Top
Image Alt

معنى الإقرار لغة واصطلاحًا، ودليل مشروعيته

  /  معنى الإقرار لغة واصطلاحًا، ودليل مشروعيته

معنى الإقرار لغة واصطلاحًا، ودليل مشروعيته

الإقرار لغةً:

كلمة “الإقرار” مصدر فعل “أقرّ” ثلاثي منه “قَرّ” بالمكان قرارًا وقرورة، أي: أقام به، وقَرّ سكن واطمأن، وأقرّ فلانا بالمكان ثبته وسكنه، وأقر لفلان بحقه أذعن له، واعترف بهذا الحق.

الإقرار في اصطلاح الفقهاء:

“الإقرار” هو: إخبار المرء بحق عليه لآخر. إخبار من جانب شخص وهو المُقر بحق وهو  المُقَرّ به هذا الحق عليه، وليس له، حق عليه للآخر.

فرق بين الإقرار والشهادة واضح؛ لأن الشهادة إخبار بحق للغير على الغير، إنّما الإخبار بحق  للمقر على الغير هذه دعوى إدعاء يسمى مدعي، وإنما الإقرار إخبار بحق على المقر لآخر.

وجاء في مجلة الأحكام العدلية في المادة 1572 في تعريف الإقرار بأنه: “إخبار الإنسان بحق عليه لآخر” وهو نَفس المعنى تقريبًا. وعَرّفه بَعضُ المالكية بأنه: “إخبار عن ثبوت حق الغير على نفسه، وليس بإثباته”  يعني معناه هذا الحق ثبت  عنده، والإقرار فقط لا يكفي لتحويل هذا الثبوت إلى إثبات، لكنه وسيلة كاشفة فقط، إنما الذي يقوم بإثبات هذا الحق إنما هو قاض أو حاكم عندما يأخذ بهذا الإقرار.

والإقرار كما هو معلوم من أقوى وسائل الإثبات؛ لأن الحكم بالإقرار مقطوع به، أما غيرُ الإقرار من طرق الإثبات؛ فمبني على الظن فهو ظني، كما أنّ الإقرار خبرٌ صادق أو صدقه راجح 

دليل مشروعية الإقرار:

 الكتاب والسنة، والإجماع، والمعقول:

أولًا: الكتاب:  الكتاب قوله تعالى في آية المداينة: {وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} [البقرة: 282] قوله: “الذي عليه الحق” يعني هو المقر. “فليملل” يعني الذي  يُخبر الكاتب والكاتب يكتب ما يخبره به المُقر؛ لأنه بمثابة اعتراف، بل هو اعتراف بالفعل، {وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ} يعني المقر، يتقي الله ويعلم أن الله يراه ويراقبه، ولا يبخس أي شيء من الحق.

وجه الاستدلال بها: أن الله عز وجل أمَرَ مَنْ عليه الحق بالإملال {وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ} وإملال من عليه الحق إقرار بالحق الذي عليه فيلزمه، وإلا لما أمر الله به يعني: أمره أن يُملل، الأمر بهذا نوع من الاعتراف والإقرار، والالتزام عند الطلب، ولذلك أمر الله به، ولو لم يكن ملزمًا لما أمر الله به، لقال: “إن شئت”.

آية أخرى هي قوله تعالى: {كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] {قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ} يعني: يقومون بالعدل إحقاق الحق، وإبطالُ الباطل. {شُهَدَآءِ للّهِ} أي: اشهدوا شهادة تبتغون بها وجه الله، وتكون بالضرورة شهادة حق.

{وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ} أي: الإنسان يشهد على نفسه، وهذا هو الإقرار بعينه؛   الشهادة على النفس  إقرار  .

هذا وهناك آيات أخرى: {يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ} [المائدة: 8] هذا بالنسبة للكتاب.

ثانيًا: السنة: هناك أخبار كثيرة: كخبر الصحيحين ما معناه ((أن رجلين اختلفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله، احكم بيننا بكتاب الله، وقال الآخر وكان أفقه من صاحبه: نعم يا رسول الله احكم بيننا بكتاب الله وأذن لي، قال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفًا -أي أجيرًا- عند هذا؛ فزنى بامرأته، فقال بعض أهل العلم: إنّ عليك مائة شاة وعليك كذا وكذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أما المال فرد عليك، وأما ابنك فعليه الجلد وتغريب عام؛ ثم قال: يا أنيس، اغد إلى امرأة هذا فاسألها، فإن اعترفت فارجمها، قال: فذهب إليها وسألها فاعترفت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها)).

الشاهد هو: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعامله أنيس: ((اغد إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت -أي: أقرت- فارجمها)) وهذا معناه أنها الإقرار وسيلة من وسائل الإثبات، بل هو من أوائل وسائل الإثبات، ولا يحتاج الأمر معه بعد ذلك إلى بينات يقوم بإثباتها المدعي.

ثالثا: الإجماع: قد أجْمَعَ العُلماءُ على أنَّ الإقرار وسيلة من وسائل الإثبات، ولم ينكر ذلك واحد من أهل العلم لا قديمًا ولا حديثًا.

رابعا: العقل: العقل السليم يشهد بأن الإقرار وسيلة قوية وطريق واضح من أهم وسائل الإثبات؛ فالعقل السليم يقضي بأن الإقرار من حيث إنه كان مترددًا بين الصدق والكذب، يعني المُقر كان مترددًا بين الصدق والكذب؛ لكن ظهر رُجحان الصدق على الكذب لوجود الداعي إلى الصدق كالخوف من الله، أو خوف العقوبة إلى آخره.

ووجد الصارف عن الكذب وهو نفسه الأمارة بالسوء، التي تحمله على الكذب في حق غيره، أما في حق نفسه فلا، من المستبعد أن يُقر الإنسان على نفسه بباطل؛ لكن الإنسان أن يكون مدفوعًا دفعًا إلى الإقرار؛ حتى يستريح من عناء الضمير، ومن عذابه وسياطه؛ فيقر ويعترف إذًا فالعقل يقتضي أنّ الإقرار حجة، وأن الغالب فيه الصدق.

والإقرار وإن كان من أقوى الأدلة؛ فإنه حجة مقصورة على المقر فقط، فلا تتعداه إلى غيره فمثلًا لو أقر شخص بالزنا بامرأة ما؛ ثبت الجرم عليه دون المرأة، وقد ثبت هذا في بعض الأحاديث أن رجلًا أقر بالزنا، وقال: إنه زنا بفلانة، فلما سُئلت قالت: إنها أقسمت على أنها لا تعرفه، وكذلك لو أقر إنسان بدين عليه وعلى فلان، فإنّ الدين يثبت عليه دون فلان.

مزايا الإقرار ومحاسنة:

من أهم محاسنه وأشهر مزاياه:

أولًا: أنه يوصل الحق إلى صاحبه؛ ففيه نفع لصاحب الحق، والطريق قريب.

ثانيًا: وفيه إرضاء للخالق سبحانه وتعالى، الذي يعلم السر وأخفى، ويحب الحق لأنه الحق.

ثالثًا: وفيه حمد الناس؛ فالناس يحمدون المقر بصدق القول، ويصفونه بوفاء العهد؛ فالشجاعة الأدبية طهارة النفس، إذًا فهذه كلها مزايا حقيقية للإقرار جعلته من أهم وسائل الإثبات، لدرجة أن بعض الناس يقولون: “إن الإقرار هو سيد الأدلة”.

error: النص محمي !!