Top
Image Alt

معنى التَّيمم وحكمه، معرفة الطهارة التي التيمم بدل منها، ومن يجوز له التَّيمم، هل النية شرط في التَّيمم؟ طلب الماء قبل دخول الوقت

  /  معنى التَّيمم وحكمه، معرفة الطهارة التي التيمم بدل منها، ومن يجوز له التَّيمم، هل النية شرط في التَّيمم؟ طلب الماء قبل دخول الوقت

معنى التَّيمم وحكمه، معرفة الطهارة التي التيمم بدل منها، ومن يجوز له التَّيمم، هل النية شرط في التَّيمم؟ طلب الماء قبل دخول الوقت

أولًا: حُكم التَّيمُّم، ومن يجوز له:

والتَّيمم: هو الطهارة البديلة عن الوضوء من الحدث الأصغر، وعن الغسل من الحدث الأكبر.

معنى “التَّيمم” وحُكمه:

“التيمم” في اللغة:هو القصد؛ فمعنى قول الله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]، أي: اقصدوا ترابًا طاهرًا.

وفي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267]، أي: لا تقصدوا الأموال الخبيثة لتنفقوا منها، ولكن اقصدوا الطيب من الأموال ليكون محلًّا للنفقة.

“التيمم” في الشرع: هو مسح الوجه واليديْن بشيء من الصعيد الطاهر، أي: من التراب الطاهر أو نحوه.

أمّا حكمه الشرعي: فهو جائز بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع:

أمّا الكتاب: فقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة: 6].

وأما السُّنّة: فحديث عمار وغيره…

وأمّا الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.

يقول ابن رشد: “والقول المحيط بأصول هذا الكتاب يشتمل بالجملة على سبعة أبواب”:

الباب الأول: في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بديلة عنها.

الباب الثاني: في معرفة من تَجوز له هذه الطهارة

الباب الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة

الباب الرابع: في صفة هذه الطهارة، أي: كيفيتها؛ كيف يتمّ المسح؟ كيفية المسح على الوجه؟ كيف يتم المسح على اليديْن؟

الباب الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة.

الباب السادس: في نواقض هذه الطهارة.

الباب السابع: في الأشياء التي التيمم شرط في صحّتها أو في استباحتها: الأشياء التي يُطلب التيمم لها، أو لا تصح بدون الوضوء أو الغسل، أو التيمم عند عدم القدرة على استخدام الماء أو تعذر استعماله لسبب أو لآخر: كالصلاة، ودخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرآن، والطواف.

الباب الأول: معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها:

أي: هل التيمم بدل عن الوضوء؟ أو بدل عن الغسل؟ أو بدل عنهما؟:

يقول ابن رشد: “اتفق العلماء على أن هذه الطهارة -أي: التيمم- هي بدل من الطهارة الصغرى: والطهارة الصغرى –أي: الوضوء فقط- واختلفوا في الكبرى -أي: في الجنابة، أو الحيض والنفاس، وهي أمور تتطلب الغسل- هل يكون التيمم بديلًا أيضًا عنها، أو لا يكون بديلًا عنها؟”

ويقول ابن رشد في اختلاف الصحابة ومن بعْدهم الفقهاء في هذه القضية: “اختلفوا في الكبرى: فروي عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها -أي: لا يريان التيمم- بدلًا من الكبرى -أي: من الغسل-.

 وقد قال القرطبي في “تفسيره”: إنهما رجعا عن ذلك. وكان عليٌّ وغيره من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- يرون أن التيمم يكون بدلًا من الطهارة الكبرى، وبه قال عامة الفقهاء.

وإذا كان عمر وابن مسعود قد رجعا عن قولهما -كما قال القرطبي- يكون التيمم بديلًا عن الغسل بالإجماع، ما دام الصحابة متفقين على ذلك، والفقهاء متفقين على ذلك؛ لا عن الوضوء فقط.

أسباب اختلاف الفقهاء:

يقول ابن رشد: “هو الاحتمال الوارد في آية التيمم، وأنه لم تصح عندهم الآثار الواردة بالتيمّم للجنب”.

إذًا هناك سببان للاختلاف:

السبب الأول: الاحتمال الوارد في الآية، وهو احتمال أن يكون الضمير –وهو: واو الجماعة في قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا }[المائدة: 6]- عائدًا على المُحدِث حدثًا أصغر، أوعلى من أحدث حدثًا أكبر، ويحتمل أن يعود عليهما معًا.

فمن كانت الملامسة عنده في الآية:{ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } تعني الجماع، فالأظهر أن الضمير عائد عليهما معًا، أي: على الوضوء وعلى الغسل، أما من كانت الملامسة عنده هي اللّمس باليد، فالأظهر أن يعود الضمير عنده على المُحدِث حدثًا أصغر فقط.

السبب الثاني:

يقول ابن رشد: “وأمّا ارتيابهم في الآثار التي وردت في هذا المعنى، فبيِّنٌ ممّا خرجه البخاري ومسلم وأصحاب “السنن”: أن رجلًا أتى عمر رضي الله عنه فقال: أجنبتُ فلم أجد الماء. فقال عمر رضي الله عنه: لا تصلّ. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين، إذ أنا وأنت في سريّة فأجنبنا -يعني: احتلم كلّ منا- فلم نجد الماء. فأمّا أنت فلم تُصلّ، وأما أنا فتمعّكت في التراب فصلّيت -أي: تمرّغت فيه- فقال النبيصلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك أن تضْرب بيديْك ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفّيْك». فقال عمر: اتّق الله يا عمار! فقال: إن شئت لم أحدّث به”. وفي بعض الروايات، وهي أيضًا عند مسلم وأبي داود: أنه قال له عمر: “نولّيك ما تولّيت” أي: افعل ما استقر عليه الأمر عندك؛ إذًا عمر لم يوافق على ما قاله عمار.

وخرج مسلم، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، عن شقيق، قال: “كنت جالسًا مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله لأبي موسى: لا يتيمّم وإن لم يجد الماء شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة “المائدة”: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا }؟ فقال عبد الله: لو رخّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا بَرد عليهم الماء أن يتيمّموا بالصعيد. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع لقول عمار؟ وذكر له الحديث المتقدّم. فقال له عبد الله: ألم ترَ عمر لم يقنع بقول عمار؟”.

فالحديثان إذًا متعارضان، أو يبدو من ظاهرهما التعارض، لكن الجمهور رأَوا أنّ ذلك قد ثبت من حديث عمار الذي ذكرناه من قبْل مع عمر، وعمران بن الحصين -وقد خرجهما البخاري- وأن نسيان عمر ليس مؤثرًا في وجوب العمل بحديث عمار. وأيضًا فإنهم استدلوا بجواز التيمم للجنب والحائض بعموم قولهصلى الله عليه وسلم: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، رواه الشيخان. وأما حديث عمران بن الحصين الذي رواه الشيخان والنسائي فهو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا معتزلًا لم يصلّ مع القوم، فقال: «يا فلان، أما يكفيك أن تصلّي مع القوم؟»، فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء. فقال صلى الله عليه وسلم: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك».

الرأي الراجح: ذهب جمهور الصحابة، وجمهور الفقهاء، وجمهور الأئمة، إلى أن التيمم بديل عن الغسل كما هو بديل عن الوضوء، وأثبتوا ذلك من عدّة أحاديث، سواء من حديث عمار، أو عمران بن الحصين، أو غيرهما من الصحابة.

الباب الثاني: مَن تجوز له هذه الطهارة:

يقول ابن رشد: “أجمع العلماء أنها تجوز لاثنيْن: للمريض وللمسافر إذا عدِما الماء. واختلفوا في أربعة: المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، والحاضر يعدم الماء، والصحيح المسافر يجد الماء فيمنعه من الوصول إليه خوف، وفي الذي يخاف من استعماله من شدة البرد.

 فأما المريض الذي يجد الماء ويخاف من استعماله؛ فقال الجمهور: يجوز التيمم له، وكذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك أو المرض الشديد من برد الماء، وكذلك الذي يخاف من الخروج إلى الماء من السِّباع أو غيرها…

وجمهور العلماء على إجازة التيمم في هذه الأحوال الأربعة، إلاّ أنّ معظمهم أوجب على هؤلاء الإعادة إذا وُجد الماء: وقال عطاء: لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء. يعني: إذا وجد الماء بطَل التيمم. فما دام الماء موجودًا فلا المريض ولا غير المريض أن يذهب إلى التيمم ويترك استخدام الماء.

وأما الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء، فذهب مالك، والشافعي، وأحمد -أي: الجمهور- إلى جواز التيمم له -كما قلنا في الثلاثة الآخَرين- وقال أبو حنيفة: لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح وإن عدِم الماء.

ويقول ابن رشد عن سبب اختلاف الفقهاء:

أما في المريض الذي يخاف من استعمال الماء، فالسبب هو: اختلافهم هل في الآية محذوف مقدّر في قوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } [المائدة: 6]؟:

– فمن رأى أن في الآية حذفًا، وأنّ تقدير الكلام: “وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء”، وأن الضمير في قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} إنما يعود على المسافر فقط، أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء لأنه غير قادر عليه.

– ومَن رأى أن الضمير في قوله { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } يعود على المريض والمسافر معًا، وأنه ليس في الآية حذف، لم يُجز للمريض إذا وجد الماء التيمم. وأما سبب اختلافهم في الحاضر الذي يعدَم الماء، فاحتمال الضمير الذي في قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] أن يعود على أصناف المحدَّثين -أعني: الحاضرين والمسافرين- أو على المسافرين فقط. مما يعني أن الاحتمال قائم.

– فمَن رآه عائدًا على جميع أصناف المحدَّثين -أي: المخاطبين بهذه الآية الكريمة- أجاز التيمم للحاضرين، ومَن رآه عائدًا على المسافرين فقط، أو على المرضى والمسافرين، لم يُجز التيمم للحاضر الذي عدِم الماء. وأمّا سبب اختلافهم في الخائف من الخروج إلى الماء فاختلافهم في قياسه على مَن عدِم الماء. وكذلك اختلافهم في الصحيح يخاف من برد الماء، السبب فيه هو: اختلافهم في قياسه على المريض الذي يخاف من استعمال الماء.

ويقول ابن قدامة: “من حال بيْنه وبين الماء سَبُع أو عدوّ أو حريق أو لصّ، فهو كالعادم للماء”، وهذا ممّا يدل على مرونة التشريع الإسلامي، وجمال ويسر الفقه الإسلامي، ورفع الحرج كما قال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78].

“كذلك الماء لو كان بمجمع الفساق”، أي: تخاف المرأة على نفسها منهم إذا ذهبت تطلب الماء، فهي عادِمته

والصحيح: أنها تتيمم، ولا إعادة عليها؛ فلا يحل لها المضي إلى الماء لِما فيه من التعرض للزنا وهتك عرضها، وربما قتلها.

ويقول ابن قدامة أيضًا: ومَن كان في موضع عند رحْله، فخاف إن ذهب إلى الماء ذهب شيء من رحْله، أو شردت دابته، أو سرقت، أو خاف على أهله لصًّا أو سبعًا خوفًا شديدًا، فهو كالعادم للماء. أما من كان خوفه جُبنًا، لا عن سبب يخاف من مثله، لم تُجْزِهِ الصلاة بالتيمم، وكان عليه أن يعيد ما صلاه بالتيمم؛ نصّ عليه أحمد في رجُل يخاف بالليل، وليس من شيء يخاف منه، فقال: لا بد من أن يتوضأ. ويحتمل أن يباح له التيمم، ويعيد إذا كان ممّن يشتد خوفه، لأنه بمنزلة الخائف بسبب.

ومن كان خوفه لسبب ظنّه، فتبيّن عدم السبب، مثل: من رأى سوادًا بالليل فظنه عدوًا، فتبيّن أنه ليس بعدو، أو رأى كلبًا فظنّه أسدًا أو نمرًا، فتيمّم وصلى، ثم بان خلاف ذلك، فهل يلزمه الإعادة؟ على وجهيْن:

الأول: لا يلزمه الإعادة، لأنه أتى بما أُمر به، فخرج عن عهدته.

الثاني: تلزمه الإعادة، لأنه تيمّم من غير سبب يبيح التيمم، فأشبه مَن نسي الماء في رحْله وتيمم.

ويضيف ابن قدامة: “أنّ من كان مريضًا لا يقدر على الحركة، ولا يجد مَن يناوله الماء -رغم وجوده- هم كالعادم للما”ء.

وقال ابن أبي موسى: له التيمم، ولا إعادة عليه. وهو قول الحسن، لأنه عادم في الوقت فأشبه العادم مطلقًا. ويحتمل أن ينتظر مجيء مَن يناوله لأنه حاضر ينتظر حصول الماء قريبًا، فأشبه المشتغل باستقاء الماء وتحصيله.

فمن كان الماء قريبًا له ويمكنه تحصيله، إلاّ أنه يخاف فوت الوقت، لزمه السعي إليه والاشتغال بتحصيله وإن فات الوقت، لأنه واجد للماء فلا يباح له التيمم؛ لقوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا }؛ فلا بد أن يكون الرخصة للتيمم: عدم وجود الماء، أو عدم القدرة عليه.

ومن المسائل التي قد يتعرض لها الإنسان: إذا بُذل للإنسان ماء لطهارته، هل يلزمه قبول ذلك الماء مع ما قد يعتريه من المنّ أو الإحسان؟ أو لا يلزمه قبوله، ويتيمم؟:

إنْ بُذل له ماء لطهارته لزمه قبوله؛ لأنه قدر على استعماله، ولا منة في ذلك في العادة؛ لأن الماء شيء متداول من فضل الله تعالى، كما أنه كثير، فلا منة في ذلك في العادة. وإن لم يجده إلا بثمن لا يقدر عليه، فبُذل له الثمن لم يلزمه قبوله.

الوضع هنا مختلف: فالأول بُذل له من غير ثمن، أمّا الآن فكأنه سيُقرضه مبلغًا من المال يشتري به ذلك الماء، أو يتبرع له بذلك المبلغ فتكون له المنّة على من يأخذ الماء، وبالتالي لا يُلزم بقبول ذلك ويجوز له التيمم؛ لأن المنّة تلحق به. وإن وجدوه يباع بثمن مثله -المسافرون وجدوا الماء يُباع بثمن المثل في موضعه، أو زيادة يسيرة- يقدر على ذلك مع استغنائه عنه لقوته ومؤنة سفره، يلزم ذلك المسافر الشراء ما دام ليس ثمنًا باهظًا، وما دام بثمن المثل؛ فإن شراء هذا الماء والوضوء به يلزمه. وإن كانت الزيادة كثيرة تجحف بماله، لم يلزمه شراؤه؛ لأن عليه حينئذٍ ضررًا في ذلك. واختلف الفقهاء في كَون الزيادة يسيرة.

قال الإمام أحمد فيمن بُذل له ماء بدينار، ومعه مائة، فيحتمل إذًا وجهيْن:

أحدهما: يلزمه شراؤه واستعماله؛ لأنه واجد للماء قادر عليه.

والثاني: لا يلزمه شراؤه، لأن عليه ضررًا في الزيادة الكثيرة.

وقال الشافعي: لا يلزمه شراؤه بزيادة يسيرة ولا بزيادة كثيرة. يحتج ابن قدامة على وجهة نظر الإمام أحمد بن حنبل فيقول: ولنا قول الله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا }، وهذا واجد؛ فإن القدرة على ثمن العين كالقدرة على العين من الانتقال إلى البدل.

الباب الثالث: شروط التّيمّم: وبه ثلاث مئسائل:

المسألة الأولى: النِّية، هل هي شرط في التّيمّم أم لا؟:

وضع الفقهاء قاعدة كبرى من قواعد الشريعة، وقواعد الفقه الإسلامي، قاعدة تُسمَّى: “الأمور بمقاصدها”. وأضاف إليها الفقهاء الأحناف: “لا عمل بلا نيّة” استنادًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنِّيات». ومن هنا فإننا نجد جمهور الفقهاء يشترط النية في جميع هذه العبادات: الوضوء، الغسل، التيمم.

يقول ابن رشد: أما المسألة الأولى، فالجمهور على أنّ النية فيها -أي: في طهارة التيمم- شرط لكونها -أي: طهارة التيمم- عبادة غير معقولة المعنى.

“غير معقولة المعنى” يعني: تعبّديَّة لا نعلم الحكمة منها، وبالتالي لا يجوز لنا أن نستخدم القياس فيها أو غير ذلك من الأمور.

وقد شذّ زفر -من أصحاب أبي حنيفة- فقال: إن النية ليست بشرط في هذه الطهارة – أي: التيمم، ومثل هذا الكلام روي أيضًا عن الأوزاعي إمام أهل الشام، وعن الحسن بن حي؛ وهو قول ضعيف، وقد وصف ابن رشد ذلك بالشذوذ.

هناك تفاصيل عند ابن قدامة؛ حيث ذكر ابن قدامة في كتابه (المغني) مسألة أوردها الخرقي، قال: “وينوي به المكتوبة -يعني: ينوي بالتيمم صلاة الفريضة صاحبة الوقت-“. يقول ابن قدامة في التعليق على هذه الجملة من كلام الخرقي: “لا نعلم خلافًا في أنّ التيمم لا يصحّ إلا بنية، غير ما حُكي عن الأوزاعي والحسن بن صالح: أنه يصحّ بغير نيّة”.

ابن قدامة هنا لم يذكر زُفر من أصحاب أبي حنيفة، ولكنه ذكر الأوزاعي والحسن بن صالح، وكأنه يريد إجماع العلماء على اشتراط النية في التيمم، وأن ما حُكي عن الأوزاعي أو الحسن كلام ضعيف. وسائر أهل العلماء على إيجاب النية فيه. وممن قال ذلك ربيعة -ربيعة الرأي، أستاذ الإمام مالك-، ومالك، والليث بن سعد -إمام الفقه في مصر قبل الشافعي- والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي -يعني: الحنفية- ما عدا زُفر كما علمنا من ابن رشد- وذلك لما ذكرنا في الوضوء: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وقول الله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}[البينة: 5].

ثم يقول: وينوي استباحة الصلاة؛ لأنَّ التيمم يبيح له أن يؤدي الصلاة؛ فإن نوى رفع الحدث لم يصحّ، فنيّة رفع الحدث تصحّ بالماء، لكنها لا تصح بالتيمم، لأن الحدث لم يرفع، وإنما أخذنا من التيمم بديلًا واستباحة ورخصة للصلاة من غير الماء؛ فإن نوى رفع الحدث لم يصح، لأنه -أي: التيمم- لا يرفع الحدث”.

وحُكي عن أبي حنيفة: أن التيمم يرفع الحدث؛ لأنه طهارة عن حدث يبيح الصلاة، فيرفع الحدث كطهارة الماء.

ويردّ ابن قدامة على رأي أبي حنيفة بأن التيمم لا يرفع الحدث، ولكنه يبيح الصلاة فقط، يقول: ولنا أنه لو وجد الماء لزمه استعماله لرفع الحدث الذي كان قبل التيمم -إن كان جنبًا، أو محدِثًا، أو امرأة حائضًا-. ولو كان التيمم قد رفع الحدث لاستوى الجميع، لاستوائهم في الوجدان. ولأنها طهارة ضرورة -يعني: لعدم وجود الماء- فلم ترفع الحدث كطهارة المستحاضة؛ وبهذا فارق الماء -يعني: الماء يرفع الحدث، أما التيمم فلا يرفع الحدث، ولكنه يرفع حُكمه-. إذا ثبت هذا، فإنه إن نوى بتيمّمه فريضة فله أن يصلي ما شاء من الفرض الذي نواه والنفل، سواء نوى فريضة معيّنة أو مطلقًا. فإن نوى نفلًا أو صلاة مطلقة، لم يجز أن يصلّي به إلا نافلة. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: له أن يصلي ما شاء؛ لأنها طهارة يصحّ بها أن يصلي النفل فصح بها الفرض، كطهارة الماء.

ولكن ابن قدامة يراى أن نيّة الفرض تبيح صلاة النفل، وما شاء من النوافل، أمّا نيّة النافلة بالتيمم، فلا تبيح الفرض.

ثم يقول: إذا نوى الفرض، استباح كلّ ما يباح بالتيمم من النفل، قبل الفرض وبعده، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، واللبث في المسجد. وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي.

وقال مالك: لا يتطوع قبل الفريضة بصلاة غير راتبة. وحكي نحوه عن أحمد، لأن النفل تبع للفرض، فلا يتقدّم التابع المتبوع.

يقول ابن قدامة أن ذلك يجوز، فيقول: ولنا أنه تطوّع، فأبيح له فعْله إذا نوى الفرض كالسّنن الراتبة، وكما يكون ذلك جائزًا بعد الفرض.

تلك هي المسألة الأولى، وهي ما يتعلّق بالنّيّة، ومنها قد علمنا واتّضح لنا: أنّ اشتراط النِّية في التيمم أو وجوبها هو قول جميع علماء الأمصار، لم يشذ عن ذلك إلاّ الأوزاعي والحسن بن صالح.

الراجح: هو قول الجمهور بأنه النِّيَّةِ واجبة فِي التَّيمُّمِ كما في الوضوء وفي الغسل.

المسألة الثانية: طلب الماء:

هل يجب على المتيمّم أن يطلب الماء قبل أن يتيمّم؟ أم بمجرد انقطاعه، أو عدم وجوده، أو دخول وقت الصلاة، له أن يتيمم ويصلّي، سواء طلب الماء أم لم يطلبه؟

يقول ابن رشد: “وأما المسألة الثانية، فإن مالكًا اشترط الطلب، وكذلك الشافعي، وكذلك الإمام أحمد”.

إذًا هناك ثلاثة من الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، هذا هو جمهور الفقهاء. ولم يشترطه أبو حنيفة، ولكنه قال: إذا لم يغلب على ظنّه وجود الماء، لكن إذا غلب على ظنّه وجود الماء، يكون طلب الماء شرطًا كسائر الأئمة.

كيف يطلب الماء؟

يقول ابن قدامة: “وصفة الطلب: أن يطلبه في رحْله -يعني: يسأل جيرانه وأصحابه ورفقاءه-. ثم إن رأى خضرة -يعني: مكانًا فيه خضرة ونباتات، يكون ذلك دليلًا على أن في هذا المكان ماء، بدليل وجود النباتات- أو شيئًا يدل على الماء قصده فاستبرأه -يعني: تحقق منه- وإن كان بقربه ربوة -مكان مرتفع شيئًا ما- أو شيء قائم أتاه وطلب عنده -يعني: يصعد الربوة وينظر ذات اليمين وذات اليسار، وإن لم يكن لا هذا ولا ذاك نظر أمامه ووراءه، وعن يمينه وعن يساره، وإن كانت له رفقه يُدِلُّ عليهم -يعني: كانت له حظوة أو مكانة- طلب منهم؛ لأنهم حينئذٍ لا يتأخرون عنه بحُكم منزلته ومكانته عندهم. وإن وجد من له خبرة بالمكان، سأله عن مياهه -يعني: المياه الموجودة في هذا المكان-. فإن لم يجد فهو عادم للماء. وإن دُلّ على مكان، لزِمه قصْده إن كان قريبًا، ما لم يخَف على نفسه أو ماله، أو يخشى فوات رفقته، ولم يفت الوقت. وهذا مذهب الشافعي. فإن طلب الماء قبل الوقت، فعليه إعادة الطلب بعده -قاله ابن عقيل- لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم، فلم يسقط فرضه، كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع. وإن طلب بعد الوقت ولم يتيمّم عقبه، جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلَب.

الشرط الثالث: إعواز الماء بعد الطلب:

ولا خلاف في اشتراطه؛ لأن الله تعالى قال: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، وقالصلى الله عليه وسلم: «التراب كافيك ما لم تجد الماء»، فاشترط ألا يجد الماء. ولأن التيمم طهارة ضرورة ولا يرفع الحدث، فلا يجوز إلا عند الضرورة. ومع وجود الماء لا تكون هناك ضرورة.

بعد هذا البيان الشافي الكافي، في مسألة طلب الماء قبل التيمم، واشتراطه عند جمهور الأئمة، وعدم اشتراطه عند أبي حنيفة، يحكي لنا ابن رشد سبب اختلاف الفقهاء في هذه القضية، يقول:

سبب اختلافهم في هذا هو:

هل يسمَّى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء؟ أم ليس يُسمَّى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده”.

فالمسألة مسألة تسمية، لكن الحق في هذا: أن يعتقد أن المتيقِّن لعدم الماء إما بطلب متقدّم، وإما بطلب بغير ذلك هو عادِم للماء، وأمّا الظانُّ فليس بعادم للماء؛ ولذلك يضعف القول بتكرّر الطلب؛ فالذي في المذهب: “في المكان الواحد بعينه”. يعني: ما دام الإنسان طلب الماء مرة واثنتيْن وثلاثًا وما يزال مقيمًا في هذا المكان، فلا يحتاج إلى تكرر الطلب مرة ثانية أو أخرى. لكن إذا لم يكن قد سأل أحدًا أو لم يطلب الماء، فعندئذٍ يقوى اشتراطه ابتداءً إذا لم يكن هنالك علْم قطعي بعدم وجود الماء.

المسألة الثالثة: دخول الوقت:

يقول فيها ابن رشد: “وأما المسألة الثالثة، وهي: اشتراط دخول الوقت: فمنهم: -أي: من الفقهاء- مَن اشترطه: وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد -أي: الجمهور-. ومنهم: من لم يشترطه: وبه قال أبو حنيفة، وأهل الظاهر، وابن شعبان من أصحاب مالك”.

يقول ابن رشد: سبب اختلافهم هو: هل ظاهر آية الوضوء يقتضي ألا يجوز التيمم والوضوء إلا عند دخول الوقت؛ لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ } [المائدة: 6]، فأوجب الوضوء والتيمم عند وجوب القيام إلى الصلاة، وذلك إذا دخل الوقت، فوجب لهذا أن يكون حُكم الوضوء والتيمم في هذا حُكم الصلاة؟ أعني: أنه كما أن الصلاة من شروط صحتها: الوقت، كذلك من شروط صحة الوضوء والتيمم: الوقت، إلاّ أن الشرع خصّص الوضوء من ذلك، كما في حديث أنس: “كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نُحدِث”، رواه البخاري وأصحاب “السنن”؛ فيكون الوضوء مستثنًى من اشتراط الوقت، فبقي التيمم على أصله، أم ليس يقتضي هذا ظاهر مفهوم الآية؟ وأن تقدير قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ }، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. وأيضًا فإنه لو لم يكن هنالك محذوف لما كان يفهم من ذلك إلا إيجاب الوضوء والتيمم عند وجوب الصلاة فقط، لا أنه لا يجزئ إن وقع قبل الوقت، إلا أن يقاس على الصلاة. فلذلك، الأوْلى أن يقال في هذا -يعني: في سبب اختلاف الفقهاء-: أن سبب الخلاف فيه هو قياس التيمم على الصلاة، لكن هذا يضعف؛ فإن قياسه على الوضوء أشبه، لأنه طهارة، بل طهارة بديلة عن الوضوء. فتأمّل هذه المسألة، فإنها ضعيفة -أعني: من يشترط في صحته دخول الوقت، ويجعله من العبادات المؤقتة-. فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي. وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، ولكن من باب أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة، لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على الماء؛ ولذلك اختلف المذهب: متى يتيمم؟ هل في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره؟ لكن هاهنا مواضع يعلم قطعًا أن الإنسان ليس بطارئ على الماء فيها قبل دخول الوقت، ولا الماء بطارئ عليه. وأيضًا فإن قدّرنا طروء الماء فليس يجب عليه إلاّ نقض التيمم فقط، لا منع صحته. وتقدير الطروء هو ممكن في الوقت وبعده، فلم جعل حكمه قبل الوقت خلاف حكمه في الوقت؟! -أعني: أنه قبل الوقت يمنع انعقاد التيمم، وبعد دخول الوقت لا يمنعه-. هذا كله لا ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل سمعي، ويلزم على هذا ألا يجوز التيمم إلا في آخِر الوقت. فتأمّلْه -يعني كأن ابن رشد لا يوافق جمهور الأئمة في اشتراط دخول الوقت لصحة التيمم، بل إنه يقول: إنه يجوز قبل دخول الوقت كما يجوز أيضًا أو الأولى ألا يجوز إلا في آخر الوقت.

error: النص محمي !!