تفصح عنه من سمات مشتركة بوجه أو بآخر، ثم عمدوا بعد إلى تناول مفردات كل فئة وفقًا لما تختص به كل مفردة، أي كل صوت مفرد، من حدود وصفات أو ملامح فارقة:

التقسيم الأول إلى فئات: ينبني على معايير عامة، صالحة للتطبيق أو الأخذ بها عند النظر في أصوات أية لغة.

والثاني: النظر في مفردات كل فئة، يعني بالتركيز على أصوات اللغة المعينة، بوصف كل صوت على حدة، سواء اشتركت أو تشابهت صفاته مع صفات ما يقابله في لغة أو لغات أخرى أم لم تشترك.

المعيار الثاني: وضع الوترين الصوتيين:

تقسم الأصوات الصامتة إلى مجموعات بحسب وضع الوترين الصوتيين، أي من حيث ذبذبة هذين الوترين أو عدم ذبذبتها في أثناء النطق، وهنا ثلاثة أوضاع للوترين الصوتيين:

الوضع الأول: قد ينفرج الوتران الصوتيان بعضهما عن بعض، في أثناء مرور الهواء من الرئتين، بحيث يسمحان له بالخروج دون أن يقابله أيُّ اعتراضٍ في طريقِهِ، ومن ثم لا يتذبذب الوتران الصوتيان، وفي هذه الحالة يحدث ما يسمى بالصوت المهموس، فالصوت المهموس إذن هو الصوت الذي لا يتذبذب الوتران الصوتيان حال النطق به، والأصوات المهموسة في اللغة العربية، كما ينطقها مجيدو القراءات، أو المختصون في اللغة العربية اليوم، هي: “التاء، والثاء، والحاء، والخاء، والسين، والشين، والصاد، والطاء، والفاء، والقاف، والكاف، والهاء” أي: اثنا عشر صوتًا.

الوضع الثاني: قد يقترب الوتران الصوتيان بعضهما من بعض في أثناء مرور الهواء، وفي أثناء النطق، فيضيق الفراغ بينهما، بحيث يسمح بمرور الهواء، ولكن مع إحداث اهتزازات وذبذبات سريعة منتظمة لهذين الوترين. وفي هذه الحالة يسمى الصوت اللغوي المنطوق حينئذ بالصوت المجهور، فالصوت المجهور: هو الصوت الذي يتذبذب الوتران الصوتيان حال النطق به، والأصوات الصامتة المجهورة في اللغة العربية، كما ننطقها اليوم، هي: الباء، والجيم، والدال، والذال، والراء، والزاي، والضاد، والظاء، والعين، والغين، واللام، والميم، والنون، والواو في نحو: ولد وحوض، والياء في نحو: يترك وبيت، ومجموع الأصوات المجهورة الصامتة خمسة عشر صوتًا.

وقد أضاف علماء العربية “الطاء والقاف والهمزة” إلى الأصوات المجهورة، وأخرجوها من الأصوات المهموسة، وهذا الذي قالوا لا يوافق نطقنا الحالي.

الوضع الثالث: قد ينطبق الوتران الصوتيان انطباقًا تامًّا، فلا يسمح بمرور الهواء إلى الحلق مدة هذا الانطباق، ومن ثم ينقطع النفس، ثم يحدث أن ينفرج هذان الوتران، فيخرج صوت انفجاري نتيجة لاندفاع الهواء الذي كان محبوسًا حال الانطباق التام، هذا الصوت هو همزة القطع، فهمزة القطع العربية إذن صوت صامت لا هو بالمهموس ولا بالمجهور، كما يرى الدكتور كمال بشر.

وقد عدّ بعضهم الهمزة العربية صوتًا مهموسًا على حين قرر علماء العربية القدامى: أنها صوت مجهور.

رأي علماء العربية في حالتيْ الهمس والجهر:

قد تكلم اللغويون العرب في القديم عن ظاهرتي الجهر والهمس، كما تكلموا عن المجهور والمهموس من الأصوات، ولكنهم في مناقشتهم لم يشيروا إلى الوترين الصوتيين، ولم يعتمدوا على أوضاعها في تحديد الجهر والهمس، وإنما قدموا لهاتين الظاهرتين تعريفاتٍ تعتمد في الأساس على كيفية مرور الهواء في جهاز النطق، ويبدو أنهم بدءًا من شيخهم “سيبويه” خلطوا في التعريف وتحديد مصطلحاتهم بين الجهر والشدة من ناحية، والهمس والرخاوة من ناحية أخرى.

سيبويه:

يقول سيبويه في ذلك كله: فالمجهور حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع النفَس أن يجري معه، حتى ينقضي الاعتماد عليه، ويجري الصوت. ثم يقول: ومن الحروف الشديد، وهو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه، وهو الهمزة، والقاف، والكاف، والجيم، والطاء، والتاء، والدال، والباء، وذلك أنك لو قلت: الحج، ثم مددت صوتك، لم يجرِ ذلك.

وهكذا لم يتبين لنا الفرق بوضوح بين المجهور والشديد، فهما متفقان في خاصة المنع، وإن كان المنع في حال المجهور هو منع النفَس، وفي الشديد منع الصوت، ولكنا لا ندري دقة الفرق بين النفَس والصوت، على الرغم من احتمال تفسير الصوت بالهواء، وإذا صح هذا الاحتمال كان تعريفه للمجهور الأولى به أن يكون للشديد؛ لأن الشديد هو الذي يحدث في نطقه المنع، أي منع النفَس عنه، ثم ينطلق الهواء، أي الصوت، محدثًا انفجارًا بعد الوقفة أو المنع.

وفي تعريف المهموس يقول سيبويه: وأما المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه، حتى جرى النفس معه، وأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت فرددت الحرف مع جري النفَس.

وينطلق إلى تحديد مفهوم الرخو من الحروف قائلًا: ومنها الرخوة، وهي الهاء، والحاء، والغين، والخاء، والشين، والصاد، والضاد، والزاي، والسين، والظاء، والثاء، والذال، والفاء، وذلك إذا قلت: “امتصّ وانقضّ” وأشباه ذلك، أجريت فيه الصوت.

وبمثل الحالة السابقة لم يتضح الفرق بين المهموس والرخو، على وجه يمكن الاعتماد عليه، فكلاهما يتسم بجريان شيء ما، هو النفَس في المهموس والصوت في الرخو، وإذا ما فسرنا الصوت في تعريفه للرخو بالهواء، كان تعريفه مقبولًا، وهكذا يرى الدارس المدقق أنه من الصعب التفريق بين أفراد القبيلين: الجهر والشدة، ثم الهمس والرخاوة، تفريقًا يمكن الاعتماد عليه أو الائتناس به؛ ذلك لأن أسلوب التحديد لكل زوجين متشابه، إن لم يكن متماثلًا، وأن المصطلحات التي ينتظمها هذا الأسلوب متقاربة وغامضة في الوقت نفسه، كما في حال المصطلحين: النفَس والصوت.

السكاكي في (مفتاح العلوم):

وقد حاول السكاكي في (مفتاح العلوم) أن يأتي بتوضيح لهذا الأمر فزاده تعقيدًا، بل أكد لنا ما حسبناه خلطًا في مفهوم أفراد المجموعتين، يقول السكاكي: اعلم أنها، أي الحروف، عند المتقدمين تتنوع إلى مجهورةٍ ومهموسةٍ، وهي عندي كذلك، لكن على ما أذكره، وهو أن الجهرَ انحصارُ النَّفَسِ في مخرجِ الحرفِ، والهمس جرى ذلك فيه، ثم يقول: وإذا تم الانحصار كما في حروف قولك: أجدك قطبت، سميت شديدة، وإذا تم الجري سميت رخوة، أي: الهمزة، والجيم، والدال، والكاف، والقاف، والطاء، والباء، والتاء. فهذه المقولة السكاكية لم تأتِ بجديدٍ إلا أنها عبرت بوضوح لا يحتمل الشك أو التأويل عن الخلط بين الجهر والشدة، والهمس والرخاوة، في تحديدهم لمفهومات هذه المصطلحات.

المعيار الثالث: من حيث المخارج والأحياز:

ونقول: المخارج والأحياز؛ لأن المخرج يعني: النقطة الدقيقة التي يصدر منها أو عندها الصوت اللغوي، والحيز يعني: المنطقة التي قد ينسب إليها صوت أو أكثر، فتنعت به على ضرب من التعميم، وإن كان لكل صوت نقطة مخرج محددة، فالثاني- وهو الحيز- أوسع مساحة من الأول، المخرج، وهذا التفريق بين المصطلحين قد نبهنا إليها شيخ العربية الأول الخليل بن أحمد؛ فلله دره.

ونسبة الأصوات إلى مخارجها أو أحيازها يختلف اختلافًا واضحًا من لغةٍ إلى أخرى؛ ومن الطبيعي والمقرر عند الدارسين أن يختلف الناس في خبراتهم وعاداتهم في النطق من لغة إلى أخرى، بل من شخص إلى آخر في اللغة الواحدة، وقد يختلف الشخص الواحد في إصدار أصواته من وقتٍ إلى آخرَ، أو في مناسبةٍ وأخرى.

وذلك كله راجع إلى عوامل كثيرة، تأتي الخبرة والعادة العامة أو الخاصة على قمتها، وينضم إليها الأثر الاجتماعي والثقافي والتربوي عند كل أمة، أو مجموعة من الناس، أو شخص معين بذاته، هذا بالإضافة إلى ما قد يكون هناك من اختلافات فسيولوجية في بنية الجهاز النطقي، من حيث الاستواء أو عدم الاستواء في هذه البنية.

ومن هنا يصعب على أيِّ دارسٍ مدققٍ أن يضع معايير دقيقةً، توزع على وفاقها أصوات اللغة عامةً على أعضاء النطق؛ بحيث تصدق على كل الناطقين باللغات المختلفة، ربما يكون هناك نوع من الاتفاق في مخارج أو أحياز بعض الأصوات في بعض اللغات، أو مجموعة من أصحاب لغةٍ معينةٍ، ولكن هذا الاتفاق اتفاق زئبقي سطحي، لا يلبث أن ينضم إلى وجوهِ الاختلافات التي لا يمكن حصرها أو ضبطها.

ومع ذلك ليس هناك ما يمنع من الإشارة إلى وجوه الاتفاق إن وجدت في أصوات اللغات، أو المجموعات اللغوية من وقت إلى آخر؛ بغية المزيد من التوضيح، وتعميم الفائدة، أو قصدًا إلى الكشف عن نقطة جدلية، تتمثل في القول: بأن اللغات الطبيعية- أي اللغات الإنسانية- تتفق في جملةٍ كبيرةٍ من أساسياتها وجوهرياتها على كل المستويات، وهو منهج يميل إليه بعض الدارسين، بخاصة أهل الاتجاه التوليدي التحويلي لدارسة اللغة، الذين يأملون ويسعون إلى تشكيل ما يسمى بـ”القواعد اللغوية العالمية”.

بهذا نكتفي هنا بالتركيز على بيان مخارج أو أحياز أصوات العربية، كما يخبرها المصريون المتخصصون في هذه اللغة، وكما ينطقها مجيدو قراءة القرآن الكريم المصريون أيضًا، والتقييد بمصرية الناطقين بالعربية متخصصين كانوا أم قراء أمر ضروري وحتمي على حد تعبير الدكتور/ كمال بشر؛ ذلك لأن خبرة العرب باللغة العربية، نطقًا وأداءً أو ألفاظًا وصيغًا وتراكيبَ، تختلف من قطر عربي إلى آخر، على ما هو معروف، من ثم لا يمكن الادعاء بأن ما نصنعه هنا، وفي أي سياق آخر متصل بالأصوات ونطقها، ينطبق على كل الناطقين بالعربية، قد تكون هناك وجوه اتفاق في نطق بعض الأصوات بين العرب جميعًا، ولكنا لم نخبرها ولم نتعرفها تعرفًا يسمح لنا بعمومية الأحكام التي تقرر هنا في هذا الدرس.

وفي تقديمنا لمخارج أو أحياز الأصوات العربية بالقيد هذا، ينبغي أن يقرر منذ البدء أن الإشارة إلى موضع النطق بصيغة الإفراد، لا تعني أن موضع النطق يكون واحدًا، أو أن الصوت المعين صدر عن عضوٍ واحدٍ، وقد يشترك عضوان أو أكثر في إصدار الصوت اللغوي الواحد، وقد يكون موضع النطق ونقطة التقاء عضو بآخر، وحين نقول مثلًا: إن الراء صوت لثوي، ليس معناه أن اللثة وحدها هي موضع النطق؛ فاللسان شريك اللثة في هذه الحالة؛ إذ إن طرفه يلتقي باللثة حين النطق بهذا الصوت، فالتقاؤهما إذًا على هيئة خاصة هو الذي يحدد النطق.

وفيما يأتي بيان الفئات أو المجموعات الرئيسية للأصوات العربية حسب مواضع النطق المختلفة، هناك أصوات شفوية، أي: مخرجها من بين الشفتين، وهي الباء والميم، وكثيرًا ما يشار إلى الواو أيضًا بنحو “وعد” لأنها شفوية، وهَذَا مَا سَارَ عَلَيه علماء العربية في القديم، هذا الوصف ليس خطأً؛ لأن للشفتين دخلًا كبيرًا في نطق هذا الصوت، ولكن الوصف الأدق أن يقال: إن “الواو” من أقصى الحنك عند النطق بها يقترب اللسان من هذا الجزء من الحنك.

المخرج الذي بعده: أسنانية شفوية، وهي الفاء، ثم أسنانية، أو أصوات ما بين الأسنان، وهي الثاء والذال والظاء، ثم أسنانية لثوية، وهي: التاء والدال والضاد والطاء واللام والنون، ثم لثوية وهي الراء والزاي والسين والصاد.

الملاحظ أن مخرجي النطق السابقين أربعة وخمسة- أي أسنانية لثوية: وهي التاء والدال والضاد والطاء واللام والنون، ثم لثوية: وهي الراء والزاي والسين والصاد- الملاحظ هنا أنهما متقاربان لدرجة يصعب معها أحيانًا التفريق بينهما، ومما يفسر هذا التقارب ما سلكه بعض علماء الأصوات من ذكر “الزاي والسين والصاد” على أنها من مخرج “التاء والدال” وأخواتهما، ولكنا نشعر بحسب الخبرة، والنطق الشخصي- على حد تعبير الدكتور كمال بشر- أن هذه الأصوات أدخل قليلًا في النطق والموضع من أصوات المجموعة الرابعة، وهي الأسنانية اللثوية.

والمجموعة السادسة: أصوات لثوية حنكية، وهي الجيم الفصيحة والشين.

ثم المجموعة السابعة: أصوات وسط الحنك، وهي الياء فقط، من المهم أن نعلم أن بين الياء والجيم والشين قربًا شديدًا في المخرج، حتى إن بعض الدارسين سمى هذه الأصوات الثلاثة: أصوات وسط الحنك، وهذه الأصوات الثلاثة يسميها العرب في القديم: الأصوات الشجرية؛ نسبة إلى شجر الفم، فهي إذن من حيز واحد.

المجموعة الثامنة: أصوات أقصى الحنك، وهي الخاء والغين والكاف والواو.

المجموعة التاسعة: أصوات لهوية، وهي القاف، كما ننطقها اليوم في اللغة الفصيحة لا في اللهجات العامية.

المجموعة العاشرة: أصوات حلقية، وهي العين والحاء.

المجموعة الحادية عشرة: أصوات حنجرية، وهي الهمزة والهاء.

تلك هي الأنواع الرئيسة للأصوات العربية الصامتة، وما ذكر هنا يشير بوضوح إلى أن المخارج أو مواضع النطق أحد عشر.

أما علماء العربية في القديم: فأكثرهم على أنها ستة عشر مخرجًا، منها مخرجان للنون، وقد تحدث الكثيرون منهم عن هذه المخارج، ومن هؤلاء: الخليل بن أحمد، وسيبويه، وابن جني وغيرهم، ونلاحظ أن هناك شيئًا من التجاوز في كلام الخليل عند مناقشة هذه النقطة، وعلى الرغم من الدقة النسبية بترتيب سيبوبه للأصوات، وتوزيعها على مخارجها، فقد آثرنا تقديم ما أتى به ابن جني في هذا المقام؛ لتفوقه على سيبويه في هذه المسألة، بالإضافة إلى أن ما أتى به سيبويه هو في حقيقة الأمر الأساس الذي بنى عليه ابن جني عمله في هذا الشأن.

error: النص محمي !!