Top
Image Alt

معنى “لكن”، وأحكامها

  /  معنى “لكن”، وأحكامها

معنى “لكن”، وأحكامها

“لكن” حرف عطف معناه الاستدراك نحو: “ما صاحبت الخائن، لكن الأمين”، فالأمين معطوف على الخائن، ومعنى الاستدراك تعقيب الكلام بإزالة بعض الخواطر والأوهام التي ترد على الذهن بسببه، وهو يقتضي أن يكون ما بعد أداة الاستدراك مخالفًا لما قبلها في الحكم المعنوي.

ولا يكون “لكن” عاطفًا إلا باجتماع شروط ثلاثة:

الشرط الأول: أن يكون المعطوف بـ”لكن” مفردًا طبقًا للرأي الأقوى والأشهر من أقوال العلماء؛ فلا يصح أن يكون جملة، من أمثلة ذلك: “ما قطفت الزهر لكن الثمر”، فإن لم يكن مفردًا وجب اعتبار “لكن” حرف ابتداءٍ واستدراكٍ معًا وليس عاطفًا، ووجب أن تكون الجملة بعده مستقلة في إعرابها عن الجملة التي قبله، نحو: “ما قطفت الزهر لكن قطفت الثمر”، فكلمة “لكن” حرف ابتداء واستدراك معًا ولا يفيد عطفًا، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها؛ لأن “لكن” الابتدائية لا تدخل إلا على جملة جديدة مستقلة من الناحية الإعرابية.

ومن شواهد دخولها على الجملة وتكون للابتداء لا للعطف: قول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني

*ولكن تُأخذ الدنيا غِلابا

وواضح أن الجملة هنا جملة فعلية، ومن ذلك: قول الشاعر الآخر يصف حياته:

حياة مشقات ولكن لبعدها

*عن الذل تصفو للأبي وتعزو

والجملة أيضًا جملة فعلية.

ومن أمثلة الجملة الاسمية: قول زهير بن أبي سلمى يمدح الحارث بن ورقاء:

إن ابن ورقاء لا تُخشى بوادره

*لكن وقائعه في الحرب تُنتظر

البوادر: جمع بادرة، وهي الأمر يبدر من الإنسان عند الغضب، والوقائع: جمع وقيعة، وهي إنزاله الشر بالأعداء، وتُنتظر: أي تتوقع ويرتقب حصولها وتُخشى، والشاهد فيه: مجيء “لكن” حرف ابتداء لا حرف عطف، لكون الواقع بعدها جملة من مبتدأ وخبر، وإعراب البيت هكذا: “إن ابن ورقاء”: إن: حرف توكيد ونصب، وابن: اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة، وابن: مضاف، وورقاء: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف لاختتامه بألف التأنيث الممدودة.

“لا تخشى بوادره”: لا: حرف نفي، وتُخشى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف، بوادر: نائب فاعل للفعل تخشى، وبوادر: مضاف، وضمير الغائب العائد إلى ابن ورقاء: مضاف إليه، وجملة الفعل المبني للمجهول مع نائب فاعله في محل رفع خبر إن، قوله “لكن”: حرف ابتداء مبني على السكون لا محل له من الإعراب، “وقائعه” وقائع: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، ووقائع: مضاف، وضمير الغائب العائد لابن ورقاء: مضاف إليه.

قوله: “في الحرب تنتظر”: في: حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، الحرب: مجرور بفي والجار والمجرور متعلق بقوله “تُنتظر” الآتي، أو بمحذوف حال من وقائعه، أو من الضمير المستتر في تنتظر، العائد إلى وقائعه، تنتظر: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله: ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى وقائعه، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.

الشرط الثاني: ألا يكون هذا الحرف مسبوقًا بالواو مباشرة نحو: قولك: “ما صافحت المسيء، لكن المحسن”، فإن سبقته الواو مباشرة لم يكن حرف عطف، واقتصر على أن يكون حرف استدراك وابتداء كلام، فوجب أن تقع بعده جملة فعلية أو اسمية تُعطف بالواو على الجملة التي قبلها، فمثال الفعلية قولك: “ما صافحت المسيء، ولكن صافحت المحسن”، وقول الشاعر:

إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن

*قضاءً ولكن كان غرمًا على غرم

 

ومثال الاسمية: قول الشاعر:

وليس أخي من ودّني رأيَ رأي عينيه

*ولكن أخي من ودني وهو غائب

فالواو هنا حرف عطف، ولكن حرف استدراك وابتداء كلام، والجملة بعدها معطوفة بالواو على الجملة التي قبلها.

الشرط الثالث: أن تكون مسبوقة بنفي أو نهي، كما في الأمثلة السابقة، وكما في قوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] أي: ولكن كان رسولَ الله وخاتم النبيين.

إن “لكن” حرف استدراك دائمًا؛ سواء أكان عاطفًا أم غير عاطف، لكن لا يكون عاطفًا إلا بشروط ثلاثة مجتمعة؛ فإن فُقد منها شرط أو أكثر لم يكن عاطفًا، ووجب دخوله على الجمل واعتباره حرف استدراك وابتداء معًا.

يقول ابن مالك موجزًا حكم “لكن”، و”لا” أيضًا العاطفتين:

وَأولِ لكِن نَفيًا أو نَهيًا وَلاَ

*نداءً أو أمرًا أوِ إثبَاتًا تَلاَ

 
error: النص محمي !!