Top
Image Alt

معنى “لا” وأحكامها

  /  معنى “لا” وأحكامها

معنى “لا” وأحكامها

هذا الحرف يفيد نفي الحكم عن المعطوف بعد ثبوته للمعطوف عليه، تقول: “يفوز الشجاع لا الجبان”، فـ “لا” هنا حرف عطف ونفي، والجبان: معطوف على الشجاع، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو فوز الشجاع، وقد نُفي الفوز عن المعطوف؛ أعني الجبان بسبب أداة النفي “لا”، ومثل هذا يقال في “لا” التي في الشطر الثاني من قول الشاعر:

القلب يدرك ما لا عينَ تدركه

*والحسنُ ما استحسنته النفسُ لا البصر

فهي حرف عطف ونفي، والبصر: معطوفٌ على النفس، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو نسبة الاستحسان إلى النفس مع نفي هذا الاستحسان عن البصر.

ولكي يكون “لا” عاطفًا لا بد من اجتماع شروط خمسة فيه:

الشرط الأول: أن يكون المعطوف مفردًا لا جملة.

الشرط الثاني: أن يكون الكلام قبله موجبًا لا منفيًّا، ويدخل في الموجب هنا الأمر والنداء.

الشرط الثالث: ألا يكون أحد المتعاطفين داخلًا في مدلول الآخر، ومعدودًا من أفراده التي يصدق عليها لفظه؛ أي باختصار: ألا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر، فلا يصح: مدحت رجلًا لا قائدًا؛ لأن الرجل -وهو المعطوف عليه- ينطبق على أفرادٍ كثيرة، تشمل المعطوف وهو القائد وتشمل غيره، ولا يصح أن تقول: أكلت تفاحًا لا فاكهة؛ لأن الفاكهة وهي المعطوف تشمل المعطوف عليه وهو التفاح، ويصدق اسمها عليه، لكن يصح أن تقول: مدحت رجلًا لا فتاة، وأكلت فاكهة لا خبزًا، إذ لا يصدق أحد المتعاطفين على الآخر.

الشرط الرابع: ألا تقترن كلمة “لا” بعاطف؛ لأن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف مباشرة، فإن اقترنت به كان العطف به وحده وتمحضت هي للنفي الخالص، نحو قولك: “أسابيع الشهر ثلاثة لا بل أربعة”، فالعاطف هو “بل”، وقد عُطف أربعة على ثلاثة، أما “لا” فليست هنا عاطفة، وإنما هي مجرد حرف نفي لإبطال المعنى السابق وردِّه.

الشرط الخامس: أن يكون ما يدخل عليه مفردًا صالحًا لأن يكون صفة لموصوفٍ مذكورٍ، ولأن يكون خبرًا أو حالًا، فإن صلح لشيء من هذا كانت للنفي المحض، وليست عاطفة ووجب تكرارها، فمثال المفرد الصفة: “هذا بيتٌ لا قديم ولا جديد”، فكلمة “لا” هنا نافية، وقولك: قديم: نعت لـ بيت.

ومثال الخبر: الغلام لا صبي ولا شاب، والشاب لا غلام ولا كهل، ومثال الحال: عرفت العاطل لا نافعًا ولا منتفعًا.

وزاد الزجاج شرطًا آخر: وهو ألا يكون المعطوف عليه معمولَ فعل ماض، فلا يجوز في نظره أن تقول: جاءني زيد لا عمرو، قاصدًا أن تكون “لا” هنا حرف عطف، ولكن العلماء ردوا على الزجاج بقول امرئ القيس:

كأن دِثارًا حلّقت بلبونه

*عقاب تنوفي لا عقاب القواعل

 

الدثار: اسم رجل، كان راعيًا لامرئ القيس من قبيلة بني أسد، وقوله: “حلّقت” أي: ارتفعت، واللبون: الإبل ذوات اللبن، وقوله: “عقاب”: طائر من الكواسر، وتنوفي: اسم موضع في جبال طيئ، وكانوا قد أغاروا على إبل امرئ القيس من جهته، ويروى: “تنوفٍ”، والقواعل: موضع مما يلي تنوفي، وصف هذا الشاعر راعي إبله، وقد أغار أعداؤه عليها فتفرقت، فهو يقول: كأن عقاب قد طارت بهذه الإبل فصعدت بها فوق جبل تنوفي، وهو جبل معروف بعلوّه الشاهق، فلا يقدر أحد على الوصول إليها.

وقوله: “كأن دِثارًا”، كأن: حرف تشبيه ونصب، ودثار: اسم كأن منصوب بالفتحة الظاهرة، وحلقت: فعل وفاعل، بلبونه: جار ومجرور، وهو مضاف، وضمير الغائب العائد إلى الراعي دثار مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بقوله: حلقت، وعقاب: فاعل حلقت، وعقاب: مضاف، وتنوفي: مضاف إليه، وجملة “حلّقت”: في محل رفع خبر كأن، قوله: “لا عقاب القواعل”، لا: حرف عطف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، عقاب: معطوف على عقاب الأول، وعقاب: مضاف، والقواعل: مضاف إليه، والشاهد فيه: أن “لا” العاطفة قد عطفت قوله: “عقاب القواعل”، على قوله: “عقاب تنوفي”، والمعطوف عليه معمول لفعل ماض، وهو قوله: “حلقت”؛ لأنه فاعله، وفيه رد على الزجاج الذي اشترط أن يكون المعطوف عليه بلا غير معمول للفعل الماضي.

error: النص محمي !!