Top
Image Alt

معنى التطور اللغوي ومدى وقوعه في اللغات بعامة والعربية خاصة

  /  معنى التطور اللغوي ومدى وقوعه في اللغات بعامة والعربية خاصة

معنى التطور اللغوي ومدى وقوعه في اللغات بعامة والعربية خاصة

تصور ابن فارس للتطور اللغوي:

إننا نقصد بالتطور التغيُّر، واللغة كائن حي تحيا على ألسنة المتكلمين بها وهم من الأحياء؛ وهي لذلك تتطور وتتغير بفعل الزمن كما يتطور الكائن الحي ويتغير، وهي تخضع لما يخضع له الكائن الحي في نشأته ونموه وتطوره، وهي ظاهرة اجتماعية تحيا في أحضان المجتمع، وتستمد كيانها منه ومن عاداته وتقاليده وسلوك أفراده، كما أنها تتطور بتطور هذا المجتمع، فترقى برُقيِّه وتنحطّ بانحطاطه.

وإذا كانت اللغة كائنًا حيًّا يتطور على ألسنة المتكلمين بها, فإن هذا التطور ينشأ منه اختلافٌ بين لغة عصر والعصر الذي سبقه، وهنا يحدث الصراع بين أنصار الشكل القديم وأنصار الشكل الجديد، وبعد فترة يصبح قديمًا ما كان بالأمس جديدًا, فيتصارع مع جديد آخر -هكذا يقول الدكتور رمضان عبد التواب في مقدمة كتابه (التطور اللغوي: مظاهره وعلله وقوانينه)- وتضمحل لغة العصر الأسبق أو تندثر، غير أن كل جديد لا يظهر فجأة، ولا يقضي على القديم بين يوم وليلة، بل يظل الصراع بينهما لفترة قد تطول أو تقصُر، غير أن الانتصار يكون في النهاية للشكل الجديد، تلك سُنة الحياة وتاريخ اللغات كلها يشهد بهذا، ولا نعرف لغةً على ظهر الأرض جمدت على شكل واحد مئات السنين.

إذا كان الأمر كذلك، فهل العربية ينطبق عليها ما ينطبق على اللغات الأخرى؟

إن الإجابة عن هذا تكمن في أمرين:

الأمر الأول: خاص بالعربية الجاهلية؛ أي: قبل ظهور الإسلام، والآخر: خاص بالعربية بعد أن منَّ الله عليها بالإسلام.

أما اللغة العربية في الجاهلية, فليست بدعًا بين اللغات، بل هي حلقة في سلسلة حلقات طويلة من التطور والتغير؛ أي: إنها خضعت للتغير والتطور.

أما بالنسبة للعربية الفصحى بعد ظهور الإسلام, فقد صار لها ظرف خاص لم يتوفر لأية لغة في العالم، وهذا الظرف يجعلنا نرفُض ما ينادي به بعض الغافلين -عن حُسن نية أو سُوء نية أحيانًا- من ترك الحبل على الغارب للعربيةِ الفصحى؛ لكي تتفاعل مع العاميات، تأخذ منها وتُعطي كما يحدث في اللغات كلها -كما يقول الدكتور رمضان عبد التواب أيضًا.

إن العربية بعد الإسلام خضعت لظرف لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم؛ ذلك أنها ارتبطت بالقرآن منذ أربعة عشر قرنًا، ودوِّن بها التراث العربي الضخم، الذي كان محوره القرآن الكريم في كثير من مظاهره، وقد كفل الله لها الحفظ ما دام يحفظ دينه، فقال عز من قائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9], ولولا أن شرفها الله عز وجل فأنزل بها كتابه, وقيض له من خلقه من يتلوه صباح مساء, ووعد بحفظه على تعاقب الأزمان؛ لأمست العربية الفصحى لغة أثرية تشبه اللاتينية أو السنسكريتية، ولسادت اللهجات العربية المختلفة وازدادت على مرِّ الزمان بُعدًا عن الأصل الذي انسلخت منه؛ وباختصار: لولا القرآن ما كانت عربية.

هذا هو السر الذي يجعلنا لا نقيس العربية الفصحى بما يحدث في اللغات الحية المعاصرة، فإن أقصى عُمر هذه اللغات -في شكلها الحاضر- لا يتعدى قرنين من الزمان، وهي دائمة التطور والتغير وعرضة للتفاعل مع اللغات المجاورة؛ تأخذ منها وتعطي، ولا تجد في ذلك حرجًا؛ لأنها لم ترتبط في فترة من فترات حياتها بكتاب مقدس، كما هو الحال في العربية.

وإن ارتباط العربية الفصحى بالقرآن الكريم, هو السرّ كذلك في تمسّك المخلصين بالعربية الفصحى القديمة، ودعوتهم إلى دراستها دراسة مستفيضة؛ لكي يُفهم بها القرآن الكريم وما دار حوله من دراسات، وكذلك الشعر العربي القديم الذي يُلقي أضواءً على المعاني القرآنية، ويفيد في توضيح ألفاظ القرآن الكريم.

إن هذه العربية التي استمرت حيةً أربعة عشر قرنًا, والتي ستستمر في حياتها إلى ما شاء الله، تستمد من ارتباطها بالقرآن الكريم عنصر الحياة، وهذه المسألة كانت واضحة جدًّا في أذهان اللغويين العرب في الماضي، ومنهم: العلامة أحمد بن فارس, وغيره من مشاهير العربية.

وإننا حين نتحدث عن التطور في العربية, يجب ألا يغيب عن ذهننا هذه الأسرار، التي تكمن في ارتباط العربية بالدين الإسلامي, قرآنًا وسنةً؛ حيث ترتبط الشريعة بهذه اللغة، وترتبط اللغة بهذه الشريعة؛ لذلك نرى أن التغيُّر في العربية الفصحى نطاقه محدود، ولا يُقارن باللغات الأخرى التي لم ترتبط بدينٍ سماوي ولا بشرع إلهي.

وقد وقف ابن فارس من قضية التغير في اللغة العربية موقفًا يخالف مواقف غيره من العلماء, وبخاصة علماء الغرب، ولا نعجب من أن يتمسك ابن فارس بحبه للعربية ويفضلها على غيرها من لغات الأرض، فقد عقد بابًا في (الصاحبي) بعنوان: “باب القول في أن لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها”، حيث أرجَع فضل العربية على غيرها لأسباب عدة؛ منها: أنها لغة الوحي، ومنها: أنها تمتاز بسُنن تقصُر اللغات الأخرى عنها، مثل الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير، ومنها كذلك: ميزة الترادف وكذا القلب والإدغام, مؤكِّدًا أن الله عز وجل وصف اللسان العربي بالبيان حين قال -جل ثناؤه:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-194], فوصفه -جل ثناؤه- بأبلغ ما يُوصف به الكلام وهو البيان، فلما خص -جل ثناؤه- اللسان العربي بالبيان عُلم أن سائر اللغات قاصرة عنه وواقعة دونه.

error: النص محمي !!