Top
Image Alt

معنى كلمة “التاريخ” لغة، ودلالتها الاصطلاحية

  /  معنى كلمة “التاريخ” لغة، ودلالتها الاصطلاحية

معنى كلمة “التاريخ” لغة، ودلالتها الاصطلاحية

المنهج التاريخي: مفهومه:

بادئ ذي بدء لا بد من الوقوف والإلمام بمعنى كلمة التاريخ لغة ودلالتها الاصطلاحية، إذا ما أُطلقت عند عند المؤرخين من السلف والخلف؛ لأن معرفة معاني هذه الكلمة لغة واصطلاحًا يدخل دخولًا أوليًّا في فهم هذا العلم الجم، علم التاريخ، الذي يعتني بأحوال الأمم، ودولها، وتوثيق أخبارهم، وانتشارهم، وضبط تواريخ ولادتهم ووفياتهم.

مصطلح التاريخ ودلالاته:

التاريخ لغةً:

هو الإعلام بالوقت والتاريخ، وهذا ما قاله الجوهري. التاريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله، يقال: أرخت وورخت، وقد فرق الأصمعي بين اللغتين، فقال: بنو تميم يقولون: ورخت الكتاب توريخًا، وقيس يقول: أرخته تاريخًا، وهذا القول من الأصمعي يؤكد أن لفظة التاريخ عربية أصيلة، وليست معربة عن الفارسية، كما ذهب إلى ذلك بعضهم، وقيل: إن أصل كلمة تاريخ سرياني ومعناه الشهر.

التاريخ: دراسة للتطور البشري في جميع جوانبه السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية والروحية أيًّا كانت معالم هذا التطور وظواهره واتجاهاته.

وكلمة التاريخ تعني مجموعة الحوادث التي ظهرت في حياة البشرية، وعلم التاريخ هو ذلك الفرع من المعرفة الإنسانية، الذي يستهدف جمع المعلومات عن الماضي، وتحقيقها، وتسجيلها، وتفسيرها؛ فهو يسجلُ أحداث الماضي في تسلسلها وتعاقبها؛ ولكنه لا يقف عند تسجيل هذه الأحداث، وإنما يحاول عن طريق إبراز الترابط بين هذه الأحداث، وتوضيح علاقة السببية بينها أن يفسر التطور الذي طرأ على حياة الأمم والمجتمعات والحضارات المختلفة، وأن يبين كيف حدث هذا التطور؟ ولماذا حدث؟

يقول ابن خلدون: “اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم؛ حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا”.

التاريخ اصطلاحًا:

قد اختلفت عبارات علماء المسلمين في تحديد تعريف له، ولعل ذلك راجع إلى سعة الموضوعات التي تدخل في مفهوم التاريخ، ومن الملاحظ أن المؤرخين في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة النبوية، لم يدونوا تعريفًا كاملًا محددًا لعلم التاريخ، وإنما كانوا يكتفون بذكر فوائده وأغراضه.

ومن المعلوم أن العلم قد يعرف ببعض أنواعه أو أمثلته، أو بذكر غايته، وهذا ما نص عليه الأستاذ خليفة بن خياط بقوله: “هذا كتاب التاريخ، وبالتاريخ عرف الناس حَجّهم وصومهم، وانقضاء عدد نسائهم، ومحل ديونهم”. وقال قريبًا من ذلك الإمام الطبري في مقدمة تاريخه.

وكذلك حاول العلامة ابن خلدون، المتوفى سنة 808 هجرية أن يصيغ تعريفًا محددًا لعلم التاريخ في مقدمته فقال: “إنّ التاريخ في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخلافة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق”.

لقد نظر ابن خلدون إلى علل الحوادث وأسبابها، وحاول اكتشاف السنن التي تنظمها، وأكد على بدايات الحوادث وقيام الدول، وتعليل سقوطها.

أما المقريزي المتوفى سنة 845 هجرية؛ فقد عرّف التاريخ ببيان موضوعه بقوله: “الإخبار عما حدث في العالم في الزمان الماضي”. كما عرفه محمد بن سليمان الكافيجي المتوفى سنة 879 هجرية بقوله: “هو علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته”.

كما عرف المؤرخ الحافظ محمد بن عبد الله بن عبد الواحد السخاوي التاريخ، بقوله: “هو التعرف بالوقت الذي تضبط به الأحوال، من مولد الرواة والأئمة، ووفاة، وصحة، وعقل، وبدن، ورحلة، وحج، وحفظ، وضبط، وتوثيق، وتجريح، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة من ظهور ملمة، وتجديد فرض وخليفة ووزير، وغزوة وملحمة، وحرب وفتح بلد، وبما يتوسع فيه لبدء الخلق، وقصص الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم وأحوال القيامة ومقدماتها.

إلى أن قال: “والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت، بل عما كان في العالم”. وقال في موضع آخر: “أما موضوعه فالإنسان والزمان”.

فلا يخفى أن تعريف السخاوي لا يبعد كثيرًا عن تعريف الكافيجي، إلا أن السخاوي ركز على مفهوم التاريخ عند علماء الحديث خاصة، فقال: “علم أحوال الرجال، وضبط تواريخ ولادتهم ووفياتهم”.

فهذا إلى ما سبق هو خلاصة التعريفات بعلم التاريخ عن السلف، والتي فحواها الاعتناء بأحوال الأمم ودولهم، وتوثيق أخبارهم وانتشارهم، وضبط تواريخ ولادتهم ووفياتهم”.

أما في العصر الحديث؛ فقد أضاف علماء التاريخ المعاصرون، ومن لهم ارتباط وثيق بعلم التاريخ واختصاصه؛ فقد عرف الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- التاريخ وغايته بقوله: “التاريخ ليس هو الحوادث، إنما هو تفسير هذه الحوادث، واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية، التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمن والمكان”.

أما عن الخطوات؛ فإن التاريخ الإسلامي يبدأ بعهد آدم عليه السلام حيث كان آدم وزوجه وبنوه أول مجتمع عرف الله ربًّا والإسلام دينًا، وكذلك يرتبط التاريخ الإسلامي بالأنبياء والرسل؛ فإن دينهم واحد، وهو الإسلام قال الله عز وجل: {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].

وعلى ذلك؛ فإن أي نظرة تحليلية لفترة من فترات التاريخ ينبغي أن تراعى فيها من وجهة التفسير الإسلامي للتاريخ الأمور التالية:

أولًا: التزام نهج العقيدة في القيادة والأمة على السواء.

ثانيًا: مدى حيازة الأمة للقوة، واستعدادها لصيانة كيانها، وصد العدوان عليها، وتعبئة قواها المعنوية والمادية.

ثالثًا: بنية المجتمع من حيث الوحدة والتماسك، وروح الالتزام بالمبادئ التي تنظم وجوده.

رابعًا: معرفة واقع الأمة من حيث أداؤها لرسالتها، وتبليغها لدعوتها، ونشر مبادئها في أقطار الأرض، وإقامة حضارتها في مواطن الفتح، حيث يعرف إن كانت هذه الأمة في مرحلة مد أو مرحلة توقف وتأخر وانحسار.

خامسًا: ونحن نرى وفق هذا التفسير الإسلامي للتاريخ بشكل مجمل، دون خوض في تفاصيل الوقائع وتلمس شواهدها الجزئية، من أحداث التاريخ الإسلامي، أن الأمة الإسلامية قد مرت بفترات قوة وفترات ضعف؛ فكانت إبان القوة المنبثقة عن التزامها بعقيدتها، وتعبئتها لقواها، وصلابة بنية مجتمعها أمة الفتح المجيد، والانتصار المتلاحق، والمد المشرق، والبناء الحضاري الفذ.

وكانت في حالات ضعفها الأمة التي يغزوها أعداؤها، وينتقصون من أطراف دولها، ويتطاولون عليها، ويحتلون ديارها، ويستبيحون ذمارها، ويستبدون بأبنائها، وينالون منها في كيانها السياسي، ومصادر قوتها، وكنوزها وطاقاتها، بل يبلغون بحقدهم ووحشيتهم مبلغًا فظيعًا في القتل وسفك الدماء، وتخريب الديار، وتقويض الأمصار، ودك الحصون والقلاع، ونهب الثروات المادية والحضارية.

ولكنهم أبدًا لم يستطيعوا على الرغم من حملات العنف، وحروب التدمير، أن يذيبوا هذه الأمة الإسلامية في عقائدهم ومبادئهم، ووجودهم المنحرف؛ فقد استعصت حتى في فترات ضعفها على الذوبان، بل لقد صنعت ما لم يكن بالحسبان؛ فامتصت وهي المغلوبة الغالبين الأقوياء، فذابوا فيها بدل أن تذوب فيهم، فاستطاعت مثلًا أن تحول المغول الغزاة على مر الأيام إلى مسلمين.

واستطاعت أن تؤثر في الصليبيين تأثيرًا بالغًا بحيث يعترف المؤرخون الغربيون أن نهضة أوربا إنما تعود في حقيقتها إلى ما أفاده الغربيون من الاتصال بالمسلمين في الأندلس وفي الحروب الصليبية، فقد نشر اتصال الغربيين بالمسلمين خلال هذه الحروب قبسًا من روح العلم والبحث والتفكير الحر، وكان أبرز العوامل التي جعلت رجال الكنيسة يحاولون استخدام الفلسفة في العصر المدرسي للدين؛ لعلهم يجدون فيها لعقيدتهم سندًا من المنطق ودعامة من العقل.

تطبيق ذلك من القرآن والسنة:

 فيما يلي نسوق بعض الآيات التي يتبين منها منهج القرآن وطريقته في عرض أخبار السابقين، الذين أعرضوا عن منهج الله، ولفت أنظارنا للاتعاظ والعبرة بالمشاهد الباقية؛ من مخلفات القوم وآثارهم، قال تعالى واصفًا ما وصلت إليه الحضارات القديمة من التقدم العمراني، قال: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَاْ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَأَثَارُواْ الأرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوهَا} [الروم: 9].

وقال تعالى: {وَكَذّبَ الّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [سبأ: 45]، وقال تعالى: {وَاذْكُرُوَاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوّأَكُمْ فِي الأرْضِ تَتّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوَاْ آلاَءَ اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74]، وقال عن هود عليه السلام: {أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] {وَتَتّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 129].

وقال عن قوم فرعون: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنّاتٍ وَعُيُونٍ}(25) {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}(26) {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 25- 27].

ولكن لما لم يستقم أصحاب هذه الحضارات، ويسيروا على النهج المستقيم، ولم يصدقوا الرسل الذين بعثوا إليهم؛ أهلكهم الله ودمرهم، وأورث الأرض بعضهم قوما آخرين، وبعضها بقيت خاوية خربة؛ لتكون آية للمعتبرين.

قال تعالى بعد أن ذكر جملة من الأقوام وتكذيبهم لرسلهم، وكفرهم بالله: {فَكُلاّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مّنْ أَخَذَتْهُ الصّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].

وهذه الآيات التي تدلنا على الشروط في دراسة الآثار، والمنهج الذي ينبغي أن يتبع في الدراسة، ويوضح لنا القيمة المستفادة منها، وهي العظة والاعتبار بما أصاب أصحاب هذه الآثار من الدمار والهلاك، لما اعرضوا عن عبادة الله وتحكيم شريعته. وأن هذه من سنن الله الثابتة في كل من يعرض عن شريعته، ويتبع هواه.

فإن دراسة التاريخ بوعي وإدراك، تساعد الدارس على معرفة السنن الربانية، وتكشفها له؛ مما يجعله يستفيد من دراسته، ويخطط لمستقبله على ضوء تلك السنن، وسبق أن ذكرنا أن من ثمرات دراسة التاريخ التعرف على السنن الربانية، والذي يهمنا في هذا الموضوع هو بيان ارتباط الإيمان بالسنن الربانية بمنهج كتابة التاريخ الإسلامي، وذلك أن لله تعالى سننًا ثابتة في حركة الإنسان في هذا الكون، وهذه السنن كما عرفنا عليها القرآن ذات ارتباط وثيق بقضية الإيمان والكفر والظلم، وقضايا السلوك الاجتماعي والأخلاقي للمجتمعات البشرية.

والذي يحدد لنا اتجاهات السنن الربانية هو القرآن الكريم؛ فهو الذي عرفنا بالخير والشر، وحدد دلالة ذلك، وعرفنا بالإيمان بالله وبالشرك، وبالحق وبالباطل، وبالعدل وبالظلم، وأن أظلم الظلم هو الإشراك بالله قال تعالى: {إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] وإن الظالم لا بد أن ينال جزاءه، كما أن بسط الدنيا على أحد من الناس ليس دليلًا على محبة الله، وإنما يكون من باب الاستدراج، قال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مّهِينٌ} [آل عمران: 178] وقال تعالى: {فَمَهّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق: 17].

ثم العاقبة ستكون للمؤمنين، وأن ما يصيبهم في الحياة الدنيا من تعب وعنت وظلم هو للابتلاء والتمحيص، وهذا سنة من السنن الربانية، قال تعالى: {الَـمَ}(1) {أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوَاْ أَن يَقُولُوَاْ آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}(2) {وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1- 3].

وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مّسّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] وأن النصر الحقيقي لا يكون إلا من عند الله، قال تعالى: {وَمَا النّصْرُ إِلاّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] وأنه للمؤمنين متى وفوا بشرط الإيمان، قال تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} [الروم: 47] وقال سبحانه: {كَتَبَ اللّهُ لأغْلِبَنّ أَنَاْ وَرُسُلِيَ إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] وقال تعالى: {إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ} [غافر: 51].

وأن الأيام دول بين الناس قال تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَيَتّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ} [آل عمران: 140]، وأن الحياة الهادئة المباركة الآمنة لا تكون إلا في ظل الإيمان والتقوى، والاستقامة على منهج الله تعالى، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَىَ آمَنُواْ وَاتّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ وَلَـَكِن كَذّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96].

وأن الإعراض عن منهج الله، وترك العمل بشريعته يؤدي بالأمة إلى مدارك الهلاك، وضنك الحياة المادية منها والنفسية، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ} [طه: 124] وما أشارت إليه الآيات من معيشة الضنك في الحياة الدنيا لمن يعرض عن ذكر الله واقع ملموس مشاهد؛ فإن المعرضين عن ذكر الله يعيشون إما ضنكًا ماديًّا في رزقهم، أو ضنكًا نفسيًّا شعوريًّا، أو همًّا وقلقًا؛ لأن المعاصي تكون شؤمًا على أصحابها وفسادًا في الأرض قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُواْ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((وإن الرّجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه)) وإن الجهاد سنة ربانية فما ترك قومًا الجهاد إلا ذلوا، قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَـَكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] فالله سبحانه وتعالى يدفع بأهل الخير والصلاح فساد آهل الشر والضلال. فهذه أمثلة من السنن الربانية التي ذكرها القرآن، ولا يُدركها إلا من قرأ القرآن، وآمن به وصدقه.

ثم إذا بحث الإنسان في الواقع التاريخي للحياة البشرية، يجد مصداق ذلك؛ فيزداد إيمانًا على إيمانه، ومعرفة وعلمًا بواقعه التاريخي الحاضر، ويجد القدرة على دراسة هذا الواقع، دراسة تمكنه من اكتشاف الأخطاء، ووصف العلاج اللازم، لما أصيبت به البشرية من أمراض وانحرافات؛ حتى تتفادى الوقوع في الانحراف عن السنة الربانية، وتصيب من خيرها، وبذلك يتضح الارتباط الوثيق بين منهج كتابة التاريخ الإسلامي، والإيمان بالسُّنن الربانية في الكون، كما دلّ عليها القرآن، وكشفتها التجارب التاريخية، وهذه السنن مرتبطة بالأحكام والقوانين الشرعية وتطبيق منهج الله في حياة الناس.

error: النص محمي !!