Top
Image Alt

معنى العدالة، بم تثبت؟

  /  معنى العدالة، بم تثبت؟

معنى العدالة، بم تثبت؟

الشرط الثاني: عدالة الراوي أو عدالة الرواة:

يشترط في الراوي الذي تقبل روايته أن يكون عدلًا في دينه.

العدالة في اصطلاح الفقهاء: هي مَلَكَة راسخة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر، وبعض الصغائر، وبعض المباحات.

العدالة في اصطلاح المحدثين: حتى يكون الراوي عدلًا عند المحدثين، لا بد أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا، سالمًا من أسباب الفسق، سالمًا من خوارم المروءة.

شروط تحقق العدالة:

أولاً: الإسلام:

يشترط في الراوي عند الأداء والتحديث أن يكون مسلمًا، فلا تقبل رواية الكافر؛ للآتي:

  1. أجمعت الأمة الإسلامية على رد رواية الكافر؛ لأنه ليس أهلًا للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مَنْصِبٌ شريف لا يصل إليه الكافر.
  2. الفاسق غير مقبول الرواية، فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} [الحجرات: 6].  أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بالتثبت من خبر الفاسق، كما أنه رتَّبَ رد خبره على فسقه، فَعِلِّةُ رد خبر الفاسق إنما هي الفسق، والكفر أعظم أنواع الفسق على الإطلاق، فمن باب أولى ترد رواية الكافر؛ ولأن الكافر عدو لديننا، فكيف نأتمنه على سنة نبينا، غير أنه يجوز للكافر أن يتحمل الحديث، وأن يحضر مجالس العلماء، ولكن لا يؤدي إلا بعد الإسلام، فإن أسلَمَ جاز له أن يؤدي ويحدث حتى بما سمعه وتحمله في حال كفره. إذًا إسلام الراوي شرط عند الأداء والتحديث، وليس بشرط عند التحمل والسماع.

ثانياً: البلوغ:

ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُشترط فيمن تقبل روايته؛ أن يكون عند الأداء والتحديث بالغًا، والمراد بالبلوغ هنا البلوغ الفطري، أو باستكمال خمس عشرة سنة إذا لم يبلغ بلوغًا فطريًّا، وإنما شرطنا في الراوي أن يكون عند الأداء والتحديث بالغًا؛ لأن البلوغ هو مَناط التكليف، ولأن الإنسان عندما يصل إلى سن البلوغ يصبح ناضجًا مكتملًا؛ لأنه أصبح عنده القدرة على أن ينجب مثله، كما أن الإنسان عند هذا السن يستشعر المسئولية، ويكون محاسبًا على كل ما يصدر منه من أقوال وأفعال.

وهذا الشرط -وهو البلوغ- إنما يشترط عند الأداء والتحديث وليس بشرط عند التحمل، فيجوز للصبي المميز أن يتحمل الحديث، وأن يحضر مجالس العلماء، غير أنه لا يجوز له أن يؤدي ما يتحمله قبل البلوغ إلا بعد البلوغ، فإن وصل سن البلوغ جاز له أن يؤدي ما تحمله قبل البلوغ، وهذا بلا خلاف بين العلماء، ويدل على قبول روايته الإجماع والمعقول.

أما الإجماع فمن وجهين:

الوجه الأول: الصحابة؛ أجمعوا على قَبول رواية ابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقًا، من غير فرق بين ما تحملوه في حال الصغر وبعد البلوغ.

الوجه الثاني: إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث، وقبول روايتهم لِمَا تحملوه في حالة الصبا وبعد البلوغ.

وأما المعقول: فهو أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية، وفي هذا اختُلف في قبول شهادة العبد، والأكثر على ردها، ولم يختلف في قبول رواية العبد، وقد أجمع على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ إذا شهِدَ به بعد البلوغ قُبلت شهادته، فالرواية من باب أولى.

ثالثاً: العقل:

يشترط فيمن تقبل روايته: أن يكون عاقلًا، فلا تقبل رواية المجنون إذا كان جنونُه مطبقًا بالإجماع، وكذا إذا كان جنونه متقطعًا وأثَّر في زمن إفاقته، أما إذا لم يؤثر جنون الراوي في زمن إفاقته، قال ابن السمعاني: تُقبل روايته.

رابعاً: السلامة من أسباب الفسق:

يُشترط فيمن تقبل روايته: أن يكون سالمًا من أسباب الفسق، والأمور التي يصير بها المسلم فاسقًا أن يرتكب كبيرةً، أو يصر على صغيرة، فإن ارتكب الراوي كبيرة من الكبائر أو أصرَّ على صغيرة ولم يتب، رُدت روايته بالإجماع؛ لاحتمال كذبه، فإن تاب قبلت روايته.

خامساً: السلامة من خوارم المروءة:

يشترط فيمن تقبل روايته: أن يكون سالمًا من خوارم المروءة.

تعريف المروءة: هي آداب نفسانية تحمل مراعاتها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، والمروءة يرجع في معرفتها إلى العرف المنضبط بالشرع، فإذا تعارف أهل بلد على استباحة محرم كأن يتعارفوا على شرب الخمر أو على سفور النساء، فهذا عرف باطل، والذي يخل بالمروءة أمران:

الأمر الأول: الصغائر الدالة على الخِسة ونقص الدين، وعدم الترفع عن الكذب، وذلك كسرقة شيء حقير مثل اللقمة أو غير ذلك.

الأمر الثاني: المباحات التي تُورِثُ الاحتقار، وتذهب بالكرامة، مثل المِزاح الخارج عن حد الاعتدال، والأكل في السوق، والبول في الشارع، ونحو ذلك، مما يدل على سرعة الإقدام على الكذب وعدم الاكتراث به.

الأدلة على اشتراط العدالة فيمن تقبل روايته:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} [الحجرات: 6]. أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن نتثبت من خبر الفاسق ولا نعتمد على روايته في الأخبار، كما أن الله تعالى رتب رد خبر الفاسق على فسقه، فَعِّلَةُ رد خبر الفاسق إنما هي الفسق، فيلزم من ذلك أن يكون الراوي الذي تقبل روايته عَدْلًا في دينه. قال الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2] ، وقال سعد بن إبراهيم: “لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات”. وقال محمد بن سيرين: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.

قال الإمام الحازمي في شروط من تقبل روايته:

الشرط الأول: الإسلام، وهو المقصود الأعظم، فرواية أهل الشرك مردودة، ومستند ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فإن تحمل الرواية وهو مشرك ثُمَّ أدَّاها في الإسلام -أي: بعد إسلامه- فلا بأس بذلك.

ثم قال -في شرط العدالة-: قد أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل، وكل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن عدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم .

بم تثبت العدالة؟

تثبت عدالة الراوي بواحد من أمرين:

  1. التنصيص.
  2. الاستفاضة والشهرة.

أولًا: التنصيص: إذا نص عالم من علماء الجرح والتعديل على عدالة الراوي، فهو عدل مؤتمن، وهذا هو الصحيح الذي قال به علماء الحديث وغيرهم. وقيل: لا تثبت عدالة الراوي إلا إذا نَصَّ على عدالته عالمان قياسًا على الشهادة، ولكن قياس الشهادة على الرواية قياس باطل؛ لأنه قياس مع الفارق كما ستعرف.

ثانيًا: الاستفاضة والشهرة: فمن اشتهرت عدالتُه بين أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم، وكثُر ثناء الناس عليه بالثقة والأمانة، استغني بذلك في إثبات عدالته، ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص على عدالته، وذلك كالأئمة الأربعة المتبوعين، والبخاري، وغيرهم ممن عرفوا بين الناس بالاستقامة والصدق مع البصيرة والفهم، فهؤلاء لا يسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين ومن خفي أمره على الطالبين.

سئل الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فقال أحمد: مثل إسحاق يسأل عنه؟! إسحاق عندنا من أئمة المسلمين.

مذهب ابن عبد البر في إثبات العدالة:

توسع ابن عبد البر  رحمه الله  في إثبات العدالة، فقال: كل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وامتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). أخرجه ابن عدي وغيره من حديث ابن عمر، وهو حديث ساقط سندًا ومتنًا.

وفيما قاله الإمام ابن عبد البر اتساع غير مُرضٍ، وسوف نناقش هذا المذهب ونبين ضعفَ هذا الحديث في باب الجرح والتعديل إن شاء الله تعالى.

error: النص محمي !!