Top
Image Alt

معنى الحديث النبوي وزمن تدوينه

  /  معنى الحديث النبوي وزمن تدوينه

معنى الحديث النبوي وزمن تدوينه

إن الحديث اسم من التحديث وهو الإخبار، ثم سُمِّيَ به قولٌ أو فعلٌ أو تقريرٌ نسب إلى النبي -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ- ومن علماء الحديث والأصول من أدخل في تعريفه ما كان من أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم، ولكن الغالب أن يقيد إذا ما أريد به غير النبي صلى الله عليه  وسلم, وقد يستعاض عن لفظ الحديث بألفاظ أخرى تقترب وتبتعد عن معناه على حسب التوجيه الذي يرتئيه العلماء، وأقرب تلك الألفاظ إلى الحديث “السنة” فإنها كثيرًا ما عدت مرادفة للحديث، وأيضًا الخبر، وأيضًا الأثر، فالأثر لفظ آخر يسمي به المحدثون الحديث سواء كان الحديث مرفوعًا، وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه  وسلم أو موقوفًا وهو ما أضيف إلى الصحابة والتابعين، كما قد يسمى المحدِّثُ أثريًّا نسبة إلى الأثر, ونرى فريقًا من العلماء يسمون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر.

والمحدثون طائفة من أهل العلم كانوا على درجة من الأمانة عزيزة المثال، فانعكس ذلك على نشاطهم العلمي الكبير، متمثلًا في الدقة المتناهية التي اصطبغت بطابعها تطبيقاتهم العملية لمنهجهم النقلي الواسع في أصول الرواية وقواعدها، ولقد حملت صدور المحدِّثِين حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم قبل أن تحمله السطور، وظلت الرواية قائمةًََ إلى جنب التدوين حتى مطلع القرن الرابع الهجري، وبه ختام عصر الرواية.

تدوين الحديث:

هو أول تدوين بعد القرآن؛ وتدوينه قد مر بمرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: مرحلة التدوين الخاص، وتبتدئ بعصر النبي صلى الله عليه  وسلم وتنتهي بنهاية القرن الأول، وكان هنالك تساؤل أثاره العلماء حول ورود أحاديث صحت عن النبي صلى الله عليه  وسلم نهى فيها عن تقييد شيء غير القرآن، كقوله صلى الله عليه  وسلم: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))، والحديث في (صحيح مسلم شرح النووي).

فيثار تساؤل: هل جاز تدوين الحديث في هذه المرحلة من الناحية الدينية, مع ورود أحاديث تمنع تدوينه، وفي الوقت نفسه هنالك أحاديث أخرى صحيحة أيضًا جوزت الكتابة في الحديث لرجال مخصوصين كعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما؟

خرج العلماء من هذا بأن النهي منسوخ بالإذن، ورأى آخرون أن النهي خاص بمن لم يؤمن عليه الغلط والخلط بين القرآن والسنة، أما الإذن فهو خاص بمن أُمِنَ عليه ذلك، فالإذن بالتدوين منه صلى الله عليه  وسلم قد وقع، وأن من الصحابة من كان يدون الحديث، وأن وثائق وصحائف ومدونات قد ظهرت في عهد الرسول صلى الله عليه  وسلم والخلفاء الراشدين من بعده تحمل الحديث وتحفظه.

المرحلة الثانية: مرحلة التدوين العام، وكان ذلك في مفتتح القرن الثاني, تحديدًا على رأس المائة الأولى، عندما أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بجمع حديث النبي صلى الله عليه  وسلم وتدوينه التدوين الرسمي الشامل، وقد وجَّهَ أمره هذا إلى أهل الآفاق وعماله في الأمصار، وأولهم عامله على المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.

فقد خافَ دروسَ العلم وذهابَ أهلِه، وكان الإمام الزهري أول ملبٍّ للخليفة نداءَه؛ فكتب له في ذلك كتابًا، دَوَّن فيه الحديث النبوي بالطريقة العلمية والنقد الأمين، فكان أول مقرر لشروط الرواية الصحيحة, وذلك هو المفتاح الحق لظهور أمهات الحديث الجامعة بالأسانيد الموثقة مثل: (الموطأ) للإمام مالك بن أنس، و(المسند) للإمام الطيالسي، و(المسند) للإمام أحمد بن حنبل.

وقبل أن ينتهي عصر الرواية سنة ثلاثمائة، ظهرت الكتب الستة الصحيحة مرتبة على الأبواب ترتيبًا غير مسبوق، وهي: الصحيحان (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم), والسنن الأربعة لابن ماجه وأبي داود والترمذي والنسائي, وبظهور الكتب الستة ثبتت نصوص الحديث الصحيح، غير أن الصحيح لم يكن ليستوفى جمعه في هذه المصنفات النفيسة، فقد كان أوسع من أن يحصر.

وجاء المتأخرون فكانوا مهذبين وشارحين، وفيهم من صنف في الاستدراك على المتقدمين بعض ما قد فاتهم من الحديث الصحيح، ككتاب (المستدرك على الصحيحين) للحاكم النيسابوري, ثم تتابعت المستخرجات والمجاميع، وكتب الأطراف والزوائد، وكتب أحاديث الأحكام والجوامع العامة، وغير ذلك من ألوان التصنيف في جمع مادة الحديث الشريف.

وعلم الحديث إنما كان واحدًا من عِلْمَين أساسين تقوم عليهما دراسة الحديث النبوي, والعلم الآخر هو علم مصطلح الحديث، وعلم المصطلح هو القواعد المُعَرِّفَةُ بحال الراوي والمروي، وموضوعه السند والمتن، وغايته معرفة الصحيح من غيره، وعلى ذلك فإن علم مصطلح الحديث مدخلٌ لعلم الحديث، ولا بد لطالبه أن يتزود بما يحتاج إليه علم التفسير من اللغة، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبديع، والأصول.

وقد استطاع المحدثون في هذا الفن أن يثبتوا أحكام الرواية وشروطها وأنواعها، وأن يسجلوا لديهم بقدرة عجيبة حال الرواة، وتاريخ النقلة وشروط كلٍّ، وعدالة كلٍّ, فبلغوا بذلك مرماهم، وهو الوقوف على حقيقة الرواية، ومن ثم تصنيف الروايات وما يتعلق بها.

error: النص محمي !!