Top
Image Alt

معنى الاشتقاق، وأقسامه

  /  معنى الاشتقاق، وأقسامه

معنى الاشتقاق، وأقسامه

إن الاشتقاق هو افتعال من الشق بمعنى الاقتطاع، من: انشقت العصا إذا تفرقت أجزاؤها، فإن معنى المادة الواحدة تتوزع على ألفاظ كثيرة متقطعة منها، أو أنها من شققت الثوب والخشبة، فيكون كل جزء منها مناسبًا لصاحبه في المادة والصورة، وهو يقع باعتبار حالين:

الحال الأولى: أن ترى لفظين اشتركَا في الحروف الأصلية والمعنى، وتريد أن تعلم أيهما أصل أو فرع؟

الحال الثانية: أن ترى لفظًا قضت القواعد بأن مثله أصل، وتريد أن تبني منه لفظًا آخرَ.

والأولى تقع باعتبار عام غالبًا، والثانية باعتبار خاص، إما بحسب الإحالة على الأولى، أو بحسب ما يخصها، فمن الأولى الكلام في المصدر والفعل أيهما أصل والآخر فرع، ومن الثانية الكلام في كيفية بناء اسم الفاعل من له الطلاق مثلًا.

واعلم أن الأسماء المشتقة تفيد المعرفة بذات الشيء وصفته، ولقد قال ابن السمعاني في ذلك للحسن بن هانئ:

إِنَّ اسْمَ حُسْنٍ لوَجْهِها صِفَةٌ

*ولا أَرَى ذا لَغَيْرِها اجتْمَعَا

فَهي إِذا سُمَيَتْ فقدْ وصِفَتْ

*فيَجْمَعُ اللَّفْظُ مَعْنَيَيْنِ مَعَا

وقد قال الأئمة -رحمهم الله-: الاشتقاق من أشرف علوم اللغة العربية وأدقها، وعليه مدار التصريف في معرفة الأصلي والزائد والأسماء والأفعال لبنية يحتاج إلى معرفتها في الاشتقاق، وتوقف عليه في النحو.

والكلام في الاشتقاق يكون في مواطن:

– الموطن الأول: في ثبوته، وقد حكى ابن الخشاب فيه ثلاثة مذاهب:

الأول: جوازه مطلقًا، فيشتق ما يمكن اشتقاقه، وما يبعد أو يستحيل، قاله ابن درستويه.

يقول الإمام الزركشي: وكذلك أبو إسحاق الزجاجي صنف كتابًا وذكر فيه اشتقاقَ جميع الأشياء.

الثاني: منعه مطلقًا، وليس في الكلام مشتقٌ من آخر، بل الجميع موضوعٌ بلفظ جديد، وهو مذهب محمد بن إبراهيم المعروف بنفطويه، قال: وكان ظاهريًّا في ذا، وفي مذهبه، وكان من أجلة أصحاب داود الظاهري، ووافقه أبو بكر بن مقسم المقري. وهذان المذهبان طرفان.

الثالث -وهو الصحيح المشهور- وعليه الحذاق من علم أهل اللسان: الخليل، وسيبويه، والأصمعي، وأبي عبيد، وقطرب… وغيرهم-: أن في الكلام مشتقًّا وغير مشتق، وهو المرتجل.

قال ابن السراج: لو جملت المصادر وارتفع الاشتقاق من كل كلام لم توجد صفة لموصوف، ولا فعل لفاعل، ولولا الاشتقاقُ لاحتيج في موضع الجزء من الكلمة إلى كلام كثير، ألا ترى كيف تدل التاء في “تضرب” على معنى المخاطبة والاستقبال، والياء في “يضرب” على معنى الغيبة والاستقبال، وكذا باقي حروف المضارعة، ولو جعل لكل معنى لفظ يتبين به من غير أصل يرجع إليه لانتشر الكلام، وبعُد الإفهام، ونقصت القوة.

– الموطن الثاني: في حد الاشتقاق، قال الرُّماني: هو اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريف الأصل.

قال ابن الخشاب: وهذا الحد صحيح، وهو عام لكل اشتقاق صناعي وغير صناعي، وقال الرماني في موضع آخر: هو الإنشاءُ عن الأصل فرعًا يدل عليه، وهو أيضًا ما يكون منه النحت والتغيير لإخراج الأصل بالتأمل، كأنك تشق الشيء ليخرج منه الأصل، وكأن الأصل مدفون فيه، فأنت تشقه لتخرجه منه.

قال ابن الخشاب: وظاهره أنك استخرجتَ الأصل من الفرع، وإنما الحق أنه رد الفرع إلى أصله بمعنى جمعهما، وهو خاصٌّ في أصل الوضع بالأصل.

يقول الإمام الميداني -رحمه الله-: الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبًا في المعنى والتركيب، فترد أحدُهما إلى الآخر.

وقال صاحب (الكشاف): أن ينتظم من الصفتين فصاعدًا معنى واحد، وهو غير مانع، أي: أن هذا التعريف غير مانع من دخول غيره فيه، فإن الضارب والمضروب قد انتظمَا في معنى واحد -وهو الضرب- مع أنه لا اشتقاقَ فيهما، وكذلك ينتظم الأفعال كلها في معنى واحد، وهو معنى المصدر مع أن بعضها ليس مشتقًّا من بعض، لكن الظاهر أن مراده أن الاشتقاق يكون من ذلك المعنى الذي ينتظمهما، وهو الضرب مثلًا.

والتحقيق أن الاشتقاق يحد تارة باعتبار العلم، وتارة باعتبار العمل، ففي الأول -أي: باعتبار العلم- إذا أردت تقرير أن الكلمة مما اشتقت فإنك تردها إلى آخر لتعرف أنها مشتقة، وفي الثاني -أي: باعتبار العمل- إذا أردت أن تشق الكلمة من شيء فإنك تأخذها منه، وقد جعلتها مشتقة منه، فالتفاوت إنما يحصل من الرد والأخذ، فهذا قبل الاشتقاق، والأول بعده.

والمختار على الأول: أن يقال في تعريف الاشتقاق أنه رد لفظ إلى آخر أبسط معنًى منه؛ حقيقةً أو مجازًا، لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية، كضارب وضرب من ضَرْب، فحكمنا باشتقاق: ضرب وضارب؛ لأن ضربًا أبسط منه، والبسيط قبل المركب؛ فشمل اللفظ الأسماء والأفعال على المذهبين والحروف.

قال ابن جني: الاشتقاق كما يقع في الأسماء يقع في الحروف، فإن نعم حرفُ جواب، وأرى أن نعم والنعم والنعماء والنعيم مشتقة منه، وكذلك: أنعم صباحًا؛ لأن الجواب به محبوب للقلوب، وكذلك: سوفت من سوف، الذي هو حرف تنفيس، ولوليت إذا قلتَ له: لولا، وليليت إذا قلت: لا لا، ثم قد يكون المعنى في المشتق حقيقة: كضارب من الضرب، وقد يكون مجازًا على جهة الاتساع نحو: ضرب في الغنيمة وغيرها بسهم، أي: أخذ، وضارَبَ لفلان بماله، ومال فلان ضربت أي: نيل؛ لأنهم كانوا إذا اقتسموا غنيمة أو غيرها ضربوا عليها بسهام القرعة، وهي الأقلام، ثم اطرد ذلك في كل من أخذ نصيبًا من شيء قد ضرب فيه بسهم، والمضاربة بالمال مشتقة من الضرب في الأرض، وهو السفر؛ لأن المضارب يسافر عالمًا ليطلب الربح، ثم اطرد ذلك في كل مسافر وإن لم يضارب.

وخرج باشتراط المناسبة ما لا يناسبه أصلًا، وبالحروف عما لا يوافقه في الحروف، بل في المعنى: كمنع وحبس، فلا يقال: إن أحدهما مشتقٌ من الآخر، وبالأصلية خرج التناسب في الزيادة: كدخل، فإنه مشتق من الدخول مع أنه غير موافق لمصدره في الواو؛ لأنها زائدة، والمناسبة في المعنى ما يوافق في اللفظ دون المعنى كضرب بمعنى سافر، لا يكون مشتقًّا من الضرب بمعنى القتل، وشرَطَ بعضهم الترتيب في الحروف، أي: أن تبقى حروف الأصل في الفرع على ترتيبها في الأصل، وترجع تفاريع المادة الواحدة منه إلى معنًى مشترك في الجملة: كضرب من الضرب، وكما دل قولنا: “إلى آخره” على تغاير اللفظين، كذلك قولنا: “لمناسبة بينهما في المعنى” يدل على تغاير المعنيين؛ إذ الشيء لا يناسب نفسه، وحينئذٍ فلا يرد المعدول؛ لأنه لا مناسبةَ بين المعدول والمعدول عنه في المعنى.

– الموطن الثالث: في فائدته، وقد سبق الكلام عنه في أول الدرس، وقال ابن الحوبي: فائدته تسهيل السبل على الواضع والمتعلم جميعًا، فإن المعنى الواحد في الحقيقة يختلف بالعوارض، فإن وضع لكل واحد اسم على حِدة من حروف متباينة احتاج الواضع إلى صيغ كثيرة، والمتعلم احتاج إلى حفظ أفراد كثيرة، فإذا قال الواضع: ما على وزن الفاعل من كل فعل هو لفاعل ذلك الفعل لم يحتج إلى وضع الضارب، والشاتم، والمتعلم… وغيرهم، أما المتعلم إذا علم ضرب علم الضارب والمضروب، والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، والغيبة والحضور، وهذا هو عمدة اللغة العربية.

– الموطن الرابع: في تقسيمه، وينقسم الاشتقاق إلى أصغر وأكبر وأوسط.

فالأصغر: ما كانت الحروف الأصلية فيه مستوية في التركيب نحو: ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب.

والأكبر: ما كانت الحروف فيه غير مركبة كالتراكيب الستة في كل من جهة دلالتها على القوة، فترد مادة اللفظين فصاعدًا إلى معنًى واحد، ونحو ما ذهب إليه ابن جني من عقد التغاليب الستة في القول على معنى السرعة والخفة نحو: القول، والقلو، والولق، والوقل، واللوق، وكذلك الكلام على الشدة كالملك، والكمل، واللكم.

قال الشيخ أبو حيان: ولم يقل بهذا الاشتقاق الأكبر أحد من النحويين إلا أبا الفتح، وحكي عن أبي علي الفارسي أنه كان يتأنس به في بعض المواضع. قال أبو حيان: والصحيح أن هذا الاشتقاق غير معول عليه لعدم اطراده.

يقول الإمام الزركشي: قد ذهب إليه أبو الحسن بن فارس، وبنَى عليه كتابه (المقاييس في اللغة)، فيورد تراكيب المادة المختلفة، ويردها إلى معنى واحد مشترك بينهما، وقد يكون ظاهرًا في بعضها خفيًّا في البعض الآخر، فيحتاج في رده إلى ذلك المعنى إلى تلطف واتساع في اللغة، ومعرفة المناسبات مثاله من مادة “ص ر ب”: تصبر، وتربص، وتبصر، والتراكيب الثلاثة راجعة إلى معنى التأني نحو: تصبر على فلان إنه معسر ثم طالِبه، وكقول الشاعر:

تربص بها ريب المنون لعلها

*تطلق يومًا أو يموت حليلها

ومن مادة “عبر” -العين، والباء، والراء- يرد: عبر، وربع، وبعر، وبرع، ورعب، وهذه المادة ترجع إلى معنى الانتقال والمجاوزة، ومن ذلك “حسد” فيأتي منها: حسد، ودحس، وحدس، ترجع إلى معنى التضييق، والحدس جودة الفراسة وإصابتها؛ لأن الحادس يضيِّق مجال الحكم حتى يتعين له محكوم واحد.

أما الاشتقاق الأوسط: فهو أن تتفق أكثر حروف الكلمة كفلق، وفلح، وفلد، يدل على الشق، ووقع هذا في كلام الزمخشري في مواضع كثيرة.

– الموطن الخامس: في أركانه، وأركان الاشتقاق أربعة، هي: المشتق، والمشتق منه، والمشاركة بينهما في الحروف الأصلية، والرابع: التغيير اللاحق، فلا بد من التغيير اللفظي، ويحصل التغيير المعنوي بطريق التبع.

– الموطن السادس: في أقسامه، ولم يذكره الإمام فخر الدين الرازي من أقسام التغبير غير تسعة، وذكر لها مثالين أو ثلاثة، وأعرض عن الباقي ظنًّا منه سهولة استخراجها، وذكر ابن الخباز الموصلي أنها كلمة مشكلة التحصيل، وأنه ما يتأتى له استخراجها إلا بعد إطالة الفكر وإدامة الذكر، وأنه مر عليه زمان وهو آيس من تحصيلها، وأنه بحث فيها مع شيخه فخر الدين عمر النحوي الموصلي فلم يزده على صورة أو صورتين. قال: ثم مَنَّ الله تعالى بفتح رتاج الإشكال فذكر أمثلة التسعة، وذكرها رضي الدين بن جعفر البغدادي والقاضي ناصر الدين البيضاوي، وزاد عليها ستة أقسام؛ فبلغت خمسة عشر، وقال ابن جعفر: لا تمكن الزيادة عليه، ورأيت للشيخ جمال الدين بن مالك زيادة عليها تسعة أخرى؛ فبلغت أربعة وعشرين. قال: والذي ينبغي أن يُسأل عن أمثلة تغيير المشتق بالنسبة إلى المشتق منه ليدخل في ذلك الفعل فإنه أصل في الاشتقاق؛ إذ لا فعل إلا وهو مشتق من مصدر مستعمل أو مصدر مقدر، والاسم تبع له؛ ولذلك كثر منه الجمود.

وبعد ذلك فالاعتبار الصحيح يقتضي كون المشتق بالنسبة إلى مباينة المشتق منه عشرين قسمًا أو أكثر من ذلك:

أولها: زيادة الحرف فقط، نحو: كاذب من الكذب، وضاحك من الضحك، وكريم من الكرم، وجزوع من الجزع، زيدت فيه الحروف: الألف، والياء، والواو، ومثّله ابن السراج الأرموي بـ”طالب”، وقال: زيدت فيه الألف، ثم أورد عليه سؤالًا، وهو: فإن قلت: فيما ذكرتم زيادة حركة مع نقصانها فإنكم نقصتم فتحة اللام التي هي عين الفعل وزدتم كسرتها؟ وأجاب عنه فقال: المعني بزيادة الحركة تحريك الساكن، وبنقصانها تسكين المتحرك، وإبدال حركة بحركة ليس من الزيادة والنقصان المذكورين في شيء، ولو جعلنا إبدال حركة بحركة زيادة حركة ونقصان أخرى لكان كاذبًا من الكذب مثالًا له.

قال الشيخ جمال الدين بن الشريشي: وهذا كلام صحيح إلا أن قوله: “ولو جعلنا إبدال حركة…” إلى آخره لا يحتاج إليه، فإنه إبدال حركة بحركة لا زيادة ولا نقصان، وإن كان قد ينزع به، وإنما المراد بالزيادة والنقصان ما قاله أولًا من تحريك الساكن وتسكين المتحرك، وهو المراد بالزيادة والنقصان عند أرباب العربية على ما هو مذكور في التصريف.

ثانيها: زيادة الحركة فقط، نحو: عَلِمَ من العلم، وضرب من الضرب، وظَرُفَ من الظُّرف، زيدت حركة اللام والراء فإنها سواكن في المصدر، ومثّله ابن جعفر بقوله: طلب من الطلب، وقيل: زيدت في الفعل حركة البناء التي في آخره، وفيه نزاعٌ سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى.

ثالثها: زيادتهما معًا -أي: زيادة الحرف والحركة- كضارب، وعالم، وفاضل، زيدت الألف وحركة عين الكلمة، ومثّله ابن جعفر بـ”طالب” الفعل الماضي، قال: وهو مشتق من الطلب، زيدت فيه الألف وفتحة البناء، وهو فاسد؛ لأن طالب إنما هو مشتق من المطالبة، كذا قاله ابن الشريشي. قلت: الظاهر أن ابن جعفر إنما أراد طالب اسم فاعل، وبذلك مثّله ابن مالك.

رابعها: نقصان الحرف كخرج من الخروج، وصهل من الصهيل، وذهب من الذهاب، نقص منه الواو والياء والألف، ومثّله السراج الأرموي بشرس من الشراسة، قال: نقصت منه الألف والتاء، ومثّله الإمام البيضاوي وابن جعفر بـ”خف” فعل أمر من الخوف نقصت الواو، واعترض عليه بعضهم بأن الفاء صارت في هذه ساكنة بعد أن كانت متحركة؛ فاجتمع في هذا المثال نقصان الحرف والحركة معًا.

وقال ابن الشريشي: هذا المثال غير جيد؛ لأن عين الكلمة -وهي الواو- لم تحذف لأجل الاشتقاق، وإنما حذفت لأجل التقاء الساكنين، ألا ترى أنها تعود عند تحريك الآخر فيما إذا اتصل ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث في قولك: خافا، وخافوا، وخافي، وليس الكلام إلا فيما حذف لأجل الاشتقاق حتى يقع به المغايرة بين المشتق والمشتق منه.

وأما الحذف لالتقاء الساكنين فلعلة أخرى بعد حصول صورة المشتق، ألا ترى أن قولنا: “خافا” قد عاد فيه المحذوف مع بقاء الكلمة مشتقة معبرة عن أصلها، وحق هذه الألف أن تكون واوًا متحركة لتقع المغايرة بين الفعل والمصدر بحركة هذه الواو، فإنها في المصدر ساكنة وحقها أن تكون في الفعل متحركة، ولكن طرأ عليها الاعتلال فانقلبت ألفًا ساكنة، ثم حذف بعد ذلك لالتقاء الساكنين لا للاشتقاق، وكلامنا إنما هو فيما حذف للاشتقاق.

خامسها: نقصان الحركة كأبيض من البياض، وأصبح من الصباح، ونحو: اطلب، واحذر، واضرب، فإنه نقص منها حركات أوائلها فإنها متحركة في المصدر ساكنة في الفعل، فإن قيل: هذه غير مطابقة فإن فيها ألفًا زائدة في أوائلها، فينبغي أن يذكر فيما زيد فيه حرف ونقصت منه حركة، والجواب: أن الألف التي في أوائلها غير معتد بها في الاشتقاق، فإن صورة المشتق حاصلة بدونها في قولك: “يا زيد اضرب”، وما أشبهها، فالألف ساقطة مع أن صورة الفعل المشتقة حاصلة، وإنما يجاء بها في بعض الأحوال -وهو الابتداء بها- لسكون أوائلها، وتعذر الابتداء بالساكن، ومثله البيضاوي بـ”ضرب”، المصدر من “ضرب” الماضي على مذهب الكوفيين في اشتقاقهم المصدر من الفعل الماضي، ومثّله ابن مالك بـ”ثار” من الثأر مصدر ثير المكان إذا كثرت حجارته، ومنه كما مثّله ابن جعفر بـ”احرر” اسم فاعل من “حرر” الماضي، فقد نقصت منه حركة البناء التي في الفعل، وهو بناء على أصله من اعتبار حركة البناء في صيغة الفعل الماضي.

سادسها: نقصانهما معًا -أي: الحركة والحرف- نحو: سر من السير، بع من البيع، نقصت الياء وحركة الراء من الأول، والياء وحركة العين من الثاني، ومثله ابن مالك بحيي من الحياة، ومثّله الإمام الأرموي بعصي من العصيان، وقال: نقص منه الألف والنون والفتحة التي كانت على الياء في المصدر، ومثّله ابن الخباز بنزى وغلى من النزوان والغليان، ومثّله ابن جعفر بعد من العد، فنقصت منه ألف وحركة الدال، وفي هذه الأمثلة كلها نظر؛ لأن سقوط الحركة فيها إنما هو بسكون آخر الأفعال في: عصي، ونزى، وغلا، وعد، وسكون لام الكلمة وحركتها لا يعتبران في صيغة الكلمة وبنيتها، وإنما الاعتبار بالحشو، ألا ترى أن هذا السكون قد يزول مع بقاء صورة الكلمة على حالها، ولا يعد زواله مغيرًا للكلمة، وذلك من قولنا: عصي، ونزو، وغلي، وعدا، وإنما الاعتبار في التغيير بما إذا تغير من صورة الكلمة وبنيتها.

ولقائل أن يقول: إنما تحرك آخر هذه الأفعال لاتصال الضمائر بها، وكان الأصل سكونها، فيكون القول الأول صحيحًا.

سابعها: زيادة حرف ونقصان حرف، نحو: تدحرج من الدحرجة، نقص هاء التأنيث وزادت التاء، وهذا القسم أهمله السراج الأرموي، ومثّله ابن جعفر بديان من الديانة، وقال: نقصت منه التاء، وزيدت فيه الياء المدغمة الساكنة، ثم قال: وفيه نظر، ومثّله ابن مالك برءوف من الرأفة.

ثامنها: زيادة الحركة ونقصان حركة أخرى، نحو: اضرب، واعلم، واشرب، نقص منها حركات فاء الكلمة، وزيدت فيها حركات عينها، وألف الوصل لا اعتبار بها كما تقدم، ومثله الإمام البيضاوي بحذر من الحذر، زيدت فيه كسرة الذال ونقصت فتحته، ومثّله ابن جعفر بكرم من الكرم، وشرف من الشرف، قال: نقصت حركة الراء من المصدر، وزيدت فيه ضمة الراء في شرف وكسرتها، والحق أن هذه الأمثلة غير مطابقة، وليس فيها نقصان ولا زيادة، وإنما هو إبدال، والإبدال -كما سبق أن قلنا- أنه ليس زيادة ولا نقصان.

تاسعها: زيادة الحرف ونقصان الحركة، نحو: تُحرر، وتُعرج، زيد فيه حرف المضارعة ونقص منه فتحة الحاء والياء، وذكر البيضاوي وابن جعفر في مثاله عاد من العدد، زيدت فيه الألف بعد العين، ونقصت حركة الدال الأولى، وفيه نظر؛ لأن الدال المدغمة أصلها الحركة، وإنما سكنت وأدغمت لمعنى آخر غير الاشتقاق، وهو توالي المثلين والنظائر، ومثّله ابن السراج الأرموي بأكرم من الكرم، زيدت فيه الألف، ونقصت حركة الكاف، وفيه نظر؛ لأن أكرم مشتق من الإكرام الذي هو مصدر لدلالته عليه، ولو جعل الإكرام هو المشتق أولًا لحصل به الغرض.

عاشرها: زيادة الحركة ونقصان الحرف، نحو: قدر، وكتب، ورحم من القدرة، والكتابة، والرحمة، وحرم من الحرمان، ونقص من النقصان، نقص من الأول التاء، ومن الأخيرين الألف والنون، وزيد فيها كلها حركات العينات، ومثّله الإمام البيضاوي وابن جعفر ببنيت من البنيان، قال: نقصت الألف، وزيدت فيه فتحة البناء في الفعل، وسيأتي أن حركة البناء لا يعتد بها.

حادي عشرها: زيادة الحرف والحركة معًا مع نقصان حركة أخرى، نحو: يضرب، زيد فيه حرف المضارعة وحركة عين الكلمة، ونقص منه حركة فاء الكلمة، ومثّله البيضاوي وابن جعفر وقال: زيدت فيه الهمزة، ونقصت حركة الضاد؛ فجعل الهمزة وحركتها زائدتين، وقد تقدم الكلام عليه، وبينا أن الزيادة إنما تعتبر في الحركة بأن تكون على ما كان ساكنًا في الأصل، وأن الألف المتحركة زائدة واحدة.

ثاني عشرها: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه، نحو: قادر، وعاصم، وراحم، وكاتب، زيد فيها الألف وحركة العينات، ونقص منها التاء التي هي أواخرها، ومثّله البيضاوي وابن جعفر بخاف من الخوف، وقال: نقصت الواو، وزيدت الألف، وفتحت الفاء، ولا يخفى بما تقدم فساده.

ثالث عشرها: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها، نحو: انصر من النصرة، وارحم من الرحمة، واقدر من القدرة، زيد فيها حركات العينات، ونقص منها تاء التأنيث وحركات فاء الكلمة وحركتها، ومثّله البيضاوي بعد من الوعد، زيدت فيه كسرة العين ونقصت الواو وحركة الدال، ولا يخفى ما فيه مما تقدم.

رابع عشرها: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه، نحو: يخرج، ويقصد، زيد فيه حرف المضارعة، ونقص منه الواو التي في المصدر، وفتحة فاء الكلمة، ومثّله البيضاوي وابن جعفر بكال من الكلال، وقال: زيد فيه الألف بعد الكاف، ونقص منه الألف التي كانت بين اللامين، وفتحة اللام الأولى المدغمة، والكلام فيه كما عاد وقد تقدم.

خامس عشرها: زيادة الحرف والحركة معًا ونقصانهما معًا، كالاحمرار من الحمرة، نقصت منه التاء وحركة الحاء، وزيدت فيه الراء الأولى والألف التي بعدها وحركة الميم، وكذلك ما أشبه من الاصفرار، ونحوه، ومثّله ابن الخباز وابن السراج الأرموي باستنوق، استنوق الجمل أي: تحول الجمل ناقة، وهو مشتقٌ من الناقة نقصت منه التاء وحركة النون، وزيدت فيه السين والتاء وحركة الواو التي كانت ألفًا ساكنة في الناقة، وفيه نظر؛ لأن استنوق، إنما هو مشتقٌ من مصدره الذي هو الاستنواق لدلالته عليه، فالأولى أن يجعل الاستنواق -الذي هو المصدر- هو المشتق من الناقة، والغرض يحصل به؛ لأن النقصان والزيادة المطلوبين في المثال موجودان فيه؛ لأن المصدر زيدت فيه السين والتاء والألف التي بعد الواو وحركة الواو، ونقص منه التاء وفتحة النون، وكان جعله هو المشتق أولى، ومثّله الإمام البيضاوي وابن جعفر بارمِ من الرمي، قال: وزيدت فيه الألف وكسرت الميم، ونقصت منه حركة الواو والياء، وفيه نظر، أما ألف الوصل فقد تقدم الكلام عليها، وأما الياء فلم تحذف للاشتقاق، بل لمعنى آخر، وهو حمل المبني على المعرب لشبهه به في الصحيح؛ فجعل المعتل كذلك.

ألا ترى أن هذه الياء تحذف في المعرب في قولنا: “لم يرمِ” ليجزم، وكذلك حذفت في قولنا: “ارم” للبناء حملًا للمبني على المعرب في الصورة، ألا ترى أن الياء تعود عند اتصال الضمير بالفعل في قولك: ارميا، وعند اتصال النونين الثقيلة والخفيفة في قولك: ارمَين، أو ارمِيَن، وعند اتصال ضمير جماعة الإناث في قولنا: “ارمينا نسوة”، فعلم أن الياء ما حذفت للاشتقاق، وكلامنا فيما يحذف للاشتقاق أو يزاد له، فتحصل به المغايرة بين صورة المشتق والمشتق منه لا فيما يحذف أو يزاد لمعنى آخر.

وزاد الشيخ جمال الدين بن الشريشي قسمين آخرين:

أحدهما: ما فيه تغيير ظاهر، نحو: حذر من الحذر، وفرح من الفرح، وجزع من الجزع… ونحوه، وقعت المغايرة بين الفعل والمصدر بحركة العين، فإنها في المصدر مفتوحة وفي الفعل مكسورة.

ثانيهما: ما فيه تغيير مقدر، نحو: طلب من الطلب، وهرب من الهرب، وغلب من الغلب… ونحوه، وإنما قدرنا التغيير؛ لأنه يجب أن يكون صورة المشتق وبنيته مخالفة لصورة المشتق منه، ورأينا هذه الأفعال لا تخالف صورة المصادر المشتقة منها، وليس لها مصادر غيرها؛ فوجب أن يكون فيها تغيير مقدر كما قالت النحاة في الفلك، إنه يقع على الواحد والجمع بلفظ، واحد، ولا بد من التغير بينهما فتقدر الضمة إذا كان جمعًا غير الضمة التي فيه إذا كان مفردًا.

وقد تقرر من جعل التغيير من أركان الاشتقاق وجود التغيير في كل مشتق بالنسبة إلى أصله، وقد نجد أفعالًا من مصادر من غير تغيير ظاهر فيها، كطلب من الطلب، وغلب من الغلب، وجلب من الجلب، فإنها مساوية لمصادرها في الحروف والصيغ بلا تفاوت مع اشتقاقها منه، وذلك يقدح في كون التغيير ركنًا للاشتقاق لامتناع تحقق الشيء بدون ركنه، وحله: أن التغيير، وإن لم يكن موجودًا ظاهرًا لكنه مقدر -كما سبق- تقريره.

وقد أجاب رضي الدين بن جعفر بأن حركة الإعراب ساقطة الاعتبار في الاشتقاق غير معتد بها تغييرًا؛ إذ الاشتقاق إنما هو من صيغة المصدر الذي بني عليها، وحركة الإعراب طارئة على الصيغة بعد تمامها منتقلة غير قارة في موضعها، وأما حركة البناء في آخر الفعل الماضي فإنها لثباتها ولزومها، وبناء الكلمة عليها من أول وهلة صارت داخلة في صيغة الفعل جارية مجرى حركة أوله وحشوه، وعلى ذلك اعتد بها في الاشتقاق، وجُعل التغيير بها زيادة ونقصانًا، وإنما نبهنا على هذا؛ لأنهم لم يعتدوا بحركة الإعراب واعتدوا بحركة البناء، وجُعل التغيير بها زيادة ونقصانًا، مثال الزيادة: طلب من الطلب؛ لأنهم مثلوه لزيادة الحركة، فإن “طلب” اعتد بحركة الباء في آخره زيادة لكونها حركة بناء، ولم يعتدوا بالحركة التي في آخر المصدر، وهو الطلب لكونها حركة إعراب، ومثال النقصان: حذر اسم فاعل من حذر، نقص من اسم الفاعل حركة البناء التي كانت في الفعل؛ فقد يظن ظانٌّ من اعتبارهم التغيير اللاحق للمشتق استلزم حصول التغيير في كل مشتق بالنسبة إلى أصله مع أنه نجد أفعالًا مأخوذة من مصادر من غير تغيير ظاهر فيها، كطلب من الطلب، وحذر من الحذر، فإن هذه الأفعال مساوية لهذه المصادر، وأنه يقدح في كون التغيير ركنًا في الاشتقاق.

وجوابه: أن حركة الإعراب غير معتد بها، وحركة البناء معتد بها، ونازعه الشيخ جمال الدين بن الشريشي، وقال: حركة الإعراب كما لا يعتد بها في صيغة الكلمة وبنيتها، فكذلك حركة البناء؛ لأن كل واحدة منهما طارئة على الكلمة بعد حصول صيغتها وتقرير بنيتها إن كانت لها بنية، وإنما يفترقان في أن حركة الإعراب تتغير عند تغير العامل، ألا ترى أنك تقول: خرج زيد خرج عمرو، فلا يتغير آخر “خرج”، وإن دخل عليه العامل، وتقول: خرجت ودخلت يتغير آخره لاتصال الضمير به مع أن أحدًا من النحاة لا يقول: إن بنية الفعل تغيرت، فعلم أن حركة لام الكلمة أو سكونها غير معتد بها في بنية الكلمة، فلا يعد وجودها زيادة ولا يعد زوالها نقصًا.

أما قوله: “إن الفعل الماضي بني في أول وهلة على الحركة” ممنوع، بل كان يجب أن يكون ساكنًا كما هو الأصل، ولكن بني على حركة لعلة أخرى غير الاشتقاق، وهي جواز وقوعه موقع المعرب بخلاف فعل الأمر، فعلم أن حركة البناء في الفعل طارئة عليه بعد حصول بنيته، وإذا كانت حركة الإعراب غير معتد بها في بنية الكلمة لكونها طارئة ومتغيرة فكذلك حركة البناء، ولا يكون ثبوتها في الفعل زيادة في الصيغة، ولا زوالها نقصًا فيها، وعلى ذلك فالمراد بزيادة الحرف أو الحركة أو نقصانهما جنس الحرف وجنس الحركة لا واحد فقط، فقد يكون المزيد من الحروف أكثر من واحد، وكذلك في الحركة، وكذلك في النقصان، وعلى هذا فتكثر الأقسام ولا يخفى حينئذ أمثلتها.

أيضًا نجد أن العلماء قد جعلوا من أركان الاشتقاق المشاركة بين الأصل والفرع في الحروف الأصلية والتغيير، ثم جعلوا من أقسام التغيير نقصان الحروف، وذلك تناقض في الظاهر، فإنه متى نقصنا أحد حروف المشتق من المشتق منه زالت المشاركة بينهما في الحروف، وقد أجاب ابن جعفر عن هذا السؤال بأمرين:

الأمر الأول: أن المشاركة بينهما في الحروف الأصلية قد تكون بحق الأصل، ثم يطرأ النقصان العارض نقيضه، كقولنا: خف من الخوف، ونم من النوم، فإن الواو سقطت فيهما بعد انقلابهما ألفًا لتعارض التقاء الساكنين، فالمشاركة فيهما حاصلة بالفعل لحصولهما في الأصل قبل طرو الحذف العارض.

الأمر الثاني: أن المصادر ذوات الزيادة كالإنبات، والغشيان، والنزوان، إذا اشتققنا منها أفعالًا كنبت، وغشى، ونزى، حصلت المشاركة بينهما وبين المصادر في الحروف الأصلية، ووفر التغيير بنقصان الحرف الزائد، فقد صدق بمجموع الأمرين فيهما -أعني: المشاركة مع النقصان- فإنا لم نشترط المشاركة في الحروف الأصلية مع نقصان حرف أصلي.

error: النص محمي !!