Top
Image Alt

معركة نهاوند، وبقية الفتوح في أرض فارس

  /  معركة نهاوند، وبقية الفتوح في أرض فارس

معركة نهاوند، وبقية الفتوح في أرض فارس

في (معجم البلدان) لياقوت الحموي: إشارة إلى أننا نستطيع أن ننطق هذه الكلمة بفتح النون وكسرها يعني نقول: نَهاوند ونِهاوند.

تقول الروايات: إن تطورات الأمور ترتب عليها أن يزدجرد تقهقر من بلد إلى بلد حتى صار إلى أصبهانَ، وصار مُبعدًا وطريدًا، ولكنه كان في قومه وأهله وماله، وكتب إلى ناحية نهاوند وما والاها من الجبال، حتى تتجمع قوات الفرس مرةً أخرى، وتستطيع أن تقف أمام هجوم المسلمين، تراسلوا وتجمعوا وتكون لهم من الجنود عدد هائل لم يجتمع لهم من قبل، وتقول الروايات: إن عددهم وصل إلى أكثر من مائة وخمسين ألف مقاتل، فبعث سعد بن أبي وقاص إلى عمر يخبره بهذه التطورات، وبأعداد قوات الفرس، وما حدث. في هذه الأثناء حدث تطور خطير ألا وهو انقلاب أهل الكوفة على سعد، ورَفْضهم لولاية سعد، فَشَكَوْه إلى الفاروق عمر بن الخطاب، وتعرضوا لكل شيء، حتى قالوا: إنه لا يحسن أن يصلي.

ذهب وفد من أهل الكوفة إلى عمر وقدموا له هذه الشكوى؛ فقال لهم: “إن الدليل على ما عندكم من الشر؛ نهوضكم في هذه الحال، وهو على هذا الأمر مستعد لقتال أعداء الله، وقد جمعوا لكم، وبالرغم من ذلك؛ فإن هذا لا يمنعني من أن أنظر في أمر شكايتكم”؛ ولكنه بدايةً شكك فيهم، وتخوف منهم، ومن هدفهم؛ بعث الفاروق محمد بن مسلمة وكان هو وزير الفاروق فيما يخص أمر العمال والولاة، يبعثه في كل أماكن العمال لمراقبتهم، ومحاسبتهم، والتحقيق معهم، وإبلاغه برسائل الفاروق، أو إحضارهم للمجيء، والمثول بين يدي عمر، وهكذا.

لما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر، والمساجد؛ الجميع يثني على سعد خيرًا، إلا ناحية معينة ظهرت منها هذه الشكوى؛ فإنهم سكتوا، ويلاحظ أنهم لم يذموا ولم يشكوا، حتى انتهى إلى بني عَبْس وقام له رجل منهم.

وقال: أما إذا سألتنا، فإن سعدًا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية.

فتوجه سعد عليه في هذه اللحظة، ودعا عليه، وقال: اللهم إن كان قالها كذبًا ورياءً وسمعةً، فأعم بصرَه، وكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن؛ فعمي، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بخبر المرأة، فلا يزال حتى يأتيها فيجسها، فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك.

استنفر محمد بن مسلمة أهلَ الكوفة لغزو أهل نهاوند، وفي غضون ذلك تحرك محمد بن مسلمة بجموع من المسلمين الذين يشكون سعدًا، وأخذ سعدًا، وذهب بالجميع إلى الفاروق عمر بن الخطاب، وجاءوا عمرَ، سأله عمر -سأل سعدًا- : “كيف تصلي؟”، فأخبره أنه يطوِّل في الركعتين الأُوليين ويخفف في الأُخريين، وقال: ما آلوا -يعني: ما أصنعه- هو ما اقتضيت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق.

قال سعد: لقد أسلمت خامس خمسة، وقد كنا وما لنا طعام إلا ورق الحُبلة، حتى تقرحت أشداقنا، وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله، ولقد جمع لي رسول الله صلى الله عليه  وسلم أبويه، وما جمعهما لأحد قبلي -يعني: قال: ((فداك أبي وأمي))، ثم أصبحت بنو أسد يقولون: لا يحسن يصلي!! -وفي رواية: يغرر بي على الإسلام- لقد خِبت إذًا وضل عملي، ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان؛ فأقره عمر على نيابته على الكوفة، وكان شيخًا كبيرًا من أشراف الصحابة، وتقول الروايات: إن سعدًا استمر معزولًا من غير عجز ولا خيانة، وكان الفاروق يهدد أولئك النفر، وكاد أن يوقع بهم بأسًا، ولكنه ترك ذلك؛ خوفًا من أن تتخوف الناس؛ فلا تشكوا أمراءها، ولا يشكوا أحدٌ أميرَه، بهذا سيكون خللًا في المجتمع المسلم عندما يمتنع الناس عن الشكوى من أمرائهم، خاصةً عندما يشعرون بنوع من الظلم، أو الاضطهاد، أو القسوة، أو غير ذلك.

نقول: إن الفرس اجتمعوا من كل فَج عميق بأرض نهاوند، وكما ذكرت اجتمع منهم ما يقرب من المائة ألف وخمسون ألف مقاتل، وعليهم قيادات ضخمة من بينهم وتعاهدوا فيما بينهم، وقالوا: إن محمدًا الذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا، ولا أبا بكر الذي قام بعده، كذلك لم يتعرض لنا في دار ملكنا، وإن عمرَ بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا، وأخذ بلادنا. هكذا كان موقفهم ورأيهم في الفاروق، ومن ثم أخذوا يتأهبون لقتال المسلمين، ووضعت الخطط لقتال الفرس.

تقول الروايات: إن الفرس تعبئوا تعبئةً عظيمة جدًّا، واصطفوا صفوفًا هائلةً، وتغلغل كثير منهم بعضهم في بعض، وألقوا حسك الحديد -قطع الحديد المسننة- وراء ظهورهم حتى لا يهرب أحد، ولا يتمكن أحد من الهرب ولا الفرار، والنعمان بن مقرن رضي الله  عنه كبر التكبيرة الأولى، كما اتفق مع جنوده، وهَزَّ الراية، فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضًا، ثم كبر الثالثة، وحمل وحمل الناس على المشركين، وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العُقاب على الفريسة، وتصافحوا بالسيوف وتقاتلوا قتالًا شديدًا لم يُعهد مثله، واستمر القتال ما بين الزوال إلى الظلام، وكثر القتلى حتى غطى القتلى وجه الأرض، بحيث إن الدواب كانت تطبع في الدماء، وأجساد هؤلاء القتلى.

تقول بعض الروايات: إن الأمير -وهو النعمان بن مقرن- زلق به حصانه في ذلك الدم، فوقع وجاءه سهم في خاصرته، فقتله، ولم يشعر به أحد سوى أخيه سهيل.

وأود أن أبين أن قتال المشركين أو الكفار لا يأتي على طبق من ذهب، بل دفع المسلمون فيه أثمانًا غاليةً، وباهظةً، دفعوا فيه أرواحَهم، وانتهت حياتهم، ولكنهم في انتظار الحياة الأخرى في جنات نعيم، بين يدي الله سبحانه وتعالى ما وُعد أحد بمثل ما وعد به الشهداء في كتاب الله سبحانه وتعالى هؤلاء يخرجون لقتال أعداء الله، وهم يعلمون بإمكانية ألا يعودوا مرةً أخرى إلى ذويهم، وإلى أهاليهم، وإلى أسرهم، هم خرجوا لله، وما يبذلون من جهد في سبيل الله. ولا يرجون إلا ثواب الله.

على أية حال ما صنعه الفرس لم ينفعهم، وتولى قيادة المسلمين سويد. وقيل: نُعيم، ودفعت الراية إلى حذيفة بن اليمان، فأقام حذيفة أخاه نعيمًا ابن مقرن مكانَه، وأمر بكتم موته؛ حتى لا يحدث خلل في صفوف المسلمين. انهزم المشركون وولوا مدبرين، وتبعهم المسلمون، وبالرغم من أن الكفار كانوا قد قرنوا أنفسهم بالسلاسل، وحفروا حولهم الخنادقَ، لكنهم لما انهزموا وقعوا في تلك الخنادق، وتلك الأودية، وجعلوا يتساقطون في أودية بلادهم، وهلك منهم بشر كثير.

وصلت هذه التطورات إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله  عنه وأرضاه، وكان أمير المؤمنين يدعو الله ليلًا ونهارًا، ويبتهل لله سبحانه وتعالى أن ينصر المسلمين، وكان ينتظر الأخبار حتى تأتيه؛ حتى يطمئن على وجود المسلمين، وعلى نصر المسلمين، وعندما جاءته البشرى، سأل عن القتلى وأخبر عن مقتل النعمان، بَكَى، وسأل عمن قُتِلَ من المسلمين، فقالوا له: فلان وفلان وفلان من أعيان الناس وأشرافهم، وبعض الصحابة، وغيرهم من التابعين، وكذا.

وثم قالوا له: وآخرون من أفناد الناس -أي: جماعتهم المجهولين- قتلوا في هذه المعركة ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين.

وهنا انفتح الفاروق رضي الله  عنه وجعل يبكي، وتنزل دموعه على خديه، وهو يقول: “وما ضرهم ألا يعرفهم أمير المؤمنين”، ما ضرهم ألا يعرفهم عمر، لكن الله سبحانه وتعالى يعرفهم بأوصافهم، وأشكالهم، وأسمائهم، وقد أكرمهم بالشهادة، ثم قَسَّمَ الخمس كعادته على المسلمين.

تذكر روايات التاريخ: في هذه الموقعة أتى بعض المقربين من قيادات الفرس، وأتوا بـصِفطين” كبيرين، وكانَا مملوءين بالذهب والفضة، وهي أمانة لقائد من قواد الفرس؛ فأتوا بالصفطين، وتركوهم عند الفاروق عمر بن الخطاب. وتقول الروايات: إن الفاروق قسم الخُمس، ولكنه لم يقسم الصفطين، ورجعت الرسل من حيث أتت؛ فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم البريد، وأتوا بهم، يقول أحدهم: لَمَّا أنخت بعيري بالكوفة، أتاني البريد، وقال لي: أجب أمير المؤمنين، فقلت: لماذا؟

قال: لا أدري، فرجعنا على إثرنا حتى انتهينا إليه، فقال: ما لي وما لك يا ابن أم السائب -الذي أتى بهذه الأموال- فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: ويحك! والله ما هو إلا أن نِمتَ في الليلة التي خرجتَ فيها، فباتت ملائكة الله تسحبني إلى هذين الصفطين وهما يشتعلان نارًا، ويقولون: لنكوينَّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين، فيقول -لمن أتى بهما-: اذهب، لا أب لكَ، فبِعْهما فقسمهما بالسوية بين المسلمين، وعلى أرزاقهم.

وهذا يرينا إلى أي مدى كانت شدة الفاروق على نفسه، وتخوفه من هذه الأموال الفاروق لا يشك فيه فإنه سوف يقسم هذه الأموال،لكنها تركت هذه الليلة في منزل الفاروق.

بداية نقول: إن المسلمين تمكنوا من فتح حلوان، وكذلك توجهوا لفتح تكريت والموصل.

وتقول الروايات: اجتمع أهل تكريت والموصل تحت قيادة رجل من الفرس يُسمى “الأنطام”، وعندما وصلت هذه الأخبار إلى الفاروق عمر بن الخطاب، أمر بتعيين جيش، وعلى رأس هذا الجيش عبد الله بن المعتم، واجتمع الروم مع نصارى العرب لقتال المسلمين، لكن حدث في هذه الأثناء أن استطاع المسلمون أن يراسلوا العرب، ويدعوهم للدخول في الإسلام.

وتقول بعض الروايات: أنهم أسلموا وتعاهدوا مع المسلمين في وضع خطة مشتركة يتم تنفيذها، وبِناءً على هذه الخطة -بفضل الله سبحانه وتعالى تم النصر، وكانت هذه الخطة سببًا في نصر المسلمين. ترتب على هذا أن القوات المسلمة توجهت مباشرةً إلى الموصل، وتم فتح الموصل، ووضعت الجزية على أهل الكتاب الذين في هذه المناطق، واضطروا إلى دفع الجزية.

كذلك من بين المناطق التي فتحت في تلك المرحلة “ماسبذان”، وهي من أهم أعمال العراق، وتمت مراسلة الخليفة عمر بن الخطاب، ورد عمر بإرسال جيش بقيادة ضرار بن الخطاب، وتقدم هذا الجيش، واستطاع إلحاق الهزيمة بالفرس، وتم فتح “ماسبذان”، وضُربت الجزية على مَن لم يُسلم منهم.

كذلك من بين المناطق التي فتحت في تلك المرحلة تم فتح “قرقيسياء”، وتمت مراسلة عمرَ، وتقول الروايات: إنه أمر بإرسال جيش بقيادة عمر بن مالك بن عتبة بن عبد مناف، وهذا الرجل تمكَّن من فتح “قرقيسياء” وتمكن من ضرب الجزية، وكذلك ضربت الجزية على “هيت”.

كذلك فتحت الأهواز في تلك المنطقة، وفتحت “تستر”، وتقول الروايات: إن “تُستر” فتحت مرتين، المرة الأولى: فتحت صلحًا هكذا، أما المرة الثانية؛ فإنها فتحت عُنْوةً، ولم يكتف بالمرة الأولى التي نقض أهلها الصلح وخرجوا على أميرهم، ومن ثم في المرة الثانية فتحت عنوة، ولم تفتح صلحًا.

كذلك تم غزو بلاد فارس من منطقة البحرين بما يعرف “بالخليج العربي” اليوم، وكذلك تم فتح “السوس”.

error: النص محمي !!