Top
Image Alt

معنى التفسير بالرأي، وحكمه، وأقسامه، وأهم الكتب المؤلفة فيه

  /  معنى التفسير بالرأي، وحكمه، وأقسامه، وأهم الكتب المؤلفة فيه

معنى التفسير بالرأي، وحكمه، وأقسامه، وأهم الكتب المؤلفة فيه

معنى التفسير بالرأي:

يطلق الرأي على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه: أصحاب الرأي أي: أصحاب القياس.

والمراد بالرأي هنا الاجتهاد، وعليه فالتفسير بالرأي عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسر لكلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفته للألفاظ العربية، ووجوه دلالتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي، ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر.

موقف العلماء من التفسير بالرأي:

اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز تفسير القرآن بالرأي، ووقف المفسرون بإزاءِ هذا الموضوع موقفين متعارضين، فقَوْم تشددوا في ذلك، فلم يجرءوا على تفسير شيء من القرآن ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شيء من القرآن وإن كان عالمًا أديبًا متسعًا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وإنما له أن ينتهي إلى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الذين شهدوا التنزيلَ من الصحابة رضي الله عنهم أو عن الذين أخذوا عن التابعين. وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأسًا من أن يفسروا القرآن باجتهادهم، ورأوا أن من كان ذا أدبٍ وسيع فموسّع له -أو مباحٌ له- أن يفسر القرآن برأيه واجتهاده.

والفريقان على طرفي نقيض فيما يبدو، وكل يعزز رأيه ويقويه بالأدلة والبراهين.

أما أصحاب الموقف الأول -الذين منعوا من التفسير بالرأي- فقد استدلوا بما يلي:

أولًا: قالوا: إن التفسير بالرأي قولٌ على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم منهيٌّ عنه، فالتفسير بالرأي منهي عنه، وهو أن المفسر بالرأي ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى، ولا يمكنه أن يقطعَ بما يقول، وغايةُ الأمر أنه يقول بالظن، والقول بالظن قولٌ على الله بغير علم، والله عز وجل نهى عن هذا بقوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [البقرة: 169]، وهو معطوف على ما قبله من المحرمات في قوله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33].

وقد رد المجيزون هذا الدليل فقالوا: نمنع الدليل الأول؛ لأن الظن نوعٌ من العلم إذ هو إدراك الطرف الراجح، ونمنع الدليل الثاني؛ لأن الظن منهي عنه، إذ أمكن الوصول إلى العلم اليقيني القطعي، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلي موصّل لذلك، أما إذا لم يوجد شيء من ذلك، فالظن كافٍ هنا لاستناده إلى دليل قطعي من الله سبحانه على صحة العمل به إذ ذاك، كقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

ثانيًا: استدلوا بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]، فقد أضاف سبحانه البيانَ إليه -صلواته عليه وسلامه-، فعُلم أنه ليس لغيره شيء من البيان لمعاني القرآن.

وأجاب المجيزون على هذا الدليل فقالوا: نعم، إن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالبيان، ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يبين كل شيء منه، فما ورد بيانه عنه صلى الله عليه وسلم ففيه الكفاية عن فكرة مَن بعده، وما لم يرد عنه بيان ففيه حينئذٍ فكرةُ أهل العلم بعده، فيستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون}.

ثالثًا: استدل المانعون عن تفسير القرآن بالرأي- بما ورد في السنة من تحريم القول في القرآن بالرأي؛ فمن ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اتقوا الحديثَ إلا مع علمتم، فَمَن كذَب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

وكذلك استدل المانعون على التفسير بالرأي بما رواه الترمذي وأبو داود عن جندب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن برأيه فأصابَ، فقد أخطأ)).

وأجاب المجيزون عن هذين الحديثين بأجوبة؛ منها:

أن النهي محمول على من قال برأيه في نحو مشكل القرآن من كل ما لا يعلم إلا عن طريق النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم.

ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم أراد بالرأيِ الرأيَ الذي يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، أما الذي أو يشهد له البرهان، ويشهد له الدليل، فالقول به جائزٌ. فالنهي عن هذا متناول لِمَن كان يعرف الحق، ولكن له في الشيء رأي إليه مِن طبعه وهواه، فيتأول القرآنَ على وَفق هواه؛ ليحتجّ به على تصحيح رأيه الذي مال إليه.

وأما الفريق الثاني -فريق المجيزين للتفسير بالرأي-، فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتي:

أولًا: لقد وردت نصوص كثيرة في القرآن تنص على أن المراد منها حَث العباد على تدبره، والاعتبار بآياته، والاتعاظ بعطائه،منها قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24]، وقوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]، وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].

ووجه الدلالة في هذه الآيات: أنه تعالى حَثَّ في الآيتين الأوليين على تدبر القرآن والاعتبار بآياته والاتعاظ بعطائه، كما دلت الآية الأخيرة على أن في القرآن ما يستنبطه أولو العلم باجتهادهم، ويصلون إليه بإعمال عقولهم.

ثانيًا: قالوا: لو كان التفسير بالرأي غيرَ جائز لَمَا كان الاجتهاد جائزًا، ولتعطل كثيرٌ من الأحكام. وهذا باطل؛ لأن الاجتهاد حاصل ومأمور به لاستنباط الأحكام الشرعية، والمجتهد في حكم الشرع مأجور أصاب أم اخطأ.

ثالثًا: استدلوا بما ثبت من أن الصحابة رضي الله عنهم قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه، ومعلوم أنهم لم يسمعوا كل ما قالوه في تفسيره من النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يبين لهم كلَّ معاني القرآن، بل بين لهم بعضَ معانيه، وبعضُه الآخر توصلوا إليه بعقولهم واجتهادهم، ولو كان القول في القرآن بالرأي محظورًا، لَكَانت الصحابة قد خالفت، ووقعت فيما حرم الله، ونحن نعيذ الصحابةَ من المخالفة والجرأة على محارم الله -تبارك وتعالى-.

رابعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس، فقال في دعائه له: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويلَ))، فلو كان التأويل مقصورًا على السماع والنقل كالتنزيل، لَمَا كان هناك فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء، فدَلَّ ذلك على أن التأويلَ الذي دَعَا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس أمر آخر وراء النقل والسماع.

ذلك هو التفسير بالرأي والاجتهاد، وهذا بيّن لا إشكالَ فيه.

حقيقة الخلاف بين المجوّزين للتفسير بالرأي وبين المانعين للتفسير بالرأي:

يقول صاحب (التفسير والمفسرون): ونحن مع هذا البعض الذي نَقل عنه الراغب هذا التحقيقَ: إن وقف الفريق الأول عند المنقول فلم يتجاوزه، وأجاز الفريق الثاني لكل أحد الخوضَ في التفسير والكلامَ فيه، إذ إن الجمود على المنقول تقصير وتفريط بلا نزاع، والخوض في التفسير لكل إنسان غلو وإفراط بلا جدال، ولكن لو رجعنا إلى هؤلاء المتشددين في التفسير وعرفنا سِرَّ تشددهم فيه، ثم رجعنا إلى هؤلاء المجوزين للتفسير بالرأي، ووقفنا على ما شرطوه من شروط لا بد منها لمن يتكلم في التفسير برأيه، وحللنا أدلةَ الفريقين تحليلًا دقيقًا؛ لَظَهر لنا أن الخلافَ لفظي لا حقيقي.

أقسام التفسير بالرأي:

التفسير بالرأي قسمان:

القسم الأول: قسم جارٍ على موافقة كلام العرب ومناحيهم في القول مع موافقة الكتاب والسنة، ومراعاة لسائر شروط التفسير، فهذا القسم جائزٌ لا شك فيه، وعليه يحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأي.

وقسم آخر غير جار على قوانين العربية: ولكن ليس موافقًا للأدلة الشرعية ولا مستوفيًا لشروط التفسير، وهذا هو مَوْرد النهي ومحط الذم، وهو الذي قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله، فهذا ونحوه وارد في حق مَن لا يراعي في تفسير القرآن قوانينَ اللغة، ولا أدلةَ الشرع، جاهلًا، هواه رائدُه، ومذهبه قائدُه، وهو الذي يحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأي.

أهم الكتب المؤلفة في التفسير بالرأي:

  1. 1.     (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي.
  2. 2.     (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) للبيضاوي.
  3. 3.     (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) للنسفي.
  4. 4.     (لباب التأويل في معاني التنزيل) للخازن.
  5. 5.     (البحر المحيط) لأبي حيان.
  6. 6.     (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) للنيسابوري.
  7. 7.     (تفسير الجلالين) للجلال المحلي، والجلال السيوطي.
  8. 8.     (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير) للخطيب الشربيني.
  9. 9.     (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) لأبي السعود.
  10. 10.                       (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) للإمام الألوسي.
error: النص محمي !!