Top
Image Alt

معنى “المحكَم”، و”المتشابه”

  /  معنى “المحكَم”، و”المتشابه”

معنى “المحكَم”، و”المتشابه”

1. معنى “الإحكام”، و “التشابه”، في اللغة: الإحكام -بكسر الهمزة-: مصدر “أحكم”، الرباعي، ومعناه: المنع، يقولون: أحكم الأمر، أي: أتقنه، ومنعه عن الفساد. ويقولون: أحكمه عن الأمر أيضًَا، أي: أرجعه عنه، ومنعه منه، ويقولون: حكم الناس، وحكم نفسه، أي: مَنَعَ النَّاسَ، ومنع نفسه عما لا ينبغي، ويقولون: أحكم الفرس، أي: جَعَلَ لَهُ حكمة، وهي ما أحاط بحنكي الفرس من لجامة تمنعه من الاضطراب. وقيل في قوله سبحانه وتعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20]، أي: العدل، أو العلم، أو الحلم، أو النبوة، أو القرآن، مما في هذه من الحوافظ الأدبية الرادعة عما لا يليق، كما في (القاموس المحيط)، وغيره من المعاجم. التشابه: هو مصدر “تشابه”، الخماسي، ويدل على المشاركة، في المماثلة والمشاكلة، المؤدية إلى الالتباس غالبًا، يقال: تشابها، واشتبها، أي: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، ويقال: أمور مشتبهة، ومشبَهة، أو مشبَّهة، أي: مشكلة، ومنه قوله سبحانه -وصفًا لرزق الجنة-: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [البقرة: 25]. 2. الإحكام، والتشابه العام: لقد ورد في القرآن الكريم، ما يدل على أنه محكم كله إحكامًا عامًا ينضوي على جميع آياته وسوره، كما ورد فيه أنه متشابه كله من أوله إلى آخره، وأيضًا جاء فيه ما يقسمه إلي محكم، ومتشابه، ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة؛ لأن المعنى المراد في هذه الإطلاقات، يختلف بعضه عن بعض، فمعنى المحكم، والمتشابه في الإطلاق الأول والثاني، يختلف عنه في الإطلاق الثالث. فالأول الإحكام العام، والثاني التشابه العام، وهما يختلفان عن الإطلاق الثالث؛ ويراد به الإحكام الخاص، والتشابه الخاص. الإطلاق الأول: القرآن محكم كله، بمعنى: متقن منظم متين حق لا خلل فيه ولا نقص ولا عوج، كما قال سبحانه: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]، وقال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}. الإطلاق الثاني: القرآن متشابه كله، قال تعالى: {اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ} [الزمر: 23]، أي: يشبه بعضه بعضًا في الصدق، والإعجاز، والإحكام، وبلوغه الكمال في ألفاظه ومعانيه. الإطلاق الثالث؛ وهو المشهور: قد جاء في القرآن الكريم، ما يقسم آياته إلى قسمين؛ بعضها محكم، وبعضها متشابه، قال جل شأنه: {هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، وهذا التقسيم حق؛ فبعض آيات القرآن واضحة الدلالة، يعرف المراد منها بذاتها، ولا تحتاج إلى بيان. والبعض الآخر خفي الدلالة، لا يعرف المراد منه استقلالًا؛ بل يحتاج إلى بيان حتى يعرف معناه، فالأول هو المحكم، والثاني هو المتشابه. فلا تنافي إذًا بين كون القرآن محكمًا كله، وبين كونه متشابهًا، وبين كونه منقسمًا إلى المحكم، والمتشابه؛ لأن المراد من اللفظ المحكم، والمتشابه في بعض الإطلاقات، يختلف عنه في الإطلاق الآخر؛ فالجهة منفكة، فلا تعارض ولا تناقض، وهذه التأويلات بإطلاقاتها المختلفة، لا تنفك عن المعنى اللغوي، كما قال الزرقاني: فالقرآن محكم إحكامًا يمنع تطرق الخلل، أو الفساد إليه، كما أن منه محكمًا واضحًا يمنع الخفاء عنه، وهو متشابه أيضًا، يشبه بعضه بعضًا في الحق، والإعجاز، مشابهة تقضي إلى التباس التمييز بين آياته وكلماته في ذلك، كما أن منه متشابهًا فيه وجوهًا مختلفة متماثلة، مستلزمة لخفاء المعنى المراد. 3. المحكم، والمتشابه بالمعنى الخاص: اختلف العلماء في تحديد معنى المحكم، والمتشابه إلى عدة آراء، أهمها: أولًا: أن المحكم، هو الواضح الدلالة، الظاهر الذي لا يحتمل النسخ، والمتشابه ما كان خفي الدلالة، لا يدرك معناه عقلًا، ولا نقلًا، وهو ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة. والحروف المقطعة في أوائل السور، وقد عزا الألوسي، هذا الرأي إلى الحنفية، ومثال المحكم: الفروض، والأوامر، والحدود، والنواهي، كقوله: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [البقرة: 110]، {فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]؛ فهذا واضح الدلالة. ثانيًا: أن المحكم، ما عرف المراد منه؛ إما بالظهور، وإما بالتمثيل، أما المتشابه، فهو ما استأثر الله بعلمه؛ وهو المختار عندأهل السنة. ثالثًا: أن المحكم، ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من التأويل، والمتشابه، ما احتمل أوجهًا في تفسيره، ولكن هذا يدخل فيه المشترك اللفظي كالقرء، ويعزى هذا إلى ابن عباس، وعليه أكثر الأصوليين. رابعًا: أن المحكم، ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، أما المتشابه، فهو الذي لا يستقل بنفسه؛ بل يحتاج إلى بيان، فتارة يبين بكذا، وتارة يبين بكذا؛ لحصول الاختلاف في تأويله، ويحكى هذا عن الإمام أحمد رحمه الله. خامسًا: أن المحكم، هو السديد النظم والترتيب، الذي يفضي إلى إثارة المعنى المستقيم من غير منافٍ، أما المتشابه، فهو الذي لا يحيط العلم بمعناه المطلوب من حيث اللغة، إلا أن تقترن به أمارة أو قرينة، ويندرج المشترك بالمتشابه بهذا المعنى؛ وهو منسوب إلى إمام الحرمين. سادسًا: أن المحكم، هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال، والمتشابه نقيضه، وينتظم المحكم على هذا ما كان نصًا، وما كان ظاهرًا، وينتظم المتشابه الأسماء المشتركة، والموهم بالتشبيه في حق الله تعالى؛ حكاه السيوطي، عن الطيبي، ويتضح من كلام الطيبي، أن المتشابه يتضمن المشترك بين المجمل، والمؤول. سابعًا: أن المحكم، ما كانت دلالته راجحة، وهو النص الظاهر، أما المتشابه، فما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل، والمؤول، والمشكل، ويعزى هذا الرأي للرازي، واختاره كثير من المحققين، كما قال الزرقاني. واللفظ الذي جعل موضوعًا لمعنى؛ إما ألا يكون محتملًا لغيره، أو يكون محتملًا لغيره، الأول: النص، والثاني: أن يكون محتمل المعاني راجحًا ولغيره مرجوحًا، وإما أن يكون احتماله لهما بالسوية، فاللفظ بالنسبة للمعنى الراجح، يسمى ظاهرًا، وبالنسبة للمعنى المرجوح، يسمى مؤولًا، وبالنسبة للمعاني المتساوية، يسمى مشتركًا، وبالنسبة لأحدهما على التعيين، يسمى مجملًا، وقد يسمى اللفظ مشكلًا، إذا كان معناه الراجح باطلًا، ومعناه المرجوح حقًّا. فالمحكم: ما كانت دلالته راجحة، وهو النص، والظاهر؛ لاشتراكهما في حصول الترجيح، إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع منه، أما المتشابه: فهو ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل، والمؤول، والمشكل؛ لاشتراكها -الثلاثة- في أن دلالة كل منها غير راجحة، وأما المشترك: إن أريد منه كل معانيه، فهو من قبيل الظاهر، وإن أريد بعضها على التعيين، فهو مجمل، كما قال الزرقاني. قال الماوردي: المحكم ما كان معلوم المعنى، والمتشابه بخلافه، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان، دون شعبان… إلخ. يقول الزرقاني -وقد رجح رأي الرازي-: نحن إذا نظرنا في هذه الآراء، لا نجد بينها تناقضًا ولا تعارضًا؛ بل نلاحظ بينها تشابهًا وتقاربًا، بيد أن الرازي، أهداها سبيلًا، وأوضحها بيانًا؛ بأن أمر الإحكام، والتشابه يرجع -فيما نفهم- إلى وضوح المعنى المراد للشارع من كلامه، وإلى عدم وضوحه، فتعريف الرازي، جامع مانع من هذه الناحية، لا يدخل في المحكم ما كان خفيًّا، ولا في المتشابه ما كان جليًّا؛ لأنه استوفي وجوه الظهور والخفاء؛ استيفاءً تامًّا في بيان تقسيمه الذي بناه على راجح ومرجوح، والذي أعلن لنا منه: أن الراجح ما كان واضحا لا خفاء فيه، وأن المرجوح ما كان خفيًّا لا جلاء معه.

error: النص محمي !!