Top
Image Alt

معنى النَّذْر وحكمه، وأصنافه، ما يلزم من النُّذُور وما لا يلزم، الواجب في النَّذْر المطلق

  /  معنى النَّذْر وحكمه، وأصنافه، ما يلزم من النُّذُور وما لا يلزم، الواجب في النَّذْر المطلق

معنى النَّذْر وحكمه، وأصنافه، ما يلزم من النُّذُور وما لا يلزم، الواجب في النَّذْر المطلق

كتاب النذور: قسّم ابن رشد -رحمه الله- هذا الكتاب ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في أصناف النذور.

الفصل الثاني: فيما يلزم من النذور وما لا يلزم وجملة أحكامها.

الفصل الثالث: في معرفة الشيء الذي يلزم عنها وأحكامها.

1. معنى النذر، والأصل فيه، وحكمه:

نلاحظ أن ابن رشد -رحمه الله- لم يقدِّم لنا معنى النذر ولا حكمه الشرعي ولا الأدلة على ذلك، بينما نجد الفقهاء الآخرين كالخطيب الشربيني أو غيره من العلماء يهتمون أولًا في أول الباب بتعريفه لغةً وشرعًا، ثم ببيان الأصل فيه أو أدلة حكمه الشرعي سواء كان واجبًا أو مباحًا أو حرامًا أو غير ذلك.

وسنراجع كتاب (مغني المحتاج) للخطيب الشربيني لنتعرف على معنى النذر لغةً وشرعًا؛ كما نتعرف أيضًا على أدلته من الكتاب أو السنة أو الإجماع عنده وعند ابن قدامة:

معنى النذر:

يقول الخطيب الشربيني: كتاب النذر وهو بذال معجمة ساكنة، أي: منقوطة: النذْر، وحكي فتحها النذَر، لغةً الوعد بخير أو شر، فإذا وعدتك بخير؛ فقد نذرت ذلك لغةً، وإذا وعدتك بشر؛ فهذا معنى النذر في اللغة.

أما شرعًا؛ فلأنه لله سبحانه وتعالى فلا يليق أن يكون الوعد إلا بخير؛ ولذلك قال العلماء: النذر شرعًا: الوعد بخير خاصة. قاله الروياني والماوردي، وقال غيرهما من العلماء: النذر شرعًا التزام قربة لم تتعين، القربة هي التقرب إلى الله بعمل الخير، هذه القربة التي نتقرب بها لم تكن متعينة علينا كالصلاة والصيام، وأنا بالنذر ألتزمها وأؤديها كما أؤدي القربة المتعينة، فالتزام قربة لم تتعين يسمى نذرًا، وذكره المصنف عقب كتاب الْأَيْمان؛لأن كلًّا منهما عقد يعقده المرء على نفسه تأكيدًا لما التزمه، فالمرء يؤكد ما يلتزمه باليمين أو يؤكد ما يلتزمه بالنذر، فكلاهما عقد يعقده المرء على نفسه تأكيدًا لما التزمه، ولأنه يتعلق بالنذر كفارة ككفارة اليمين أيضًا من لم يستطع النذر أو لم يرد القيام به يمكن أن يتحلل من ذلك بكفارة ككفارة اليمين -كما سنبين فيما بعد- ومعنى ذلك أن هناك مناسبة بين كفارة اليمين وكفارة النذر؛ فناسب أن يكون النذر بعد الأيمان.

بيان الأصل في النذر:

قال ابن رشد: الأصل فيه آيات كقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] وقوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7] وأخبار كخبر البخاري: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه؛ ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، في الْأَيْمان، وابن ماجه في الكفارات، والدارمي في النذور، ومالك في النذور، وأحمد في (المسند).

حكم النذر:

 ثم ذكر الخطيب الشربيني حكم النذر وهذا أيضًا غير موجود عند ابن رشد؛ حيث قال -رحمه الله-:

تنبيه:  اختلفوا هل النذر مكروه أو قربة؟ هذا حكم شرعي، نُقل الأول عن النص وجزم به المصنف في (المجموع) للنووي كخبر (الصحيحين) أنه صلى الله عليه وسلم: ((نهى عنه)) فيكون مكروهًا وقال: ((إنه لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من البخيل)) رواه البخاري وغيره. ونقل الثاني عن القاضي والمتولي والغزالي، وهو قضية قول الرافعي: النذر تقرب -أي: قربة لله- فلا يصح من الكافر، وقول المصنف في (المجموع) في كتاب الصلاة: النذر عمدًا في الصلاة لا يبطلها في الأصح؛ لأنه مناجاة لله تعالى فهو يشبه قوله: ((سجد وجهي للذي خلقه وصوره)) قال في (المهمات): ويعضده -أي: يقويه- النص وهو قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] أي: يجازي عليه، والقياس كذلك وهو أنه وسيلة من القربى وللوسائل حكم المقاصد.

ويسوق الخطيب الشربيني في بيان الحكم الشرعي للنذر الأدلة الكثيرة لإثبات أنه قربة وليس مكروهًا، فمن ذلك أيضًا أنه يثاب عليه ثواب الواجب كما قاله القاضي الحسيني، كذلك هو يزيد على النفل سبعين درجة -كما في (زوائد الروضة) في النكاح عن حكاية الإمام- أما النهي من النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على من ظن أنه لا يقوم بما التزمه، أو اعتقد أن للنذر تأثيرًا كما يلوح به الخبر، أو على المعلق بشيء، وقال الكرماني: المكروه التزام القربى -أي: الاستمرار عليها بحيث يَظُن صاحبها أنها أصبحت فرضًا- إذ ربما لا يقدر على الوفاء؛ وقال ابن الرفعة: الظاهر أنه قربة في نذر التبرر دون غيره. انتهى، وهذا أوجه.

ويقول ابن قدامة أيضًا عن النذر وحكمه وأدلة مشروعيته:

الأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقول الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} في وصف الأبرار: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 5: 7] إلى آخر الآيات، وقال سبحانه: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].

وأما السنة: فروت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه؛ ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُستشهدون، ويظهر فيهم السمن)) رواهما البخاري، وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به، ثم قال عن حكمه الشرعي: ولا يستحب؛ فكأن الحكم غير أن النذر غير مستحب؛ لأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى عن النذر)) وأنه قال: ((لا يأتي بخير؛ وإنما يستخرج به من البخيل)) متفق عليه، وهذا النهي نهي كراهة لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا لما مدح الله الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبًّا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأفاضل أصحابه.

آن لنا بعد أن تعرفنا لدى كل من الخطيب الشربيني وابن قدامة على معنى النذر لغة وشرعًا، وعلى معرفة حكمه سواء من حيث الكراهة أو الاستحباب وأدلة ذلك، آن لنا أن نعود إلى

2. أصناف النذور: أمَّا ابن رشد فقد قسم النذر إلى فصول ثلاثة:

الفصل الأول من فصول النذور الثلاثة: في أصناف النذور:

يجمل ابن رشد أقسام النذور في عدة تقسيمات، فيقول: النذور تنقسم أولًا قسمين؛ قسم من جهة اللفظ، وقسم من جهة الأشياء التي تنذر.

من جهة اللفظ، أي: هل اللفظ خبر أو إنشاء أو شرط أو أي نوع آخر له تقسيم؟ وهل الشيء المنذور مذكور أو ليس مذكورًا؟ هل هو صلاة أو صوم أو ذبح أو مشي إلى بيت الله أو غير ذلك من الطاعات؟.

ثم بدأ يقسم كل قسم من هذين القسمين؛ فقال: فأما من جهة اللفظ؛ فإنه ضربان نوعان: نذر مطلق، وهو المخرَّج مخرج الخبر -أي: أسلوبه، ألفاظه، صيغته صيغة الجملة الخبرية- ومقيد وهو المخرج مخرج الشرط -أي: معلق على فعل شيء أو ترك شيء؛ فهذان قسمان آخران مطلق ومقيد.

ثم المطلق على ضربين -أي: ينقسم قسمين: مصرّح فيه بالشيء المنذور به وغير مصرّح.

فالأول: المصرح فيه بالشيء المنذور به؛ مثل: قول القائل: لله علي نذر أن أحج. هذه جملة خبرية مطلقة، مصرّح فيها بالشيء المنذور به وهو الحج.

الثاني: كقوله: لله علي نذر، دون أن يصرح بالشيء المنذور، أي: بالقربة التي سيعملها، لله علي نذر دون أن يصرح بمخرج النذر.

والأول ربما صرّح فيه بلفظ النذور، مثل أن يقول: لله عليَّ نذر أن أحج، وربما لم يصرح فيه به، وهذا أيضًا تقسيم آخر.

وبعد هذه التقسيمات للنذر المطلق ينقلنا إلى النذر المقيد وهو المخرج مخرج الشرط -أي: معلق- كقول القائل: إن كان كذا؛ فعلي لله نذر كذا، وأن أفعل كذا، وهذا ربما علقه بفعل من أفعال الله تعالى مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي فعلي نذر كذا وكذا.

ويتابع ابن رشد -رحمه الله- ضرب الأمثلة لبيان أصناف النذور فيقول في النذر المعلق: ربما أن يكون معلقًا على فعل من أفعال الله تعالى مثل: إن شفى الله مريضي فعلي نذر كذا وكذا، وربما علقه بفعل نفسه، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي نذر كذا، وهذا هو الذي يسميه الفقهاء أيمانًا، وقد تقدم من قولنا: أنها ليست بأيمان؛ فهذه هي أصناف النذر من جهة الصيغ، من جهة اللفظ ومن جهة الأشياء التي تنذر، ومن جهة اللفظ هناك مطلق وهو الجملة الخبرية ومقيد، والجملة الخبرية قد يصرح فيها بالشيء المنذور به وقد لا يصرح، والمقيد أيضًا قد يصرح فيه بفعل من أفعال الله تعالى، وقد يصرح فيه بفعل المرء نفسه.

وبعد أن بيّن ذلك قال: وأما أصنافه من جهة الأشياء التي من جنس المعاني المنذور بها؛ فإنها تنقسم إلى أربعة أقسام: نذر بأشياء من جنس القرب الطاعات والأعمال الصالحة، ونذر بأشياء من جنس المعاصي والعياذ بالله، ونذر بأشياء من جنس المكروهات، ونذر بأشياء من جنس المباحات. هذه الأقسام الأربعة تنقسم قسمين: نذر بتركها، قد يكون النذر بترك معصية من المعاصي أو مكروه من المكروهات، أو ببعض المباحات قد يكون النذر بتركها وقد يكون النذر بفعلها.

الفصل الثاني من فصول النذور الثلاثة:

فيما يلزم من النذور وما لا يلزم:

يقول ابن رشد: وأما ما يلزم من هذه النذور وما لا يلزم فإنهم -أي: العلماء- اتفقوا على لزوم النذر المطلق في القرب ما دام نذر مطلق -يعني: المنذور غير محدد والنذر غير معلّق- فهو لازم في القرب إلا ما حكي عن بعض أصحاب الشافعي أن النذر المطلق لا يجوز، وإنما اتفقوا على لزوم النذر المطلق إذا كان على وجه الرضا لا على وجه اللجاج، وصُرِّح فيه بلفظ النذر لا إذا لم يصرح، وسواء كان النذر مصرحًا فيه بالشيء المنذور من صلاة أو صيام أو صدقة أو كان غير مصرّح به.

وكذلك أجمعوا على لزوم النذر الذي مخرجه مخرج الشرط إذا كان نذرًا بقربة؛ وإنما صاروا لوجوب النذر في الحالتين في المطلق في القرب وفي المعلق أو المقيد أيضًا بالقرب؛ وإنما صاروا لوجوب النذر لعموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]؛ ولأن الله تعالى قد مدح به، أي: بالوفاء بالنذر، فقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْر} [الإنسان: 7]، وأخبر بوقوع العقاب بنقضه، فقال: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُون} [التوبة: 75-76] إلى قوله: {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُون} [التوبة: 77]؛ والسبب في اختلافهم في التصريح بلفظ النذر في النذر المطلق: هو اختلافهم في هل يجب النذر بالنية واللفظ معًا أو بالنية فقط؟ فمن قال بهما معًا إذا قال: لله علي كذا وكذا، ولم يقل: نذرًا لم يلزمه شيء؛ لأنه إخبار بوجوب شيء لم يوجبه الله تعالى عليه إلا أن يصرح بجهة الوجوب، وهذا هو مذهب سعيد بن المسيب، ومن قال: ليس من شرطه اللفظ قال: ينعقد النذر وإن لم يصرح بلفظه، وهو مذهب مالك، أعني: أنه إذا لم يصرح بلفظ النذر أنه يلزم، وإن كان من مذهبه -أي: مالك- أن النذر لا يلزم إلا بالنية واللفظ؛ لكن رأى أن حذف لفظ النذر من القول غير معتبر؛ إذ كان المقصود بالأقاويل التي مخرجها مخرج النذر النذر وإن لم يصرح فيها بلفظ النذر، وهذا مذهب الجمهور، والأول مذهب سعيد بن المسيب.

فسعيد بن المسيب رضي الله عنه يرى أن النذر لا يلزم ولا يجب إلا بالنية واللفظ معًا؛ لأنه إخبار بوجوب شيء لم يوجبه الله عليه، فلا يجب إلا بالذكر والتحديد إلا أن يصرح بجهة الوجوب وهي اللفظ.

أما جمهور العلماء؛ فيقولون -ومنهم الإمام مالك-: ينعقد النذر وإن لم يصرح بلفظ النذر، ورأي الجمهور أولى وأقوى.

ثم قال ابن رشد: ويشبه أن يكون من لم يرَ لزوم النذر المطلق إنما فعل ذلك من قبل أنه حمل الأمر بالوفاء على النذر، وكذلك من اشترط فيه الرضا، فإنما اشترطه؛ لأن القربى إنما تكون على جهة الرضا لا على جهة اللجاج، وهو مذهب الشافعي، وأما مالك؛ فالنذر عنده لازم على أي جهة وقع سواء لفظ أو لم يلفظ، وإذا لفظ ولم ينوِِ فهو محاسب على لفظه، وهو رأي الجمهور، وعليه بقية الأئمة.

المسألة الأولى من المسألتين اللتين اختلف الفقهاء فيهما من جهة الأشياء المنذور بها:

نذر المعصية:

قال ابن رشد: اختلفوا فيمَن نذر معصية؛ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء وأحمد معهم: ليس يلزمه في ذلك شيء. وقال أبو حنيفة: وقيل: إن هذا هو قول أحمد وليس أبي حنيفة وسفيان والكوفيين؛ بل هو لازم -أي: النذر- واللازم عندهم فيه ليس المعصية وارتكابها؛ لأنها هي النذر الملفوظ، لا؛ وإنما اللازم عندهم فيه هو كفارة اليمين لا فعل المعصية.  وسبب اختلافهم هو تعارض ظواهر الآثار، فهناك حديثان:

أحدهما: حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه؛ ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصِه)) فظاهر هذا أنه لا يلزم النذر بالعصيان.

الثاني: حديث عمران بن حصين، وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين)) وهذا نص في معنى اللزوم. إذن هناك حديثان مختلفان، فمن جمع بينهما قال: الحديث الأول تضمن الإعلام بأن المعصية لا تلزم، وليس على الناذر شيء، والحديث الثاني تضمن لزوم الكفارة؛ فمن رجَّح ظاهر حديث عائشة، قال: ليس يلزم في المعصية شيء، ومن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين أوجب في ذلك كفارة يمين وهو الأحوط -كما قال أحمد وسفيان والكوفيون.

المسألة الثانية من الفصل الثاني لبيان ما يلزم الوفاء به وما لا يلزم من النذور: تحريم شيء من المباحات:

يقول ابن رشد: واختلفوا فيمن حرَّم على نفسه شيئًا من المباحات، فقال مالك: لا يلزم ما عدا الزوجة -أي: ما عدا تحريم الزوجة- الظهار أو قد يكون طلاقًا، وقال أهل الظاهر ومعهم الشافعي: ليس في تحريم المباح شيء، وقال أبو حنيفة: في ذلك كفارة يمين.

خلاصة المسألة: أننا أمام ثلاثة أقوال فيمن يحرِّم المباح على نفسه:

القول الأول: قول مالك -رحمه الله- أنه لا يلزمه في ذلك شيء وكأنه لم يقل شيئًا إلا تحريم الزوجة، فإن له أحكامًا أخرى إما أن تكون مظاهرًا منها وإما أن تكون طلاقًا.

القول الثاني: أهل الظاهر والشافعي قالوا: ليس عليه في ذلك شيء -يعني: يفعل المباح ولا شيء عليه.

القول الثالث: أبو حنيفة؛ حيث قال: عليه كفارة يمين كما سبق في المسألة السابقة.

يحكي لنا ابن رشد -رحمه الله- سبب اختلاف الفقهاء على هذا النحو؛ فيقول: سبب اختلافهم: معارضة مفهوم النظر لظاهر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1] وذلك أن النذر ليس هو اعتقاد خلاف الحكم الشرعي، أعني: من تحريم محلل أو تحليل محرم، وذلك أن التصرف في هذا إنما هو للشارع، فوجب أن يكون لمكان هذا المفهوم أن من حرّم على نفسه شيئًا أباحه الله له بالشرع أنه لا يلزمه كما لا يلزم إن نذر تحليل شيء حرمه الشرع. هذا مفهوم الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} وظاهر قوله تعالى بعد ذلك: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] ظاهر ذلك أثر العتب على التحريم الذي يوجب أن تكون الكفارة تحل هذا العقد، وإذا كان ذلك كذلك فهو غير لازم، والفرقة الأولى تأولت التحريم المذكور في الآية أنه كان العقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ومارية بيمين، وقد اختلف في الشيء الذي نزلت فيه هذه الآية: هل هو العسل أو مارية؟ وفي كتاب مسلم والبخاري أن ذلك في شربة عسل، وفيه، أي: سبب نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} عن ابن عباس أنه قال: “إذا حرم الرجل عليه امرأته؛ فهو يمين يكفرها، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]” وكأننا بابن رشد -رحمه الله- يرجح ما قاله جمهور العلماء؛ سواء الإمام مالك أو أهل الظاهر والشافعي: أنه لا شيء عليه.

الفصل الثالث من فصول النذور الثلاثة: معرفة الشيء الذي يلزم عنها -أي: عن النذور- وأحكامها:

وفي ذلك يقول ابن رشد: وأما اختلافهم في ماذا يلزم في نذر نُذر من النذور وأحكام ذلك، يعني: المرة السابقة هل يلزم الوفاء أو لا يلزم؟.

نشير من ذلك إلى مشهورات المسائل في ذلك، وهي التي تتعلق أكثر ذلك بالنطق الشرعي على عادتنا في هذا الكتاب وفي ذلك مسائل خمس. فابن رشد يبين أن هذه المسألة؛ حيث اختلف العلماء فيما يتعلق بها من أحكام اختلافًا كثيرًا، ولكن ابن رشد سيكتفي بتقديم المسائل المشهورة في هذا المجال، وقدم لنا هنا خمس مسائل:

المسألة الأولى: الواجب في النذر المطلق، النذر المطلق، يعني: غير المحدد كأن يقول الشخص: لله علي نذر دون أن يحدد المنذور بصلاة أو صيام أو صدقة أو حج؛ ماذا يكون على هذا الشخص الذي نذر نذرًا مطلقًا؟.

يقول ابن رشد فيمن نذر نذرًا مطلقًا: إن العلماء قد اختلفوا في الواجب عليه الذي ليس يعيِّن فيه الناذر شيئًا سوى أن يقول: لله علي نذر. قال كثير من العلماء في ذلك -يعني: على الشخص الذي قال: لله علي نذر- قالوا: في ذلك كفارة يمين لا غير ليس عليه إلا كفارة يمين، وقال قوم: بل فيه كفارة الظهار: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا } [المجادلة: 2] وكفارة الظهار كفارة مغلظة، وقال قوم: أقل ما ينطلق عليه الاسم من القرب كأن يصوم يومًا أو يصلي ركعتين.

قال كثير من العلماء: في ذلك كفارة يمين لا غير. هذا رأي الجمهور وهو الصحيح، وقد صار الجمهور لوجوب كفارة اليمين فيه للثابت من حديث عقبة ابن عامر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((كفارة النذر كفارة يمين)) خرجه مسلم.

error: النص محمي !!