Top
Image Alt

معنى الاختلاف, وبيان أهمية هذا المبحث

  /  معنى الاختلاف, وبيان أهمية هذا المبحث

معنى الاختلاف, وبيان أهمية هذا المبحث

1. معنى الاختلاف:

هو ما يُوهِم التعارض بين آيات القرآن الكريم، وكلام الله جل جلاله منزَّه عن الاختلاف، كما قال -جلَّ في علاه-: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82]، ولكن قد يقع للمبتدأ ما يُوهم اختلافًا، وليس به اختلاف في الحقيقة؛ ولذلك احتجنا إلى معرفة هذا المبحث؛ لإزالة ما يُمكن أن يتعلَّق بأذهان بعض الطلاب المبتدئين من اختلاف، أو تعارض بين آيات القرآن الكريم.

وقد صنَّف كثير من أهل العلم بعض الكتب التي تُعالج هذه القضية، كما صنَّفوا أيضًا في مختلف الحديث، وجمعوا بين الآيات التي يظهر منها تعارض، وليس الأمر كذلك، وكذلك الأحاديث جمعوا بينها، وبيَّنوا كيف يُرفع الإشكال في مثل ذلك، وقد ألَّف الإمام النحوي أبو علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب -وهو أحد العلماء بالنحو واللغة من البصريين، وممَّن أخذ عن سيبويه- تصنيفًا حسنًا جمعه على الصور، يُعالج به ما يمكن أن يظهر من تعارض، وليس الأمر على الحقيقة فيه لون من ألوان التعارض.

كما تكلَّم الصدر الأول في ما يظهر للمبتدئ من تعارض، كما فعل ابن عباس -رحمه الله، تبارك وتعالى- وغيره، وقد وفَّق الحسن البصري -رحمه الله- بين قول الله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 51]، وبين قوله {وَوَاعَدْنَا مُوسَىَ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمّ مِيقَاتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] بأن قال: ليس المراد في آية الأعراف على ظاهرة من أن الوعد كان ثلاثين ليلة، ثم بعد ذلك وعده بعشر، لكنه وعده أربعين ليلة جميعًا. وقيل في الجَمْع بين الآيتين: تجري آية الأعراف على ظاهره من أن الوعد كان ثلاثين، ثم أتمَّ بالعشر فاستقرَّت الأربعون، ثم أخبر في آية البقرة بما استقرَّ، يعني: أنه أُتمَّ بالعشر كانت ثلاثينَ، فأتَمَّ بالعشر، فبدأ بذلك أنه أربعون -والحمد الله- فلا تعارض ولا خلاف.

وذكر ذلك الخطابي -رحمه الله- وقال: سمعت عن أبي هريرة رضي الله عنه يحكي عن أبي العباس بن سريج قال: سأل رجل بعض العلماء عن قول الله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1]؛ فأخبر سبحانه أنه لا يُقسم بهذا، ثم أقسم به في قوله: {وَهَـَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ} [التين: 3] فقال ابن سريج: أيُّ الأمرين أحبُّ أليك؛ أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال: بل اقطعني ثم أجبني. فقال: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال، وبين ظهراني قوم، وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزًا، وعليه مطعنًا، فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلَّقوا به، وأسرعوا بالرَّدِّ عليه، ولكن القوم علموا وجهلت، فلم يُنكروا منه ما أنكرتَ، ثم قال: له إن العرب قد تُدخل “لا” في أثناء كلامها، وتلغي معناها، وأنشد فيه أبياتًا.

والقاعدة في هذا وأشباهه: أن الألفاظ إذا اختلفت، وكان مرجعها إلى أمر واحد؛ لم يُوجب ذلك اختلافًا.

وللإمام الغزالي -رحمه الله، تبارك وتعالى- كلام نفيس في معنى الاختلاف، أذكره في هذا المقام، وذلك عندما سُئل -رحمه الله تبارك وتعالى- عن معنى قول الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82] فأجاب -رحمه الله، تبارك وتعالى- بما صوَّرته: الاختلاف لفظٌ مشترك بين معانٍ، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يُقال: هذا كلام مختلف أي: لا يشبه أوله آخره في الفصاحة؛ إذ هو مختلف بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا، أو هو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يُخالفه.

وكلام الله -تبارك وتعالى- منزَّه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم، مناسب أوله آخره، وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغثِّ والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين.

وكلام الآدميين يتطرَّق إليه هذه الاختلافات؛ إذ كلام الشعراء والمترسِّلين إذا قيس عليه وُجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلافٌ في درجات الفصاحة؛ بل في أصل الفصاحة، حتى يشتمل على الغثِّ والسمين، فلا تتساوى رسالتان، ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة؛ لأن الشعراء والفصحاء في كلِّ وادٍ يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمُّونها، وتارة يمدحون الجُبن فيسمُّونه حزمًا، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفًا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمُّونها صراحة، وتارة يذمونها ويسمونها تهوُّرًا، ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات؛ لأن منشأ هذه الاختلافات اختلاف الأغراض واختلاف الأحوال، والإنسان تختلف أحواله؛ فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، ويتعذر عليه عند الانقباض.

ولذلك تختلف أغراضه، فيميل إلى الشيء مرَّة، ويميل عنه أخرى؛ فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافًا في كلامه بالضرورة، فلا تصادف اللسان يتكلَّم في ثلاثٍ وعشرين سنة، وهي مدة نزول القرآن الكريم، فيتكلم على غرض واحد، وعلى منهج واحد، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرًا تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه، أو كلام غيره من البشر؛ لوجد فيه اختلاف كثير.

فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن، وكيف يكون هذا المراد، وقد قال تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، وما أحسن هذا الكلام الذي بيَّنَّا فيه أن القرآن الكريم على نسق واحد، وكلام واحد، وسيق لأغراض واضحة واحدة تَصُبُّ في منحً واحد، بخلاف كلام البشر، فهو كلام ربِّ البشر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلَّم به من خلال الوحي الذي يوحيه ربه إليه.

وقد قال الإمام أبو بكر الصيرفي في (شرح رسالة الإمام الشافعي): جماع الاختلاف والتناقض أن كلَّ كلام صحَّ أن يُضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجهٍ من الوجوه؛ فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ ما ضادَّه من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء، ولن يُوجد في الكتاب ولا في السنة شيءٌ من ذلك أبدًا، وإنما يُوجد فيه النسخ في وقتيه بأن يُوجب حكمًا ثم يحله، وهذا لا تناقض فيه. وتناقض الكلام لا يكون إلا في إثبات ما نُفي، أو نفي ما أُثبت؛ بحيث يشترك المثبت والمنفي في الاسم، والحدث، والزمان، والأفعال، والحقيقة.

فلو كان الاسم حقيقةً في أحدهما وفي الآخر مستعارًا، ونفى أحدهما وأثبت الآخر؛ لم يُعَدُّ تناقضًا، هذا كله في الأسماء. وأما المعاني -وهو باب القياس- فكل من أوجد علة وحرَّرها، وأوجب بها حكمًا من الأحكام، ثم ادَّعى تلك العلَّة بعينها فيما يأباه الحكم؛ فقد تناقض، فإن رَامَ الفرق لم يُسمع منه؛ لأنه في فرقه تناقص، والزيادة في العلة نقص، أو تقصير عن تحريرها في الابتداء، وليس هذا على السائل، وكل مسألة يُسأل عنها فلا تخلو من أحد وجهين: إما أن يسأل فيما يستحقُّ الجواب عنه أو لا.

فأما المستحقُّ للجواب فهو ما يمكنه كونه، ويجوز، وأما ما استحال كونه فلا يستحق جوابًا؛ لأن من علم أنه لا يجتمع القيام والقعود، فسأل هل يكون الإنسان قائمًا منتصبًا جالسًا في حال واحدة، فقد أحال وسأل عن مُحال، فلا يستحق الجواب، فإن كان لا يعرف القيام والقعود عُرِّفَ، فإذا عرفه فقد استحال عنده ما سأله. قال: أعني الإمام أبو بكر الصيرفي: وقد رأيت كثيرًا ممَّن يَتَعَاطَى العلم يَسْأَل عن المُحال، ولا يدري أنه مُحال، ويُجاب عنه. والآفات تدخل على هؤلاء لقلَّة علمهم بحق الكلام.

وهذا في الحقيقة يُبيِّن أهمية هذا المبحث، وأهمية دراسته، وأن القرآن الكريم في الحقيقة ليس فيه اختلاف، أو تضارب، أو تناقض، وإنما التضارب والتناقض والاختلاف يأتي في أفهام الناس، وليس في القرآن الكريم من ذلك شيء.

في الحقيقة: أردت أن أُبيِّن معنى الاختلاف، وأن أُبيِّن أيضًا أهمية هذا البحث، وذكر بعض أقوال أهل العلم فيه ممَّا يدفع وجود تناقض في كتاب الله عز وجل حتى لا يظنَّ ظانٌّ بأن هناك آيات يضرب بعضها بعضًا، والقرآن الكريم بعيد عن كل ذلك.

2. بيان أهمية هذا المبحث مع ذكر أمثلة ظاهرها التعارض ودفعها:

لا بد أيضًا أن أركز على أهمية دراستنا لهذا الموضوع، ثم بعد ذلك أضرب أمثلة يظهر للناظر من أول وَهْلَةٍ، خاصة للمبتدئين أن فيها لونًا من ألوان التعارض، ثم أدفع هذا التعارض -إن شاء الله تبارك وتعالى- بما ذكره أهل العلم، وقد بيَّنت -فيما سبق- أن الإمام النحوي اللغوي قطرب -رحمه الله تبارك وتعالى- صنَّف مصنفًا حسنًا، دفع به ما قيل عن الكتاب والقرآن الكريم، وذكر بعض الآيات التي يُوهم ظاهرها التعارض بين الآيات، وبيَّن أنه لا تعارض، وكلام رب العالمين سبحانه وتعالى، كما ذكرت- منَزَّه عن ذلك؛ قال تعالى: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9].

وسأذكر هنا حكاية أو موقفًا جاء عن ابن عباس رضي الله عنه عندما سأله رجل عن أشياء اختلفت عليه، فأجاب ابن عباس عن هذه الأشياء، وبيَّن وجه الحق فيها، ومن ذلك ما ذكره الإمام عبد الرزاق -رحمه الله تعالى- في تفسيره قال: أنبأنا معمر عن رجل عن المنهال بن عمر، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس  فقال: رأيت أشياء تختلف عليَّ من القرآن، فقال ابن عباس رضي الله عنه: ما هو، أشكٌّ؟ قال: لا. ليس بشك، ولكنه اختلاف -يعني: يستفصل ابن عباس هل هذا الرجل يشك في الدين أو في القرآن، أم أن الأمر قد اختلف عليه؟ فأخبر بأن الأمر اختلاف وليس لديه شك- فقال له ابن عباس رضي الله عنه: هاتِ ما اختلف عليك من ذلك. قال: أسمع الله يقول: {ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، وقال: {يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرّسُولَ لَوْ تُسَوّىَ بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42]، فقد كتموا.

يعني: أن الآية الأولى ذكرت أنهم قالوا بأنهم لم يكونوا مشركين، والآية التالية قال الله -تبارك وتعالى- فيها: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً} فقد كتموا هنا.

وذكر أيضًا من الأشياء التي اختلفت عليه أن الله -تبارك وتعالى- قال: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101]، فنفى أن يكون بينهم أنساب، أو أن يقع بينهم تساؤل أو حوار، ثم قال الله بعد ذلك: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون:102] فأثبت هنا تساؤل يقع بين هؤلاء، وقال أيضًا: {قُلْ أَإِنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَآءً لّلسّآئِلِينَ (10) ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} -حتى بلغ- {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}..، ثم قال في الآية الأخرى: {أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا} [النازعات: 27]، ثم قال: {وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] يعني: أن هناك آية ذكرت أن الله عز وجل بدأ خلق الأرض أولًا، وآية أخرى بينت أن الخلق ربما قد وقع بعد خلق السماء فكان متأخِّرًا.

كما قال أيضًا بأنه سمع الله تعالى يقول: “كان الله” قال ما شأنه يقول: وكان الله بعد ذلك”، فأجاب ابن عباس -رحمه الله، تبارك وتعالى- دافعًا التناقض الذي وقع فيه هذا الرجل قال له: أما قوله: {ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، فإنهم لمَّا رَأَوْا يوم القيامة، وأن الله يغفر الذنوب ولا يغفر شركًا، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحده المشركون رجاء أن يغفر الله -تبارك وتعالى- لهم، فقالوا: {وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ} عندئذٍ ختم الله -تبارك وتعالى- على أفواههم، فتكلَّمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {إِنّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوَاْ إِلَى الصّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىَ يُرَآءُونَ النّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاّ قَلِيلاً} [النساء: 142].

وأما قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} فإنه إذا نُفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىَ}، ثم نفخ فيه أخرى {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68]، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الطور: 25]. وأما قوله تعالى: {قُلْ أَإِنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]؛ فإن الأرض خلقت قبل السماء، وكانت السماء دخانًا، فسواهنَّ سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَآءً لّلسّآئِلِينَ} [فصلت: 10] يقول: جعل الله -تبارك وتعالى- فيها الجبال كما جعل فيها الأنهار كما جعل فيها الأشجار والبحار، وكان هذا الجعل بعد خلق السماء.

وأما قوله تعالى: {وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38] فإن الله كان ولم يزل كذلك، وهو سبحانه وتعالى كذلك عزيز حكيم عليم قدير، لم يزلْ كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهو يُشبه ما ذكرت لك، وإن الله لم ينزِّل شيئًا إلا وقد أصاب الذي أراد {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاّ هُوَ} [الأعراف: 187]، هذا الحديث الذي ذكرته الآن عن ابن عباس أخرجه بطوله الحاكم في (المستدرك) وصححه، وأصل هذا الحديث في الصحيح، قال ابن حجر -رحمه الله، تبارك وتعالى- في شرحه:

حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع:

الأول: نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها.

الثاني: كتمان المشركين حالهم وإفشاءه.

الثالث: خلق الأرض أو السماء أيُّهما تقدَّم.

الرابع: الإتيان بحرف كان الدالة على المُضِيِّ مع أن الصفة لازمة.

وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المُسَائلة فيما قبل النفخة الثانية، وإثباتها فيما بعد ذلك، وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم، وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوَّة، ثم خلق السموات فسواهن في يومين، ثم دَحَا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين، فتلك أربعة أيام للأرض، وعن الرابع بأن “كان” وإن كانت للماضي لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل المراد أنه لم يزلْ كذلك، وهذا أيضًا توضيح جميل من الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله، تبارك وتعالى.

مثال آخر أو موضع آخر اختلفت فيه الآراء عند بعض الناس، وفي ذلك يقول ابن أبي مُليكة: سأل رجل ابن عباس -رضي الله تبارك وتعالى عنهما- عن قول الله تعالى: {يُدَبّرُ الأمْرَ مِنَ السّمَآءِ إِلَى الأرْضِ ثُمّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ} [السجدة: 5]، وعن قوله: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4]، فقال ابن عباس رضي الله عنه: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله، أعلم بهما.

وقد ذكر ابن أبي حاتم -رحمه الله، تبارك وتعالى- هذا القول عن ابن عباس، وزاد فيه ما أدري ما هما، وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم، قال ابن أبي مليكه -رحمه الله، تبارك وتعالى-: دخلت على سعيد بن المسيب فسُئل عن ذلك، فلم يدرِ ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس فأخبرته؟! فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيهما، وهو أعلم منِّي.

وروي عن ابن عباس أيضًا أن يوم الألف: هو مقدار سير الأمر وعُرُوجه إليه، ويوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات، ويوم الخمسين ألفًا هو يوم القيامة. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق سِمَاك عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلًا قال له: حدثني ما هؤلاء الآيات: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، و{تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4]، وأيضًا {وَإِنّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ} [الحج: 47] فقال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة. والسموات في ستة أيام كل يوم يكون ألف سنة {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ} [السجدة: 5].

قال: ذلك مقدار المسير، وذهب بعضهم إلى أن المراد بهما يوم القيامة، وأنه باعتبار حال المؤمن والكفار بدليل قوله تعالى: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر: 9- 10] يعني: قال البعض: بأن الاختلاف في الأزمان، أو في الأوقات، أو في هذه الآيات إنما هو باعتبار حال المؤمن وحال الكافر، فهو بالنسبة للمؤمن كألف سنة، وبالنسبة للكافر كخمسين ألف سنة؛ لأن الله أخبر أن هذا اليوم على الكافرين عسير، وأنه عليهم غير يسير.

error: النص محمي !!