Top
Image Alt

معنى الصلاة، وأقسامها، ووجوبها، وعدد الواجب منه، وعلى من تجب الصلاة، وحكمُ تاركِها

  /  معنى الصلاة، وأقسامها، ووجوبها، وعدد الواجب منه، وعلى من تجب الصلاة، وحكمُ تاركِها

معنى الصلاة، وأقسامها، ووجوبها، وعدد الواجب منه، وعلى من تجب الصلاة، وحكمُ تاركِها

أولًا: معنى “الصلاة” وأقسامها:

“الصلاة” في اللغة: تعني: الدعاء. لقوله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } [التوبة: 103] أي: ادْعُ لهم يا محمد بالنماء والبركة في أموالهم التي أخذت الصدقة منها.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعِيَ أحدُكم فلْيُجِبْ»، يعني: دُعي إلى وليمة، أو إلى لِقاء، أو إلى مناسبة، «… فإن كان مُفطِرًا فَلْيَطْعَمْ»، أي: لِيَأْكلْ من الوليمة، «…وإنْ كان صائمًا فلْيُصلِّ»، يصلِّي: يدعو لأصحاب هذه الوليمة وذلك الطعام.

“الصلاة” في الشرع: عبارة عن أفعال معلومة، والأفعال المعلومة تعني: الأقوال، والركوع، والسجود، والقيام، والقعود، مضافًا إليها: قراءة ما تيسّر من القرآن، والتكبيرات، والتسبيحات.

الصلاة واجبة بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع:

أمّا من الكتاب: فقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] فأمَر أولًا بعبادة الله بصفة عامة، وأن يضيفوا إلى ذلك: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهما جزءان من العبادة العامّة.

وأما من السُّنّة: ما روي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُنِيَ الإسلام على خمْس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحَجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا»، متفق عليه. وكثير من الأحاديث الأخرى.

وأما من الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.

يجمع ابن رشد -رحمه الله-  أحكام الصلاة تحت جُمل أربع:

الجملة الأولى: في معرفة الوجوب -أي: وجوب الصلاة- وما يتعلّق به من الأحكام.

الجملة الثانية: وهي في معرفة شروط الصلاة، أي: شروط الوجوب، وشروط الصحة، وشروط التمام والكمال.

الجملة الثالثة: وهي في معرفة ما تشتمل عليه الصلاة من أفعال وأقوال، وهي: الأركان.

الجملة الرابعة: وتكون في قضائها، ومعرفة إصلاح ما يقع فيها من الخلل، وجبْره لأنه قضاءٌ، ما إذا كان استدراكًا لما فات.

يقول ابن رشد: إن في الجملة الأولى أربع مسائل، هي:

المسألة الأولى: في بيان وجوبها: أي: وجوب الصلاة.

المسألة الثانية: في بيان عدد الواجبات منها، أي: كم فريضة علينا؟

المسألة الثالثة: بيان على مَن تجب الصلاة؟

المسألة الرابعة: ما الواجب على مَن ترك الصلاة متعمِّدًا؟

وهذا بيان هذه المسائل بالتفصيل.

المسألة الأولى: بيان وجوب الصلاة:

يقول ابن رشد: “أمّا وجوبها، فَبُيّنَ من الكتاب، والسُّنة، والإجماع.

المسألة الثانية: عدد الواجب من الصلاة:

كم عدد الفرائض التي فرَضها الله علينا؟ هل هي خمْس فرائض المعروفة والمشهورة؟ أو هي ستّة كما ذكر أبو حنيفة؟ حيث أضاف إليها الوتر واعتبره من الصلوات الواجبة.

يقول ابن رشد في هذه المسألة إن هناك قولين، هما:

القول الأول: قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر العلماء، وهو: أنّ الواجب هي: الخمس صلوات فقط، ليس غير.

القول الثاني: قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو أن الوتر واجب مع الخمس.

ويُوضِّح ابن قدامة هذيْن القوليْن، فيقول: الصلوات المكتوبات خمْسٌ في اليوم والليلة، ولا خلافَ بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلاّ لعارض مِن نذْر أو غيره، وهذا قول أكثر أهل العلم.

 ثم يقول: وقال أبو حنيفة: الوتر واجب؛ لِما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قد زادكم صلاة، وهي: الوتر»، هذا يقتضي وجوبه. وقال صلى الله عليه وسلم: «الوتر حق»، رواه ابن ماجه.

ويردّ ابن قدامة على قول أبي حنيفة، فيقول:

ولنا ما رَوى ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فرَضَ الله على أمّتي خمسين صلاة…»، فذكَر الحديث -أي: حديث الإسراء والمعراج- إلى أن قال: «فرجعتُ إلى ربّي فقال: هي خمس وهي خمسون. ما يُبّدَّل القولُ لديّ».

وروي عن طلحة بن عبيد الله: أن أعرابيًّا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ماذا فرَض الله عليّ من الصلاة؟ قال: «خمْسُ صلوات»، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لا. إلاّ أنْ تطوّع شيئًا». فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلَحَ الرجلُ إنْ صدَق»، متفق عليه.

وزيادة الصلاة يجوز أن تكون في السّنن، فلا يتعيّن كونها فرضًا، في الرد على أبي حنيفة في حديث: «قد زادكم صلاة، وهي: الوتر».

والذي نرجِّحه: أنّ الوتر ليس واجبًا، والواجب فقط هو: الصلوات الخمس، وإن كان الوتر من السّنن المؤكَّدة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ ويحرص عليها، يُقصد بها زيادة السّنن، وزيادة الرجاء في أجر الله سبحانه وتعالى وجبر نقصان ما قد يقع من النقصان في الفرائض.

المسألة الثالثة: على مَن تجب الصلاة؟

وفيها يُبيِّن ابن قدامة: “أنها تجب على المسلم البالغ، ولا خلاف في ذلك، ولا تسقط إلاّ بالموت عند الأئمّة الثلاثة”.

قال أبو حنيفة: إن عجز عن الإيماء برأسه سقط الفرض عنه، ويُصلّي بأيّ كيفيّة.

لكن قال جمهور العلماء: إنها لا تسقط، ويصلي بالكيفيّة التي يستطيعها؛ وذلك هو الصحيح.

المسألة الرابعة: حُكم تارك الصّلاة:

ونريد أن نُنبِّه هنا إلى أنّ تارك الصلاة نوعان:

النوع الأول: يجحد وجوبها، ويُنكر فرضيّتها؛ وذلك إنكار لما هو معلوم من الدِّين بالضرورة، فيكون ذلك المنكرِ والجاحد كافرًا.

النوع الثاني: مَن يتركها تكاسلًا، وهو نوع من العمد؛ لأن التكاسل نوع من العمد. أي: يتركُها عمدًا، أو يتركها نسيانًا، أو نومًا.

والناسي أوالنائم، فقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلمعنه: «لا تفريط في النوم؛ إنما التفريط في اليقظة. فمن نام عن صلاة أو نَسِيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرَها؛ فذلك هو وقتُها». أيضًا في الحديث الآخر: «رُفع عن أمّتي: الخطأ، والنسيان، وما استُكرِهوا عليه».

فيكون كلّ مِن الجاحد والمنكِر خارج موضوعنا؛ لأنه كافر.

والنوع الثاني: النّاسي والنائم، فهذا مرفوع عنه التكليف والقلم؛ لأنه سيقضيها.

أمَّا من ترك الصلاة عمدًا -يعني: ما يُقال عنه: تكاسلًا-:

يقول ابن رشد في هذه القضية:

وأمّا ما الواجب على مَن ترَكها عمدًا؟ وأُمر بها فأبَى أن يصلِّيَها، لا جحودًا لفرْضها وإنما تعمُّدًا لترْكِها؟ فإنّ قومًا قالوا: يُقتل، وقومًا قالوا: يُعزّر، وقوما قالوا: يُعزّر ويُحبس، أي: يؤدَّب بنحو حبْس، وضرْب، ونفْي، وتوبيخ. وقد تكون غرامة مالية، ونحو ذلك من الأمور… والذين قالوا: يُقتل، منهم مَن أوجب قتْلَه كُفرًا؛ -فاعتبروه كافرًا. وهو مذهب: أحمد، وإسحاق، وابن المبارك. ومنهم: من أوجب قتله حَدًّا، وهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. يعني: يُعتبَر مرتدًا. وأهل الظاهر –أي: داود بن علي، وابن حزم- ممّن رأى حبْسه وتعزيره حتى يُصلّي.

سبب اختلاف الفقهاء في حُكم تارك الصلاة متعمِّدًا:

يقول ابن رشد: “السبب في هذا الاختلاف: اختلاف الآثار، وذلك أنه ثبت عند الجماعة -أي: الكتب السِّتّة- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يَحِلّ دمُ امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كفْر بعد إيمان، أو زنًى بعد إحصان، أو قتْل نفْس بغير نفْس»؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر في هذا الحديث ترْك الصلاة، وإنما كفْر بعد إيمان التي هي الرِّدّة، والزّاني المحصن -أي: المتزوج يرجم حتى يموت- والقصاص: { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } [المائدة: 32] يُقتل قصاصًا؛ فهؤلاء هم الثلاثة الذين يحلّ دمُهم، ولا رابع لهم”، إذن ليس من بيْنها ترك الصلاة متعمِّدًا.

وإن كان أحمد بن حنبل -رحمه الله- يعتبر تارك الصلاة كافرًا، فهو مِن النوع الأوّل: «كفْر بعد إيمان»؛ لأنه بترك الصلاة متعمدًا يكون قد خرج من الملّة وأصبح كافرًا، فيكون قد حلّ دمُه بإذن الرسولصلى الله عليه وسلم. وليس ذلك أن يَقتل أيُّ إنسان أيَّ إنسانٍ تاركٍ للصلاةِ، وإنما المسئول عن ذلك والقائم بذلك هو: وليّ الأمر، ومَن يُنيبُه، وليس عوامّ النّاس.

أمَّا الحديث الثاني  من هذه الآثار، فهو:  ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث بريدة الذي أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي عنه: “حسن صحيح”، وقال الحاكم: “صحيح الإسناد، لا تُعرف له علّة بوجه من الوجوه”، وهو: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمَن ترَكَها فقد كفَر». فهذا نص في أنّ تارك الصلاة ناقض للعهد وقد كفَر فعلًا.

ثم حديث جابر الذي رواه مسلم وأصحاب (السنن) عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ليس بيْن العبد وبيْن الكفر -أو قال:- الشرك، إلاّ ترْك الصّلاة».

إذًا، هذان الحديثان ينصّان على أنّ ترْك الصلاة يُعتبر كفرًا. فتارك الصلاة متعمِّدًا من خلال هذيْن الحديثيْن يكون كافرًا.

فمن فهِم من الكفْر ها هنا -أي: في الأحاديث- الكفْر الحقيقيّ، جعَل هذا الحديث كأنه تفسير لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأوّل: «كُفْر بعْد إيمان»، فأدخل فيه تاركَ الصلاة.

ومَن فهِم هاهنا التغليظ والتوبيخ، أي: أنّ أفعاله أفعال كافر، وليس كافِرَ عقيدة، أو كافِر اعتقاد، كما قال: «لا يزْني الزّاني حين يزني وهو مؤمن – أي: إيمانًا كاملًا »، مع أنّ الزاني مؤمن، ونفْي الإيمان هنا: نفْي الكمال، ولم يَر أحدٌ من الأئمّة قتْلَ الزاني ولا قتْل السارق، مع أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم نفَى عن كلٍّ منهما صفة الإيمان؛ لكن العلماء بيّنوا ذلك وخرّجوه على أنه ليس النفّي الحقيقي لحقيقة الإيمان، ولكنه نفْيٌ لكمال الإيمان، أو أنه في هذه اللحظة لم يكن مؤمنًا، لكنه بعد ذلك عاد إلى حظيرة الإيمان.

وأمّا مَن قال: يُقتل حدًّا، فضعيف.

وابن رشد يُرجِّح هنا أن يكون المراد بالكفر: تشبيه تارك الصلاة في ترْكه للصلاة بأفعال الكافرين، من باب التغليظ، والرّدع، والتقبيح؛ فتكون أفعاله تشبه أفعال الكافر، ولكنه ليس كافرًا على الحقيقة.

كما أنه يرفض قول أن يُقتل كفرًا، ويأخذ بالقول الآخَر وهو: التعزير، والتأديب، والحبس، كما قال الظاهرية، أو أنه يُقتل حدًّا وليس كُفرًا.

وعلى كل حال، فإن الصلاة عماد الدِّين، مَن أقامها فقد أقام الدِّين، ومَن ترَكها فقد هدم الدِّين. والصلاة هي أوّل ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة؛ فإن صلحتْ صلحتْ جميعُ أعماله، وإن فسدتْ فسدتْ جميعُ أعماله.

error: النص محمي !!