Top
Image Alt

معنى كلمة “المعجم” لغةً واصطلاحًا

  /  معنى كلمة “المعجم” لغةً واصطلاحًا

معنى كلمة “المعجم” لغةً واصطلاحًا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فالمعجم: واحد المعاجم، والأصل أن يُجمع المعجم على معجمات، ويتمسَّك بعض العلماء بهذا، لكنَّ المجمع اللغوي أجاز الجمعين، فيقال في جمع المعجم: معجمات، ومعاجم. ينظر في هذا (المعجم الوسيط): “ع – ج – م”.

والمعجم: اسم مفعول من أعجمت الكتاب؛ أي: أزلت إبهامه وخفاءه. ويرجع هذا اللفظ إلى مادة “ع – ج – م”، التي يقول عنها ابن جني في كتابه (سر صناعة الإعراب):

“اعلم أن “ع ج م” إنما وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان والإفصاح، من ذلك قولهم: رجل أعجم، وامرأة عجماء: إذا كانا لا يفصحان ولا يبينان كلامهما. وكذلك العُجم والعَجم، ومن ذلك قولهم: عَجَم الزبيب وغيره -وعَجَم الزبيب: حَبُّه الذي في جوفه- إنما سمي عجمًا؛ لاستتاره وخفائه بما هو عجم له. ومن ذلك قوله #: ((جرحُ العجْماء جُبار)) -معنى ((جُبار)) أي: هدر. معناه كما قال الأزهري: أن البهيمة العجماء تنفلتُ فتتلف شيئًًا فهو هدر- يراد به -كما قال ابن جني-: البهيمة -يراد بالعجماء البهيمة-؛ لأنها لا توضح عما في نفسها. ومن ذلك تسميتهم صلاتَي الظهر والعصر: العجماوين؛ لما كانتا لا يُفصح فيهما بالقراءة. قال أبو علي: ومن ذلك قولهم: عجمت العود، ونحوه، إذا عضضته. قال: وهو يحتمل أمرين، كل واحد منهما راجع إلى ما قدمناه:

أحدهمَا: أنه قيل: عجمت؛ لأنك لما أدخلته فاك لتعضَّه، فقد أخفيته في فيك.

والآخرُ: أنك قد ضغطت بعض أجزائه بالعجم، فأدخلت بعضها في بعض، فأخفيتها، وربما سمَّت العرب الأخرس أعجمَ من هذا. فأما قول ذي الرمة:

حتى إذا جعلتْه بين أظهرها

*من عجمة الرمل أنقاء لها حبب

 فالعجمة: معظم الرمل وأشده تراكمًا؛ سُمي بذلك لتداخله واستبهام أمره على سالكه”.

والأنقاء: جمع نقن، وهو الرمل المحدودب المنقات.

والحبب: جمع حبة، ومعناها: الطريقة في الرمل.

والهاء في قوله: “جعلتْه” ضمير راجع إلى الثور الوحشي.

المعنى الإجمالي للبيت: حتى إذا صار الثور وسط الرمال أدركه الليل، وضم الظلام عليه حُلَّته والمقصود أن الليل ستره، كما يفهم من البيت بعده -الذي أضافه أو أشار إليه محققو (سر صناعة الإعراب) وهم مصطفى السقا وآخرون- وهو:

 ضم الظلام على الوحشي شملتَه


*ورائح من نشاص الدلو منسكب

ويتابع ابن جني كلامه قائلًا:

ومنه قولهم: استعجمت الدار إذا صمَّتْ، فلم تجب سائلها، قال امرؤ القيس:

صم صداها وعفا رسمها

*واستعجمت عن منطق السائل

 والصمم -كما هو معروف-: انسداد الأذن، وثقل السمع، والفعل منه صم، والصدى: ما يرجع عليك من صوت الجبل، وإسناد الصمم إلى الصدى في البيت؛ لتخيل أن الصدى يسمع المتكلم فيجيب، فإذا لم يجب فكأن به صممًا، ومعنى استعجمت الدار؛ أي: سكتت؛ ولذلك عداه بـ”عن”، والمراد أن هذه الدار لم تجب السائل عما يسأل، وذهبت آثارها التي تدل على أصحابها.

والذي جاء في المعاجم لا يكاد يخرج عما ذكره ابن جني، فقد ذكر ابن فارس في (مقاييس اللغة) في مادة “ع ج م”: أن للعين والجيم والميم ثلاثة أصول أحدها يدل على سكوت وصمت، ومثل له بالرجل الذي لا يفصح، ومثل له أيضًا بالمرأة العجماء بينة العجمة، ومثل له أيضًا بالصبي الأعجم الذي لا يتكلم ولا يفصح.

وقد ذكر الجوهري في (مختار الصحاح) أن الأعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب، فالإعجام غير الإعراب في (الصحاح) و(اللسان)؛ ولذلك ذكروا قول رؤبة:

الشعر صعب وطويل سلمه

*إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه

*والشعر لا يسطيعه من يظلمه

يريد أن يعربه فيعجمه

*…. …. …. ….

ومعنى الإعجام هنا: أنه يحاول تبيانه وتوضيحه ولكنه يخفق في ذلك، أو أنه يأتي به ملحونًا شأنه في ذلك شأن العجم، أو أنه يريد أن يبين عنه فلا يقدر على ذلك؛ فيأتي به غير فصيح.

وحينما يضاف إلى ذلك المعنى السابق، معنى الإفصاح والإبانة وإزالة الإبهام والخفاء على نحو ما يقول ابن فارس: “وكتاب معجم وتعجيمه تنقيطه حتى تستبين عجمته”، فإن القضية تحتاج في هذه الحالة إلى تعليل وتوضيح، وقد تولى ذلك ابن جني من قبل فقال في كتابه (سر صناعة الإعراب) أيضًا:

“فإن قائل فيما بعد: إن جميع ما قدمته يدل على أن تصريف “ع ج م” في كلامهم موضوع للإبهام وخلاف الإيضاح، وأنت إذا قلت: “أعجمت الكتاب” فإنما معناه: أوضحته وبينته، فقد ترى هذا الفصل مخالفًا لجميع ما ذكرته، فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته؟

فالجواب أن قولهم: “أعجمت” وزنه: أفعلت، و”أفعلت” هذه وإن كانت في غالب أمرها إنما تأتي للإثبات والإيجاب؛ نحو: أكرمت زيدًا أي: أوجبت له الكرامة، وأحسنت إليه: أثبت الإحسان إليه، وكذلك أعطيته وأدنيته وأسعدته وأنقذته، فقد أوجبت جميع هذه الأشياء له، فقد تأتي “أفعلت” أيضًا يراد بها السلب والنفي، وذلك نحو: أشكيت زيدًا: إذا زلتَ له عما يشكوه، أنشدنا أبو علي قال: أنشدنا أبو زيد:

 تمد بالأعناق أو تلويها


*وتشتكي لو أننا نشكيها

أي: لو أننا نزول لها عما تشكوه”.

والراجز هنا يصف إبلًا قد أتعبها السير فهي تلوي أعناقها تارة وتمدها أخرى، وتشتكي إلينا فلا ننزع لها عن شكايتها. ومعنى شكواها: ما غلبها من سوء الحال والهزال، وهذا يقوم مقام كلامها.

يقول ابن جني: “ومثله قوله -عز اسمه-: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] تأويله -والله أعلم- عند أهل النظر: “أكاد أظهرها”. وتلخيص حال هذه اللفظة أي: أكاد أزيل عنها خفاءها، وخفاء كل شيء غطاؤه”.

ثم يقول ابن جني: “فكذلك أيضًا يكون قولنا: أعجمت الكتاب؛ أي: أزلت عنه استعجامه”. كما كان أخفيها: أزيل خفاءها أو خفاءها. ونشكيها بمنزلة: ندع لها ما تشكوه. ونظيره أيضًا: أشكلت الكتاب؛ أي: أزلت عنه إشكاله، وقد قالوا أيضًا: عجَّمت الكتاب فجاءت “فعلت” بالسلب أيضًا كما جاءت “أفعلت”.

وقد ذكروا في هذا المقام حروف المعجم، واختلفوا في تعليل هذا التركيب، ومعناه كما يقول ابن فارس: “قال الخليل: حروف المعجم هي الحروف المقطعة؛ لأنها أعجمية”. ثم يقول: “وأظن الخليل أراد بالأعجمية أنها لا تدل على شيء”.

والذي عندنا في ذلك أنه أريد بحروف المعجم هي حروف الخط المعجمي، وهو الخط العربي؛ لأنا لا نعلم خطًّا من الخطوط يعجم هذا الإعجام؛ حتى يدل على المعاني الكثيرة، ومعنى هذا أن كلمة المعجم هنا صفة المحذوف هو “الخط”، وأنها اسم مفعول من “أعجم”، ويكون المعنى كما ذهب إليه ابن فارس: حروف الخط الذي حدث به الإعجام.

وهذا الرأي لا يروق ولا يعجب ابن جني، فقد أنكر أن يكون المعجم صفة لحروف من وجهين:

أحدهمَا: أن “حروفًا” هذه لو كانت غير مضافة إلى المعجم لكانت نكرة، والمعجم كما ترى معرفة، ومحال وصف النكرة بالمعرفة.

والآخرُ: أن الحروف مضافة إلى المعجم، ومحال أيضًا إضافة الموصوف إلى صفته؛ والعلة في امتناع ذلك أن الصفة هي الموصوف على قول النحويين في المعنى، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة.

ثم بعد أن استطرد ابن جني ذاكرًا أمثلة أخرى لتوضيح ما قال، انتهى قائلًا:

“فكذلك لو كان المعجم صفة لـ”حروف”؛ لما جازت إضافتها إليه. وأيضًا فلو كان المعجم صفة لـ”حروف”؛ لقلت: المعجمة؛ يعني: الحروف المعجمة. كما تقول: “تعلمت الحروف المعجمة”، فقد صح بما ذكرنا أن المعجم ليس وصفًا لحروف. والصواب في ذلك عندنا -والكلام لابن جني-: ما ذهب إليه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد -رحمه الله تعالى- من أن المعجم مصدر بمنزلة الإعجام كما تقول: أدخلته مُدخلًا، وأخرجته مُخرجًا؛ أي: إدخالًا، وإخراجًا.

وحكى أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش أن بعضهم قرأ: “ومن يهن الله فما له من مُكرَم” بفتح الراء؛ أي: من إكرام. فكأنهم قالوا: هذه حروف الإعجام، فهذا أسدُّ وأصوب من أن يُذهب إلى أن قولهم: “حروف المعجم” بمنزلة قولهم: “صلاة الأولى” و”مسجد الجامع”؛ لأن معنى ذلك: صلاة الساعة الأولى أو الفريضة الأولى، ومسجد اليوم الجامع، فالأولى غير الصلاة في المعنى، والجامع غير المسجد في المعنى أيضًا، وإنما هما صفتان حذف موصوفاهما، وأقيمتا مقامهما، وليس كذلك حروف المعجم؛ لأنه ليس معناه: حروف الكلام المعجم، ولا حروف اللفظ المعجم، وإنما المعنى: أن الحروف هي المعجمة، فصار قولنا: “حروف المعجم” من باب إضافة المفعول إلى المصدر، كقولهم: هذه مطيَّة ركوب؛ أي: من شأنها أن تركب، وهذا سهم نضال؛ أي: من شأنه أن يناضل به، وكذلك حروف المعجم أي: من شأنها أن تعجم؛ فاعرف ذلك”.

انتهى كلام ابن جني.

ونخلص من كل هذا إلى: أن الإعجام يدل على التوضيح والتبيين للدلالة التي يمكن أن نسمِّيَها: الدلالة الصرفية أو دلالة الصيغة، وهي تختلف عن دلالة المادة التي ارتبطت بالخفاء والإبهام، وأنه يمكن اشتقاق لفظ المعجم بهذا المعنى من ذلك المصدر، فيكون معناه: الموضَّح، أو المبين، أو الذي حدث فيه التوضيح والتبيين، بعد أن كان ذا خفاء وإبهام، كما تشير إليه المادة الأصلية.

وإذا أصح هذا فإننا لا نجد عناءً كبيرًا في الربط بين المعنى اللغوي للفظ “معجم”، وذلك المعنى الاصطلاحي الذي شاع استخدامه فيه منذ زمن طويل، وربما لا نحتاج في ذلك إلى افتراض أنَّ هذا الاصطلاح قد لوحظ فيه دائمًا الترتيب على حروف المعجم، على نحو ما ذهب إليه بعضهم من أن هذه التسمية الاصطلاحية كانت من قولهم: “كتاب كذا على حروف المعجم”. فاختصروها وساروا في طريقين، قالوا: “كتاب كذا على الحروف لفلان” بحذف كلمة المعجم. وقالوا: “معجم كذا لفلان” بحذف كلمة حروف، وتغيير ترتيب الكلمات.

وربما أيدنا في هذا أن تلك الدواوين الجامعة لمفردات اللغة في العربية لم يطلق أحد من مؤلفيها على مؤلَّف له تلك التسمية، وإنما كانوا يسمونها بأسماء مختلفة، على نحو ما سنراه، إن شاء الله.

ولا يعرف أحد إلى الآن متى أُطلق هذا الوصف على المعجمات اللغوية؛ ومن ثم فقد افترض أن يكون ذلك الإطلاق قد تم في الوقت الذي أطلق فيه على الكتب الحديثية -أعني: كتب الحديث- مثل كتابي عبد الله بن محمد البغوي: المعجمين الكبير والصغير، ومعروف أنه قد وُلِدَ في سنة أربعة عشرة ومائتين من الهجرة. وهذا افتراض غير مسلَّم به؛ لأنه لا يجيب عن سؤال مهم، ملخصه:

لماذا بقي اسم المعجم بالنسبة لكتب الحديث وغيرها مما ألِّف في هذه الفترة، ولم يصل إلينا معجم لغوي بتلك التسمية، ما دام الملاحظ في التسمية هو الترتيب على حسب الحروف؟

لقد وردت إلينا أسماء كتب كثيرة مما أطلق عليها اسم المعجم في العصور السالفة منها: كتابا البغوي السالفا الذكر، ومنها أيضًا كتاب أبي بكر النقاش المتوفَّى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة للهجرة في أسماء القراء، وقد ألف إبراهيم بن أحمد البلخي المعروف بالمستملي المتوفَّى سنة ست وسبعين وثلاثمائة معجمًا للشيوخ، كما وضع أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني المتوفَّى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة معجمًا للشعراء، وذكر فيه أسماء نحو من خمسة آلاف شاعر رتَّب أسماءهم بترتيب حروف المعجم.

وتوالى التأليف في سائر العلوم على هذا النحو حتى وصل إلى العصور الحديثة، وشاع إطلاق لفظ المعجم على كل كتاب تتبع فيه هذه الطريقة، وترتب معلوماته على هذا النحو.

ومهما يكن فقد شاع إطلاق لفظ المعجم على كل كتاب أو ديوان يجمع بين دفتيه ألفاظ لغة أو أكثر أو جزءًا من تلك الألفاظ، مع ملاحظة ترتيبها ترتيبًا ما، وتعريفها وشرحها وتأييدها بالشواهد، وقد يطلق على شكل تلك الكتب أيضًا لفظ “القاموس”، ويقال: إن ذلك كان نتيجة لما حازه (معجم القاموس) للفيروزآبادي من شهرة وانتشار بين الناس.

وهذا الاسم لا شك فيه ولا غموض، ومعنى “القاموس”: البحر الواسع الشامل، وقد كثر تداول (القاموس المحيط) للفيروزآبادي، ولما كثر تداوله في أيدي المتأخرين، وقصروا جهودهم عليه؛ اكتفوا بتسميته بـ”القاموس”، ثم ذاع هذا الاستعمال حتى أصبح مرادفًا لكلمة “معجم لغويّ”، وأطلق على جميع المعاجم اللغوية الأخرى المتقدمة والمتأخرة.

وقد أقرَّ مجمع اللغة العربية هذا الإطلاق الذي شاع في عصرنا، فقد جاء في (المعجم الوسيط) القاموس: البحر العظيم، والقاموس: عَلَم على معجم الفيروزآبادي، والقاموس: كل معجمٍ لغويٍّ على التوسع.

ولما كانت كلمة “القاموس” تعني: البحر؛ فقد حرص بعض اللغويين على إطلاق اسم البحر أو صفة من صفاته على مؤلفاتهم، فقد أطلق الصاحب ابن عباد على معجمه اسم (المحيط)، وأطلق ابن سيده على معجمه اسم (المحكم والمحيط الأعظم) وسمى الصاغاني معجمه (العباب) أو (مجمع البحرين)، وسمى الفيروزآبادي -المتوفَّى سنة ست عشرة وثمانمائة- معجمه (القاموس المحيط). كما أسهم أحمد فارس الشدياق المتوفَّى سنة سبع وثمانين وثمانمائة وألف من الميلاد في شيوع كلمة “قاموس” بمعناها المولَّد؛ أي: بمعنى كلمة معجم، عندما وضع كتابه (الجاسوس على القاموس).

واللافت للنظر أن ابن خلدون المتوفى سنة ثمان وثمانمائة من الهجرة، عندما تحدث عن علم اللغة، وذكر الكتب المصنفة فيه، لم يستعمل لفظ “المعجم”، وإنما ذكر هذه المؤلفات على أنها كتب أو دواوين.

ومما ينبغي ملاحظته: أن لفظ “المعجم” الذي يطلقه اليوم على الكتب اللغوية الجامعة للمفردات، وعلى ما يشبهها مثل: كتب الأعلام والمصطلحات… وما إليها، تتسع دلالته أحيانًا فيطلق على ألفاظ أو مفردات اللغة نفسها؛ فيقال: معجم العربية، أو معجم الإنجليزية… إلى آخره، ويعبر به حينئذ عن الثروة اللفظية التي تتمتع بها لغة من اللغات، أو عما كان القدماء يسمونه باللغة أو بمتن اللغة، وقد يطلقون عليه أحيانًا مصطلح: (فقه اللغة)؛ ومن ثم يكون اللفظ مستعملًا في الموضوع وفي الكتاب المؤلَّف فيه، وهنا تختلف وتتنوع النظرة الدراسية، فنراها تتجه أحيانًا إلى دراسة مفردات وألفاظ اللغة أو متنها، بينما تتجه في أحيان أخرى إلى دراسة فن ونظم، وجمع تلك المفردات والمحافظة عليها وتوضيحها لفظًا ودلالة.

وإذا كانت النظرة الأولى تعني دراسة المعجم اللغوي للغة بالمعنى الواسع؛ فإن النظرة الثانية سوف تعني دراسة المعجم اللغوي للغة بالمعنى الضيق، فالدراسة الأولى تتجه إلى المنهج على حين تأخذ الدراسة الثانية جانب التطبيق والتنفيذ، فهي أقرب إلى الممارسة والواقع؛ ولذا يميل بعضهم إلى إطلاق لفظ “الفن” وإضافته إليها، فيتردد أحيانًا مصطلح: “فن المعجم” أو “فن المعاجم” في هذا المجال.

يتلخصُ لنا من كل ما سبقَ: أن لفظ “المعجم” قد جرى استعماله في عدة أمور من أهمها:

أولًا: مصدر بمعنى الإعجام، أو إزالة الخفاء، والغموض بالنقط، كما في قولهم: حروف المعجم، أو اسم مفعول من ذلك المعنى.

ثانيًا: المعجم اسم لكل كتاب في فن من الفنون، يرتب مادته تبعًا لترتيب حروف المعجم: أ، ب، ت، ث… إلى آخره.

ثالثًا: المعجم تعبير عن الثروة اللفظية لأية لغة من اللغات.

رابعًا: المعجم تعبير عن جانب أو منهج من مناهج دراسة اللغات.

خامسًا: المعجم اسم أو وصف لكل مؤلف يجمع ألفاظ لغة أو أكثر أو بعضها، مع ترتيبها وشرحها وتأييدها بالشواهد.

ومن الملاحظ: أن الاستعمالات الثلاثة الأخيرة تتصل باللغة جمعًا ودراسة وتأليفًا، أعني: حينما يكون المعجم تعبيرًا عن الثروة اللفظة لأية لغة، وحينما يكون المعجم تعبيرًا عن جانب أو منهج من مناهج دراسة اللغة، أو حينما يكون المعجم اسمًا أو وصفًا لكل مؤلف يجمع ألفاظ لغة أو أكثر أو بعضها، هذه الاستعمالات الثلاثة تتصل باللغة جمعًا ودراسة وتأليفًا؛ ومن ثم فهي مترابطة وينصرف الذهن سريعًا عند ذكر لفظ “المعجم” إلى أحدها.

والاستعمال الخامس والأخير أكثرها شيوعًا.

أقول: ينصرف الذهن سريعًا عند ذكر اللفظ المعجم بهذا المعنى، وبخاصة عندما نذكر صيغة الجمع فيقال: معاجم اللغة أو معجماتها، وكذلك عندما يجري التمييز في مجالات علم اللغة فيقال: علم المعاجم، أو فن المعاجم، أو المعجمات.

وهذا هو المعنى الاصطلاحي للمعجم، المعنى الأخير هذا هو المعنى الاصطلاحي للمعجم.

فالمعجم: كتاب يضم أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشروحها وتفسير معانيها على أن تكون المواد مرتبة ترتيبًا خاصًّا، إما على حروف الهجاء أو الموضوع، والمعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة مصحوبة بشرح معناها واشتقاقها وطريقة نطقها وشواهد تبين مواضع استعمالها، مع الترتيب المشار إليه آنفًا. ولا يطلق المعجم على غير هذا، فإذا جمعنا كل ألفاظ اللغة في كتاب، ولم نقرن ذلك بالشرح والتفسير فإنه لا يسمى معجمًا، وكذلك لا يسمى معجمًا إذا وضعنا فيه كلمات معدودة مشروحة، كما لا يسمى معجمًا إذا وضعنا فيه كلمات اللغة مشروحة دون ترتيب، بل لا بد أن يكون المعجم كما عرَّفناه ووصفناه.

error: النص محمي !!