Top
Image Alt

معنى التشريع الجنائي الإسلامي، ومصادره

  /  معنى التشريع الجنائي الإسلامي، ومصادره

معنى التشريع الجنائي الإسلامي، ومصادره

نتحدث -بمشيئة الله تعالى-عن معنى الفقه الجنائي، أو التشريع الجنائي الإسلامي، وكذا مصادر التشريع الجنائي الإسلامي، ومقاصد التشريع الجنائي، والشبهات التي تثار حول الحدود في الإسلام.

مفهوم الفقه الجنائي، أو التشريع الجنائي:

الفقه في اللغة يطلق، ويراد به عدة معانٍ، منها الفهم، والفطنة، والنفاذ إلى بواطن الأمور، أو فهم غرض المتكلم من كلامه، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام في دعائه لربه { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 25 – 28]، أي: يفهموه، ومنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل))، ومنه حكاية عن قوم سيدنا شعيب عليه السلام: { قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91].

فالفقه في الأصل: هو الفهم، ومنه قول الله تعالى: { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

وفي (القاموس): هو العلم بالشيء، والفهم له، فهو الفهم لما ظهر أو خفي.

هذا فيما يتعلق بالفقه لغةً.

أما في الاصطلاح: فهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها.

وعرَّفه الإمام ابن الهمام: “بأنه التصديق لأعمال المكلفين”.

وعرَّفه آخرون: “بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية”.

وعليه فإن المقصود بالأحكام الشرعية: ما لا يدرك لولا خطاب الشارع، سواء كان الخطاب لنفس الحكم، أو لنظيره، أو المقيس عليه، والمقصود بالفرعية، أي: المتعلقة بمسائل الفروع، فالأحكام الفرعية لا تكون إلا في العمل، والمراد بالأحكام: الثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع.

هذا فيما يتعلق بالفقه بالمعنى العام، ولكي نتحدث عن الفقه الجنائي، فإننا لا بد أن نزيد على ذلك ببيان المقصود بالجناية، التي هي مضمون الفقه الجنائي، أو مضمون التشريع الجنائي.

والجناية في اللغة: الذنب، والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب، أو القصاص، ومنه الحديث: ((لا يجني جانٍ إلا على نفسه)).

وهناك من يقول في تعريف الجناية -كابن عرفة-: الجنايات جمع جناية، والجناية في الاصطلاح: هي الأحكام التي شرعها الله تعالى أو شرع أصولها، والتي تختص بتحديد الأفعال التي تعد جرائم وتبين العقوبة فيها.

وعليه، فإنه لا عقوبة في الفقه الجنائي، إلا إذا كانت هناك جريمة.

وعرفها الزيلعي: “بأنها اسم لفعل محرم شرعًا، وكذلك ما يطلق على ما يكون في النفس والأطراف”.

وعرفها ابن قدامة: “بأنها كل فعل على نفس أو مال، لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان”.

والملاحظ من خلال تعريفات الفقهاء للجناية في الاصطلاح، يجد أنهم يعنون بها معنًى خاصًّا عرفًا، وهو الجناية على النفس أو الأطراف، ولا يقصدون بها المعنى العام، وهو الفعل المحرم شرعًا، كأن التشريع الجنائي الإسلامي يتعلق بهذا المعنى الخاص، والذي يتناول الجناية على النفس أو الأطراف، دون المعنى العام الذي يقصد به الفعل المحرم شرعًا.

بينما نجد البعض الآخر يرى: أن لفظ الجناية يطلق على جرائم الحدود والقصاص، فتشمل: النفس، والبدن، والفرْج، والعِرض، والمال، والمحرمات من المأكولات والمشروبات.

إذًا الجناية لها معنيان، معنًى في اللغة، ومعنًى في الاصطلاح.

فالمعنى اللغوي: هو كل فعل وقع على وجه التعدي، سواء كان في النفس أو المال.

والمعنى الشرعي: هو التعدي على الأبدان.

هذا فيما يتعلق بمعنى التشريع الجنائي، أي: المسائل الفقهية أو الأحكام الفقهية التي تناولت بالشرح أحكام الجنايات، أيًّا كانت تلك الجنايات؛ جناية على الأبدان عمدًا، أو خطأ، أو شبه عمد، أو جناية على ما دون البدن، فكل ما ينظِّم ويبين أحكام تلك الجنايات يطلق عليه التشريع الجنائي الإسلامي.

مصادر التشريع الجنائي الإسلامي:

من المتفق عليه بين جمهور الفقهاء، أن مصادر التشريع الإسلامي أربعة: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، ويعبر الفقهاء عن المصادر التشريعية: بأنها الأدلة التي تُستمد منها الأحكام.

ومن المتفق عليه أيضًا، أن الحكم الذي يدل عليه واحد من هذه الأدلة الأربعة هو حكم واجب الاتباع، ويرتب الفقهاء الأدلة والاستدلال بها طبقًا للترتيب الذي ذكرناه، فالمصدر الأول للشريعة، هو القرآن، والمصدر الثاني هو السنة، والمصدر الثالث هو الإجماع، والمصدر الرابع هو القياس، فإذا لم يوجد حكم الواقعة في القرآن رجع إلى القياس.

وهناك مصادر أخرى للشريعة مختلف عليها، فيراها البعض مصادر تشريعية، أحكامها ملزمة، ولا يراها البعض الآخر كذلك، والمصادر المختلف عليها هي: الاستحسان، والاستصحاب، والمصلحة المرسلة، والعُرف، وشرْع من قبلنا، ومذهب الصحابي.

ومصادر التشريع الجنائي الإسلامي فيما يختص بالإجراءات الجنائية، هي نفس المصادر التي سبق الكلام عليها، مع مراعاة أن البعض منها متفق عليه، والبعض مختلف عليه.

أما مصادر التشريع الإسلامي الجنائي المقرر للجرائم والعقوبات فأربعة، ثلاثة منها متفق عليها، وهي: القرآن، والسنة، والإجماع.

أما الرابع وهو القياس، فقد اختلف فيه الفقهاء، فرأى البعض أنه مصدر تشريعي جنائي، ورأى البعض أنه ليس مصدرًا في تقرير الجرائم والعقوبات.

ويجب أن نلاحظ الفرق الهام بين القرآن، والسنة من ناحية، وبين غيرهما من المصادر من ناحية أخري، فالقرآن، والسنة هما أساس الشريعة، وهما اللذان جاءا بنصوص الشريعة المقررة للأحكام الكلية، أما بقية المصادر فهي لا تأتي بأسس شرعية جديدة، ولا تقرر أحكامًا كلية جديدة، وإنما هي طرق للاستدلال على الأحكام الفرعية من نصوص القرآن، والسنة، ولا يمكن أن تأتي بما يخالف القرآن، والسنة؛ لأنها تستمد منها، وتستند إلى نصوصها.

المصدر الأول في التشريع الجنائي الإسلامي: القرآن الكريم: وهو كتاب الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو المدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس.

وقد نُقل إلينا القرآن بطريق التواتر كتابة ومشافهة، والتواتر يفيد الجزم والقطع بصحة المنقول، ومن ثم كانت نصوص القرآن قطعية الورود، فمن المقطوع به أنها وردت إلينا عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما أنزلت عليه من ربه؛ لأنها نُقلت إلينا عن الرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التواتر كتابة ومشافهة.

والنقل بطريق التواتر يفيد القطع واليقين، فقد كَتب القرآنَ عن الرسول جماعةٌ من كُتَّاب الوحي، وحفظه جمع من الصحابة لا يمكن أن يتواطئوا على الكذب، ونقله عن هذه الجموع جموع، فلم يختلفوا في حرف أو لفظ على تعدد البلاد، وتباعد الأقطار، واختلاف الأجناس.

المصدر الثاني: السنة: وهي ما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، والسنة على هذا المعنى أنواع: قولية، وفعلية، وتقريرية.

والسنة القولية: هي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي قالها في مختلف المناسبات، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بدون نفس)).

والسنة الفعلية: هي أفعاله صلى الله عليه وسلم مثل قضائه بالعقوبة في الزنا بعد الإقرار، وقطعه اليد اليمنى في السرقة، وقضائه بشاهد واحد ويمين المدعي.

ثالثًا: السنة التقريرية، وهي ما صدر عن بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال، أو أفعال أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه.

هذا فيما يتعلق بالمصدر الثاني للتشريع الجنائي الإسلامي، وهو السنة.

المصدر الثالث: الإجماع: وهو: اتفاق جميع المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي.

وعن حجية هذا الإجماع نقول: إذا اتفق جميع المجتهدين في الأمة الإسلامية متفرقين أو مجتمعين على حكم واقعة من الوقائع، كان هذا الحكم المتفق عليه واجب الاتباع، واعتبر الإجماع دليلًا قطعيًّا على الحكم، أما إذا كان الرأي صادرًا عن أكثرية المجتهدين، فإنه يعتبر دليلًا ظنيًّا، ويجوز للأفراد اتباعه، ويجوز للمجتهدين أن يروا خلافه، ما لم ير ولي الأمر أن يوجب اتباعه؛ فيصبح في هذه الحالة واجب الاتباع.

هذا فيما يتعلق بالمصدر الثالث.

المصدر الرابع: القياس: وهو: إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص في الحكم الشرعي المنصوص عليه؛ لاشتراكهما في علة هذا الحكم.

من هذا التعريف يمكن أن نقول بأن للقياس أربعة أركان:

 المقيس عليه: وهو الأمر الذي ورد النص ببيان حكمه، ويسمى الأصل.

المقيس: وهو الأمر الذي لم يرد نص بحكمه، ويراد معرفة حكمه، ويسمى الفرع.

الحكم: هو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل، ويراد به الحكم، وينقل هذا الحكم من الأصل إلى الفرع عند وجود العلة.

والعلة: هي الوصف الذي شرع الحكم في الأصل لأجله، وتتحقق أيضًا في الفرع.

error: النص محمي !!