Top
Image Alt

معرفة الْأَيْمان وأقسامها، القسم على صيغة النذر أو الشرط، الحلف بـ”أقسم” أو “أشهد”، شروط الاستثناء المؤثر في اليمين

  /  معرفة الْأَيْمان وأقسامها، القسم على صيغة النذر أو الشرط، الحلف بـ”أقسم” أو “أشهد”، شروط الاستثناء المؤثر في اليمين

معرفة الْأَيْمان وأقسامها، القسم على صيغة النذر أو الشرط، الحلف بـ”أقسم” أو “أشهد”، شروط الاستثناء المؤثر في اليمين

معرفة الْأَيْمان المباحة وتمييزها:

1. مقدمة عن الْأَيْمان:

الأيمان: جمع يمين، وهي: القسم بالله تعالى على فعل شيء، أو على ترك شيء.

ابن قدامة: يبدأ بقوله: الأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها –يقصد الأَيْمَان، وهي: جمع يمين-: الكتاب، والسنة، والإجماع:

-أما الكتاب: فقول الله سبحانه: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] الآية، وقال تعالى: { وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91] وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال سبحانه: {وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِين} [يونس: 53] وقال تعالى: { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: 3] والثالث: { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7].

-وأما السُّنَّة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها؛ إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)) متفق عليه، وكان أكثر قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: ((ومصرف القلوب، ومقلب القلوب)) ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آيٍ وأخبار سوى هذين كثير، من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده)) أو ((والذي نفس محمد بيده)) وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها، ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليها.

ويقول ابن قدامة أيضًا في مقدمة كتاب الأيمان: وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين، ولا تصح من غير مكلف كالصبي والمجنون والنائم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاث)) ثم قال: وتصح اليمين من الكافر، وتلزمه الكفارة بالحنث، سواء حنث في كفره أو بعد إسلامه. وهذا الذي ذكره ابن قدامة لم يذكره ابن رشد.

2. قسَّم ابنُ رشد -رحمه الله- كتاب الْأَيْمان إلى جملتين:

بعد أن عنون ابن رشد -رحمه الله- لكتاب الأيمان، قال: وهذا الكتاب ينقسم أولًا إلى جملتين -أي: إلى بابين، أو إلى فصلين كبيرين يضم كل منهما مجموعة من المباحث أو المسائل والأحكام. 

الجملة الأولى: معرفة ضروب الْأَيْمان وأحكامها:

قال ابن رشد عن ذلك: وهذه الجملة فيها ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في معرفة الْأَيْمان المباحة، وتمييزها من غير المباحة.

الثاني: في معرفة الْأَيْمان اللغوية والمنعقدة.

الثالث: في معرفة الْأَيْمان التي ترفعها الكفارة، والتي لا ترفعها.

ثم قال:

الفصل الأول: في معرفة الْأَيْمان المباحة وتمييزها من غيرها:

قال رحمه الله-: واتفق الجمهور على أن الأشياء منها ما يجوز في الشرع أن يُقسم به، ومنها ما لا يجوز أن يُقسم به– ونلاحظ هنا أنه بدأ مباشرة بما يجوز القسم به- واختلفوا: أيّ الأشياء التي يجوز القسم بها؟ وأي الأشياء التي لا يجوز القسم بها؟

الرأي الأول: قال قوم: إن الحلف المباح في الشرع هو الحلف بالله، هذا محل اتفاق، وأن الحالف بغير الله عاصٍٍ، كمن يحلف بالنبي، أو الكعبة، أو غيرهما مما له تعظيم أو بعض التعظيم في النفوس.

الرأي الثاني: وقال قوم: بل يجوز الحلف بكل معظّم بالشرع، ما أوجب الشرع تعظيمه: كالكعبة، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى، أو المساجد عمومًا، أو النبي صلى الله عليه وسلم أو العلماء، أو نحو ذلك.

ثم قال: والذين قالوا: إن الْأَيْمان المباحة: هي الْأَيْمان بالله؛ اتفقوا على إباحة الْأَيْمان التي بأسماء الله: الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، الأسماء المعروفة؛ فالحلف بأيٍّ منها محل اتفاق عند جميع العلماء، أما الحلف بصفات الله: كالقدم، والبقاء، والحياة، والكلام، والوجود، والوحدانية، هذه تُسمى صفات: القدرة، الإرادة، وكذلك الأفعال، فقد اختلف العلماء في الْأَيْمان التي بصفاته وأفعاله، حيث أجازها الأئمة الأربعة؛ لأن الصفات والأفعال من ضمن التوحيد الخاص بالله سبحانه وتعالى توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات؛ فكذلك، هذا هو رأي الجمهور والأئمة الأربعة.

ثم ذكر ابن رشد -رحمه الله- السبب في اتفاق الفقهاء في جواز الحلف بالله وأسمائه الحسنى، والاختلاف في الحلف بصفاته وأفعاله، مع أن الجمهور أجازوا الحلف بالأسماء، والصفات، والأفعال، قال: سبب اختلافهم في الحلف بغير الله من الأشياء المعظمة بالشرع كالكعبة ونحوها: معارضة ظاهر الكتاب في ذلك للأثر؛ وذلك أن الله قد أقسم في الكتاب الكريم بأشياء كثيرة، مثل قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم:1] {وَالسَّمَاء وَالطَّارِق} [الطارق: 1] {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون} [التين: 1] إلى آخر هذه الأقسام الواردة في القرآن، فهذا يوحي ظاهره أنه كما أقسم الله تعالى بهذه الأشياء يجوز لنا أن نقسم بها، أما الأثر المتعارض مع هذا الظاهر؛ فهو ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)) رواه الجماعة، فالحديث ينهى عن الحلف بغير الله، وينص على ذلك: ((إن الله ينهاكم)) ولا يجيز الحلف إلا بالله: ((من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)) فمن جمع بين الأثر والكتاب بأن قال: إن الأشياء المقسوم بها الواردة في الكتاب فيها محذوف: وهو الله -تبارك وتعالى- وأن التقدير في: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}: ورب النجم، وفي: {وَالسَّمَاء وَالطَّارِق}: ورب السماء؛ فمن قدر هذا المحذوف؟ قال: الْأَيْمان المباحة هي الحلف بالله فقط، وما جاء بغير الله يكون مقدرًا على تقدير محذوف هو: الله -تبارك وتعالى.

ومن جمع بين الظاهر والأثر بأن المقصود بالحديث إنما هو ألا يعظم من لم يعظم الشرع، فنحن لا نعظم الآباء، ولا نعظم الأمهات؛ لأن الشرع لم يعظم ذلك؛ بدليل قوله فيه: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) أما تعظيم ما عظمه الشرع؛ فلا بأس، فيكون معنى ذلك -عند القائلين بجواز الحلف بكل ما عظمه الشرع-: أن هذا من باب الخاص أريد به العام؛ ولذلك أجاز هؤلاء الحلف بكل معظم في الشرع؛ فإذن سبب اختلافهم: هو اختلافهم في بناء الآيات التي فيها القسم بغير الله، والحديث.

ثم قال: وأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فضعيف؛ لأن الأئمة الأربعة وجمهور العلماء قالوا: ليس هناك انفكاك بين الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فضعيف، وسبب اختلافهم في الصفات والأفعال بعد اتفاقهم على الحلف بلفظ الجلالة والأسماء هو: هل يقتصر بالحديث: ((من كان حالفًا فليحلف بالله)) على لفظ الجلالة الوارد في الحديث؟ هل يقتصر بالحديث على ما جاء من تعليق الحكم فيه باسم الله فقط لفظ الجلالة، أو يعدّى الحلف بالله إلى الصفات والأفعال؟ لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود كثير.

 يرى ابن رشد أن رأي الجمهور من الأئمة الأربعة الذين أجازوا الحلف بالصفات والأفعال هو الرأي الصحيح، وتعليق الحلف فقط على لفظ الجلالة أو الأسماء هذا فيه جمود كثير، وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر الذين يأخذون بظاهر لفظ الحديث، وإن كان مرويًّا في المذهب -أي: المذهب المالكي- حكاه اللخمي، عن محمد بن الموّاز، لكنه قول غير معتمد.

الرأي الثالث: وشذت فرقة؛ فمنعت اليمين بالله عز وجل أي: لا يجوز الحلف مطلقًا، لا بالله، ولا بالصفات، ولا بالأفعال، هذا شذوذ، شذت فرقة فمنعت اليمين باللهعز وجل والحديث: ((من كان حالفًا فليحلف بالله)) نص في مخالفة هذا المذهب.

الفصل الثاني: الأيْمان اللغْوية والأيْمان المنعقدة:

يقول ابن رشد -رحمه الله-:  اتفق العلماء على أن الْأَيْمان منها لغو أو لاغية، ومنها منعقدة؛ لقوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ}  [المائدة: 89] وفي آية أخرى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] وهي مساوية لـ{عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} في المعنى؛ إذن في الآية الكريمة نوعان من الأَيْمان.

وقد اختلفوا في ماهية “اللغو” ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد – وهو رأي الجمهور- إلى أنها اليمين على الشيء، يظن الرجل أنه على يقين منه فيقسم ظنًّا منه أنه على يقين، فيخرج الشيء على خلاف ما حلف عليه، وهذا هو معنى اللغو عند جمهور الأئمة. وقال الشافعي: لغو اليمين ما لم تنعقد عليه النية، يعني: جرى به اللسان دون أن يجري به القلب، مثل ما جرت به العادة من قول الرجل في أثناء المخاطبة: لا والله، لا بالله، بلى والله، وهكذا، وتلك عادة مما يجري على الألسنة بالعادة من غير أن يعتقد لزومه، وهذا القول الذي قال به الشافعي رواه مالك في (الموطأ) عن عائشة، أما القول الأول الذي أخذ به الجمهور وهو غلبة الظن، أن يحلف الرجل على شيء يغلب على ظنه أنه على يقين منه، فيتبين خلاف ما أقسم عليه، هذا القول مروي عن الحسن بن أبي الحسن، وقتادة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، أما قول الشافعي فمروي عن السيدة عائشة رضي الله عنهاوكلا الروايتين -ما قاله الشافعي، وما قاله مالك- مروي في (الموطأ).

الفصل الثالث: الْأَيْمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها الكفارة:

اليمين الغموس:

وضح ابن رشد في الفصل الثالث معرفة الْأَيْمان التي ترفعها الكفارة، والأيمان التي لا ترفعها، وقد قسم هذا الفصل لأربع مسائل، هي:

المسألة الأولى: تتعلق باليمين الغموس، وهي: التي يعلم صاحبها أنه كاذب، ويقسم على هذا؛ فيكون متعمدًا للكذب، وسميت هذه اليمين يمينًا غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في النار، هل لهذه اليمين كفارة، أو توبة، أو يبقى الذنب إلى يوم القيامة حتى يغمس صاحبه -الذي تعمد الكذب وأقسم على ذلك- في النار، ثم يخرج منها برحمة الله تعالى؟ تلك هي المسألة الأولى.

قال ابن رشد: اختلفوا في الْأَيْمان بالله المنعقدة: هل يرفع جميعها الكفارة، سواء كان حلفًا على شيء ماضٍ أنه كان مع أنه لم يكن، وهي التي تعرف باليمين الغموس؟ وذلك إذا تعمد الكذب يحلف على شيء أنه حدث وهو يعلم أنه لم يحدث، وهو يعلم أنه كاذب، هذه اليمين الغموس لها كفارة؟ أو من يحلف على شيء مستقبل أنه يكون من قبل الحالف، أو من قبل من هو بسببه فلم يكن، يحلف على أنه سيفعل وهو يعلم ويتأكد أنه لن يفعل، أو يحلف أن فلانًا سيفعل وهو متيقن أنه لن يفعل، قال الجمهور: ليس في اليمين الغموس كفارة، وإنما الكفارة في الْأَيْمان التي تكون في المستقبل إذا خالف الحالف اليمين: حلف ألا يفعل وفعل، حلف أن يفعل ولم يفعل، هذه اليمين المنعقدة التي خالفها صاحبها تكون عليه الكفارة، أما الذي يعلم أنه كاذب فلا تفيد معه الكفارة، وممن قال بهذا القول: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، أي: جمهور العلماء، وخالفهم في ذلك الشافعي وجماعة، وقالوا: يجب فيها الكفارة، أي: في اليمين الغموس، مع أنها يمين غموس، وكبيرة من الكبائر، لكن ليس أمامنا إلا الكفارة، وقال الشافعي وجماعة: يجب فيها الكفارة، أي: تسقط الكفارة الإثم فيها، كما تسقطه في غير الغموس.

السبب في اختلاف الفقهاء على هذا النحو في: هل في اليمين الغموس كفارة، أو ليس فيها كفارة: معارضة عموم الكتاب للأثر، وذلك أن قوله تعالى: {وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] فالآية الكريمة دليل على أن اليمين المنعقدة، أيًّا كان صاحبها يعلم أنه كاذب أو لا يعلم، يفعل أو لم يفعل؛ فهي يمين منعقدة، وعليها كفارة، وتدخل فيها اليمين الغموس، وهذه الآية الكريمة توجب أن يكون في اليمين الغموس كفارة؛ لكونها من الْأَيْمان المنعقدة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة وأوجب له النار)) ظاهر الآية الأولى العموم، وهو أن جميع الْأَيْمان عليها كفارات، والكفارة تغفر الذنب أو الخطيئة، وظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه؛ أي: حلف على اقتطاع هذا الحق وهو يعلم أنه ليس حقه وأنه كاذب في ذلك؛حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار، والحديث رواه مسلم والنسائي، والمعنى: أن الله لن يغفر له، فالحديث يوجب أن اليمين الغموس ليس فيها كفارة، ولكن للشافعي أن يستثني من الْأَيْمان الغموس ما لا يُقتطع بها حق الغير، وهو الذي ورد فيه النص، يعني: يمكن أن يقول: إن هذا الحديث واقعة عين، فاليمين الغموس التي ليس فيها اقتطاع حق امرئ مسلم لا تدخل في هذا الحديث، أو يقول: إن الْأَيْمان التي يُقتطع بها حق الغير قد جَمعت الظلم والحنث؛ فوجب ألا تكون الكفارة تهدم الأمرين جميعًا، أو ليس يمكن فيها أن تهدم الحنث دون الظلم؛ لأن رفع الحنث بالكفارة إنما هو من باب التوبة، ولا تتبعض التوبة في الذنب الواحد بعينه، فإن تاب ورد المظلمة وكفَّر سقط عنه جميع الإثم، هذا ما قاله ابن رشد -رحمه الله- عن المسألة الأولى، وهي: اليمين الغموس: جمهور العلماء على أنه لا كفارة فيها؛ لأن صاحبها وجبت عليه النار، الشافعي وجماعة قالوا يجب فيها الكفارة؛ لأنها نوع من التوبة، والكفارة تسقط الإثم؛ لعموم الآية الكريمة.

المسألة الثانية: بعض العبارات هل تعد يمينًا، أو لا تعد يمينًا؟:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: اختلف العلماء فيمن قال: أنا كافر بالله، أو مشرك بالله، أو يهودي، أو نصراني إن فعلت كذا، ثم يفعل ذلك؛ هل عليه كفارة أم لا؟ هل هذه اليمين منعقدة أو لا؟:

قال مالك والشافعي: ليس عليه كفارة، وليست هذه يمين. وقال أبو حنيفة: هي يمين، وعليه فيها الكفارة إذا خالف اليمين، وهو قول أحمد بن حنبل أيضًا.

إذن هذه العبارات وأمثالها، هناك من يقول بأنها ليست يمينًا؛ وبالتالي ليس فيها كفارة، وهناك من يقول بأنها يمين وعليه فيها الكفارة، وسبب اختلافهم -كما يقول ابن رشد-: هو اختلافهم في: هل يجوز اليمين لكل ما له حرمة، أم ليس يجوز إلا بالله فقط؟ -كما سبق في: ما يجوز القسم به وما لا يجوز- هل يجوز بكل معظم في الشرع، أو لا يجوز إلا بالله؟.

يقول: ثم إن وقعت فهل تنعقد، أم لا؟ فمن رأى أن الْأَيْمان المنعقدة، أعني: التي هي بصيغ القسم إنما هي الْأَيْمان الواقعة بالله عز وجل وبأسمائه قال: لا كفارة فيها؛ إذ ليست بيمين؛ لأن اليمين تكون بالله، وقوله: أنا كافر، أو أنا مشرك، أو أنا يهودي، أو نصراني إن لم أفعل… ليست يمينًا بالله، ومن رأى أن الْأَيْمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته يحرم على المسلم أن يقول: أنا كافر، ويحرم عليه أن يقول: أنا مشرك، أو يهودي، أو نصراني، ومن رأى أن الْأَيْمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته قال: فيها الكفارة؛ لأن الحلف بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم، وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب ألا يترك التعظيم، فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه، كذلك من حلف بترك وجوب حق الله عليه لزمه.

المسألة الثالثة: يقول ابن رشد -رحمه الله-: اتفق الجمهور في الْأَيْمان التي ليست أقسامًا بشيء، وإنما تخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط من الشروط، وكأنه يريد أن يقول: “إن فعلت كذا فعليَّ كذا” هذه ليست صيغة قسم، ولكنها صيغة شرط وجوابه، الجمهور على هذه الألفاظ التي ليست أقسامًا، وإنما تخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط من الشروط، مثل أن يقول القائل: إن فعلت كذا فعلي مشي إلى بيت الله، أو إن فعلت كذا وكذا فغلامي حر، أو امرأتي طالق، كل هذه الأمثلة الجواب عنها أنها تلزم في القرب، يعني: جمهور العلماء على أن الشروط التي تصاغ صيغة الْأَيْمان إنما تلزم صاحبها في التقرب إلى الله في القرب، وفيما إذا التزمه الإنسان لزمه بالشرع، مثل الطلاق، والعتق، واختلفوا هل فيها كفارة أم لا؟ ذهب مالك إلى أنه لا كفارة فيها، وأنه إن لم يفعل ما حلف عليه أثم ولا بد، وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وغيرهم إلى أن هذا الجنس من الْأَيْمان -أي: أسلوب الشرط- فيها الكفارة إلا الطلاق والعتق، وقال أبو ثور: يُكفر من حلف بالعتق، وقول الشافعي مروي عن عائشة.

المسألة الرابعة: يقول ابن رشد: اختلف العلماء أيضًا في قول القائل: أقسم فقط من غير أن يقول: بالله، أقسم، أو أشهد إن كان كذا وكذا هل هو يمين، أم لا؟ قول القائل: أقسم، أو أشهد دون أن يأتي بلفظ الجلالة، أو بما عظمه الشرع، أو بصفة من صفات الله تعالى.

هناك ثلاثة أقوال:

القول الأول: إنه ليس بيمين، بل خبر، وهو أحد قولي الشافعي، وهو المعتمد.

القول الثاني: إنها أيمان؛ فهذا عكس القول الأول، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.

القول الثالث: إن أراد اللهَ بها لفظًا أو نيةً فهو يمين، وإن لم يرد اللهَ بها فليست بيمين، وهو مذهب مالك.

إذن مذهب الشافعي: أنها ليست يمينًا، مذهب أبي حنيفة وأحمد: أنها يمين، مذهب مالك: إن أراد الله بها كانت يمينًا، وإن لم يرد الله بها لم تكن يمينًا.

وفي سبب اختلافهم يقول ابن رشد: سبب الاختلاف هو: هل المراعى اعتبار صيغة اللفظ، أو اعتبار مفهومه بالعادة، أو اعتبار النية؟ هذه تساؤلات من العلماء، من اعتبر صيغة اللفظ: “أقسم”، فاعتبرها أيمانًا كما قال أبو حنيفة، ومنهم من اعتبر المفهوم، هذه ليست أيمانًا كما قال الشافعي، ومنهم من اعتبر النِّيَّة إن أراد الله بها -أي: النية- فهي يمين وهو الإمام مالك، فمن اعتبر صيغة اللفظ قال: ليست بيمين؛ لأن صيغة اليمين: أقسم بالله، أو بالله؛ إذ لم يكن هنالك نطق بمقسوم به، أي: لفظ الجلالة، ومن اعتبر صيغة اللفظ بالعادة قال: هي يمين؛ لأنه ماذا بعد قوله: أقسم، أو أشهد، وفي اللفظ محذوف ولا بد، وهو الله تعالى، فإن معنى قوله: أقسم أي: بالله، أو أشهد أي: أشهد الله، ومن لم يعتبر هذين الأمرين واعتبر النِّيَّة وهو الإمام مالك؛ إذ كان اللفظ صالحًا لكليهما -أي: للأمرين- فرق في ذلك كما تقدم.

الجملة الثانية: معرفة الأشياء الرافعة للأيمان اللازمة، أي: المنعقدة، وأحكامها:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: الجملة الثانية في معرفة الأشياء الرافعة للأيمان اللازمة وأحكامها، وهذه الجملة تنقسم أولًا قسمين:

القسم الأول: النظر في الاستثناء.

القسم الثاني: النظر في الكفارات.

القسم الأول من الجملة الثانية من كتاب الأيمان: النظر في الاستثناء، وفي هذا القسم فصلان:

الفصل الأول: في شروط الاستثناء المؤثر في اليمين.

الفصل الثاني: في تعريف الْأَيْمان التي يؤثر فيها الاستثناء من التي لا يؤثر.

المراد بالاستثناء:

الاستثناء -كما في قواعد اللغة العربية والنحو- هو أسلوب يدل على إخراج ما بعد “إلا” من حكم ما قبلها، فنحن نقول مثلًا: قرأت الكتاب إلا عشر صفحات، معنى هذه الجملة: أنني قرأت الكتاب هذا حكم، ما بعد “إلا” العشر صفحات: هذا استثناء من ذلك الحكم، معناه: أن هذه الصفحات العشر لم أقرأها، وإذا كانت “إلا” هي الأداة الرئيسية في الاستثناء في اللغة العربية، أو في النحو فإن هناك أدوات أخرى غيرها: ما عدا، ما حاشا، بما أو بدونها، وغير، وسوى، هذه أدوات تسمى: أدوات الاستثناء.

لكن المقصود بالاستثناء في الْأَيْمان ليس استخدام “إلا” وإن كان واردًا، وليس الاستثناء المقصود في النحو من حيث النصب أو الجر، وإنما المقصود: الاستثناء من حكم اليمين، فإذا كان حكم اليمين فعلًا أو عدم فعل؛ فإن الاستثناء يعني أمرين:

الأمر الأول: تعليق الحكم على المشيئة.

الأمر الثاني: إخراج ما بعد الأداة من حكم ما قبلها، بمعنى: أنه ليس داخلًا في اليمين، فإذا كنت حلفت على فعل شيء ثم استثنيت؛ فلهذا الاستثناء حكمه الذي يدل على أن ما بعده أو ما استثنيت، ليس داخلًا في الحكم، إلا أن هذا الاستثناء له شروط وضوابط، وهذا ما جعل ابن رشد -رحمه الله- يفرده بقسم من أقسام الجملة الثانية من كتاب الأيمان: النظر في الاستثناء.

بعد هذه المقدمة نستطيع أن نقف على مفهوم الفصل الأول وهو: شروط الاستثناء المؤثر في اليمين، والتأثير معناه: الخروج من هذه اليمين، أو الخروج من هذا الحكم.

 يقول ابن رشد: إن العلماء أجمعوا على أن الاستثناء بالجملة له تأثير في حل الأَيْمان؛ فالْأَيْمان تدل على الانعقاد، والاستثناء يدل على الحل -حل العقدة- لكن بشروط وضوابط، فبعد أن أجمع العلماء على أن الاستثناء له تأثير بالجملة في حل الْأَيْمان اختلفوا في شروط الاستثناء الذي يجب له هذا الحكم، والذي يُحدث ذلك التأثير، بعد أن أجمعوا على أنه إذا اجتمع في الاستثناء ثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون متناسقًا مع اليمين، ليس شيئًا غريبًا عليه، ولا غير متجانس معه، كما يقول علماء اللغة في الاستثناء المنقطع، يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه مثل: قام القوم إلا حمارًا، فالحمار المستثنى من غير جنس المستثنى منه، فالمستثنى منه عقلاء، والمستثنى غير عاقل، كذلك يشترط في الاستثناء الشرعي المؤثر في اليمين أن يكون متناسقًا مع اليمين؛ لأن ذلك وإن جاز في النحو الاستثناء المنقطع فإنه لا يجوز هاهنا.

الشرط الثاني: أن يكون ملفوظًا به، أي: منطوقًا به ومنصوصًا عليه.

الشرط الثالث: أن يكون مقصودًا من أول اليمين، أي: داخلًا في النية.

هذه الشروط الثلاثة هي التي أجمع العلماء على أنها إذا اجتمعت في الاستثناء أثرت في اليمين وجعلته غير منعقد فيما تم استثناؤه.

ثم يقول ابن رشد -رحمه الله- في التعقيب على هذه الجزئية: واختلفوا في هذه الثلاثة مواضع، أي: في كون الاستثناء متناسقًا مع اليمين، وكونه ملفوظًا به، وكونه مقصودًا من أول اليمين، واختلاف الفقهاء في هذه الثلاثة مواضع، بمعنى: إذا فرّق الاستثناء من اليمين، لم يكن متصلًا به ولا متناسقًا معه، أو نواه ولم ينطق به، يعني: لم يكن ملفوظًا لكنه داخل في النِّيَّة أو مقصودًا، مقابل الثالث: أو حدثت له نية الاستثناء بعد اليمين ولم يكن مقصودًا في أول اليمين.

المواضع الثلاثة التي اختلف العلماء فيها:

المسألة الأولى: اشتراط اتصال الاستثناء بالقسم:

فأما المسألة الأولى وهي: اشتراط اتصال الاستثناء بالقسم؛ فإن قومًا اشترطوا ذلك فيه، كما رأينا عند ابن قدامة والكمال بن الهمام، وهو مذهب مالك، وقال الشافعي: لا بأس بينهما بالسكتة الخفيفة؛ كسكتة الرجل للتذكر، أو للتنفس، أو لانقطاع الصوت، وقال قوم من التابعين: يجوز للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وكان ابن عباس يرى أن له الاستثناء أبدًا على ما ذكر منه متى ما ذكر.

وإنما اتفق الجميع على أن استثناء مشيئة الله -في الأمر المحلوف على فعله إن كان فعلًا أو على تركه إن كان تركًا- رافع لليمين، أي: لا يلزمه شيء ما دام قد علق المحلوف عليه على المشيئة؛ لأن الاستثناء هو رفع للزوم اليمين. قال أبو بكر بن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث)) وإنما اختلفوا: هل يؤثر في اليمين إذا لم توصل بها أو لا يؤثر.

إذن هناك اتفاق على أن معنى الاستثناء هو: إن شاء الله، وهذه الجملة التي هي استثناء يشترط فيها الاتصال، أو كما قال الشافعي: السكتة الخفيفة، فالاختلاف إذن: أن التأثير؛ هل يكون في اليمين عند عدم الاتصال، أو لا تأثير إذا لم يتحقق الاتصال؟ هذا هو سبب الاختلاف.

هل الاستثناء حال للانعقاد، أم هو مانع له من الانعقاد؟ فإذا قلنا: إنه مانع للانعقاد لا حال له اشترط أن يكون متصلًا باليمين، وإذا قلنا: إنه حال لم يلزم فيه ذلك؛ لأن الحل يكون بعد العقد، أما إذا كان مانعًا فالمقصود أن اليمين لم تنعقد أصلًا إذا كان الاستثناء متصلًا، والذين اتفقوا على أنه حال -أي: الاستثناء- اختلفوا: هل هو حال بالقرب، أي: في الاتصال القريب، والذكر القريب، أو بالبعد؟ على ما حكينا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله، لأغزون قريشًا )) وقد احتج من رأى أنه حال بالقرب بما رواه سعد، عن سماك بن حرب، عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والله، لأغزون قريشًا))، قالها ثلاث مرات، ثم سكت، ثم قال: ((إن شاء الله)) رواه أبو داود؛ فدل هذا على أن الاستثناء حال لليمين، لا مانع له من الانعقاد.

قالوا: ومن الدليل على أنه حال بالقرب: أنه لو كان حالًا بالبعد على ما رواه ابن عباس لكان الاستثناء يغني عن الكفارة، ولم يكن هناك حنث مطلقًا، والذي قالوه بيِّن.

نضيف إلى هذه الجزئية ما قاله ابن قدامة -رحمه الله- بعد الاتصال قال: ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم، منهم: الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم مخالفًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف فقال: إن شاء الله…)) والقول هو النطق، ولأن اليمين لا تنعقد بالنية فكذلك الاستثناء.

المسألة الثانية: اشتراط النطق في الاستثناء:

يقول ابن رشد: وأما اشتراط النطق باللسان فإنه اختلف فيه، فقيل: لا بد فيه من اشتراط اللفظ، أيُّ لفظ كان من ألفاظ الاستثناء، وسواء كان بألفاظ الاستثناء أو بتخصيص العموم: ما عدا، أو باستثناء كذا، أو بتقييد المطلق وهذا هو المشهور، وقيل: إنما ينفع الاستثناء بالنية بغير لفظ في حرف “إلا” فقط، أي: بما يدل عليه لفظ “إلا” وليس ينفع ذلك فيما سواه من الحروف، وهذه التفرقة ضعيفة، والسبب في هذا الاختلاف هو: هل تلزم العقود اللازمة بالنية فقط دون اللفظ، أو باللفظ والنية معًا مثل: الطلاق، والعتق، واليمين، وغير ذلك؟.

المسألة الثالثة: هل تنفع النِّيَّة الحادثة في الاستثناء بعد انقضاء اليمين؟:

من الشروط الثلاثة التي أجمع العلماء على أن الاستثناء لا يؤثر إلا إذا اجتمعت قولهم: أن يكون مقصودًا من أول اليمين.

وأما المسألة التالية، هي: هل تنفع النِّيَّة الحادثة في الاستثناء بعد انقضاء اليمين؟ فقيل أيضًا في المذهب -أي: المذهب المالكي-: إنها تنفع إذا حدثت متصلة باليمين، وقيل: بل إذا حدثت قبل أن يتم النطق باليمين، وقيل: بل الاستثناء على ضربين: استثناء من عدد، واستثناء من عموم بتخصيص، أو من مطلق بتقييد، فالاستثناء من العدد لا ينفع فيه إلا حدوث النِّيَّة قبل النطق باليمين، والاستثناء من العموم ينفع فيه حدوث النِّيَّة بعد اليمين إذا وصل الاستثناء نطقًا باليمين، فالعلماء مختلفون في اعتبار وقوع الاستثناء ضمن القصد، أو مقصودًا من أول الحلف باليمين، أو طرأ قصد الاستثناء بعد حلف اليمين، هذا هو سبب الاختلاف، فقيل: إن حدثت قبل انقضاء اليمين كان الاستثناء مؤثرًا، وإن حدثت قبل أن يتم النطق باليمين كان ذلك أيضًا مؤثرًا، أما إن حدثت بعد النطق باليمين أو لم تكن مقصودة قبل النطق باليمين فإن التأثير يزول.

والاختلاف هو: هل الاستثناء مانع للعقد، أو حال له؟ فإن قلنا: إنه مانع؛ فلا بد من اشتراط حدوث النِّيَّة في أول اليمين، وإن قلنا: إنه حال لم يلزم ذلك، وقد أنكر عبد الوهاب أنه يشترط حدوث النِّيَّة في أول اليمين للاتفاق، وزعم على أن الاستثناء حال لليمين كالكفارة سواء بسواء.

والراجح أن الاستثناء لا يؤثر إلا إذا كان متصلًا، ومنطوقًا به، ومقصودًا من أول اليمين، وقبل نطقها، وإلا كان الاستثناء عبثًا.

بعد هذا البيان لمفهوم الاستثناء، والمسائل التي اتفق العلماء عليها، أو الشروط التي اشترطها العلماء، والمواضع التي اختلفوا فيها من الاتصال، أو النطق، أو قصد النِّيَّة ننتقل إلى الفصل الثاني من الجملة الثانية في تعريف الْأَيْمان التي يؤثر فيها الاستثناء وغيرها:

يقول ابن رشد: وقد اختلفوا في الْأَيْمان التي يؤثر فيها استثناء مشيئة الله من التي لا يؤثر فيها؛ حيث قال مالك وأصحابه: لا تؤثر المشيئة إلا في الْأَيْمان التي تكفر، وهي اليمين بالله عندهم، أو النذر المطلق -على ما سيأتي- وأما الْأَيْمان الأخرى: الطلاق، والعتاق فلا يخلو أن يعلق الاستثناء في ذلك بمجرد الطلاق أو العتق فقط، مثل أن يقول: هي طالق إن شاء الله، أو عتيق إن شاء الله، وهذه ليست عندهم يمينًا، وإما أن يعلق الطلاق بشرط من الشروط مثل أن يقول: إن كان كذا فهي طالق إن شاء الله، أو إن كان كذا فهو عتيق إن شاء الله.

فأما القسم الأول، وهو عدم تعليق الطلاق بشرط: فلا خلاف في المذهب أن المشيئة غير مؤثرة فيه، يعني أن: من قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله فهي طالق، والمشيئة لا تؤثر.

وأما القسم الثاني، وهو أن يعلق الطلاق بشرط، وهو اليمين بالطلاق: ففي المذهب المالكي قولان: أصحهما: أنه إذا صرف الاستثناء إلى الشرط الذي علق به الطلاق صحَّ، وإن صرفه إلى نفس الطلاق لم يصح، وقال أبو حنيفة والشافعي: الاستثناء يؤثر في ذلك كله، سواء قرنه بالقول الذي مخرجه مخرج الشرط، أو بالقول الذي مخرجه مخرج الخبر.

وسبب الخلاف: ما قلناه من أن الاستثناء هل هو حال، أو مانع؛ فإذا قلنا: مانع وقرن بلفظ مجرد الطلاق فلا تأثير له فيه؛ إذ قد وقع الطلاق، أعني: إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ طالق إن شاء الله. فإنه يقع طلاقًا؛ لأن المانع إنما يقوم لما لم يقع وهو في المستقبل، وإن قلنا: إنه حال للعقود وجب أن يكون له تأثير في الطلاق، وإن كان قد وقع، فتأمل هذا فإنه بيِّن، ولا معنى لقول المالكية: إن الاستثناء في هذا مستحيل؛ لأن الطلاق قد وقع، إلا أن يعتقدوا أن الاستثناء هو مانع لا حال، فتأمل هذا فإنه ظاهر.

error: النص محمي !!