Top
Image Alt

مفاوضة الصلح مع غطفان، وإسلام نعيم بن مسعود

  /  مفاوضة الصلح مع غطفان، وإسلام نعيم بن مسعود

مفاوضة الصلح مع غطفان، وإسلام نعيم بن مسعود

أ. مفاوضة الصلح مع غطفان:

ولما اشتد الخطبُ على المسلمين، رأى النبيُّ صلى الله عليه  وسلم أنه كي يكسر حدة هذه الجموع،  يجب أن تخرج الأعراب وبخاصةً غطفان التي كانت شديدة البأس، كثيرة العدد في الأحزاب، فدعا شيخيها: عُيينة بن حصن، والحارث بن عوف المري، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، وجرى بينه صلى الله عليه  وسلم وبينهما الصلح على هذا حتى كتبوا الكتاب.

ولكن لم تقع شهادة ولا عزيمة على الصلح اللهم إلا المفاوضة والمراودة في هذا الأمر؛ لأن أصحاب الأمر والثمار بعد ذلك هم أهل “المدينة”، وإن كانوا لن يرجعوا عن أمر أمضاه النبي صلى الله عليه  وسلم، ولكنا كما نعرف بأنه صلى الله عليه  وسلم ما كان يبرم أمرًا من الأمور الخطيرة إلا بعد أن يأخذ فيه المشورة؛ لذلك دعا سعدًا بن معاذ وسعدًا بن عبادة -سيدي الأوس والخزرج. وعرض عليهما ما فاوض عليه هذين الرجلين، وهنا فطن الرجلان لهذا الأمر، وهذا العمل؛ فقالا: يا رسول الله أمرٌ أمرك الله به فلا نتأخر، ولا نتقدم عنه، وما علينا إلا أن نلتزم به، أو أمرٌ تحب أن نصنعه فنصنعه، لأنك تحب ذلك، أو أنك تفعل ذلك من أجلنا، تفعله لنا، قال النبي صلى الله عليه  وسلم: بل أفعل هذا من أجلكم ولكم، فإني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.

وهنا ظهر الإيمان واضحًا عند هذين الرجلين اللذين كانا يتكلمان بلسان الأنصار جميعاً، قالا: يا رسول الله! لقد كنا نحن وهؤلاء -أي: المشركون- لا نعرف الله، ولا نعبده، وكنا معهم على الشرك، وكانوا لا يطمعون في تمرة من تمر المدينة إلا قرىً -أي: ضيافة- أو بيعًا، أفبعد أن أكرمنا الله بك، وأعزّنا بالإسلام، وعبدنا الله، نعطيهم أموالنا؟ لا، والله ما نعطيهم إلا السيف، والله يحكم بيننا وبينهم.

فرضي النبي صلى الله عليه  وسلم بذلك الأمر، وحمد الله أن كان هذا رأي السعدين.

ب. إسلام نعيم بن مسعود:

ومن فضل اللهعز وجل ونعمته على المسلمين؛ إذ جاء برجل من صفوف الأحزاب هو “نعيم بن مسعود الأشجعي”، والذي كان قد استعمله أبو سفيان من قبل عند بدر الموعد حتى يخذل المسلمين، ويقول لهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل} [آل عمران: 173].

فقد قذف الله في قلبه الإيمان والإسلام في هذه المحنة، فجاء متسترًا يعرض إسلامه على النبي صلى الله عليه  وسلم، ويشهد شهادة التوحيد، ويسأل النبي صلى الله عليه  وسلم أن يوجهه إلى عمل يقوم به في صفوف الأحزاب، فَسُرَّ النبيُّ صلى الله عليه  وسلم بإسلامه، وقال: إنما أنت رجلٌ واحدٌ، فخذّل عنا بما استطعت.

وهنا خرج نعيم بن مسعود يباشر براعته في أمثال هذه المواقف، وفي السعي بين الناس، كما سعى من قبل بين المسلمين وبين قريش لما استعمله أبو سفيان، فقد خرج إلى بني قريظة الذين كان له ودٌّ معهم، فلما دخل عندهم أبدى لهم نصحًا، وقال: تعرفون ودّي لكم؛ ثم تحدث معهم عن أمرهم الذي فعلوا، ولكأنه قبح ذلك الأمر لهم، وحذرهم منه، وقال: أنتم لستم كقريش، وغطفان، والأحزاب، فإن هؤلاء أصحاب فرصة، إذا وجدوها انتهزوها، وإن لم يجدوها عادوا إلى بلادهم وتركوكم مع الرجل، فأنتم تساكنونه في بلده، فماذا يكون الأمر بعد أن يرجع الأحزاب وقريش إلى بلادهم ويتركونكم؟ إذا لم يحاربوه، فقالوا له: بماذا تشير علينا؟ فعرض عليهم ألا يدخلوا القتال حتى يأخذوا رهنًا من قريشٍ، ومن الأحزاب، وقال لهم: حتى تضمنوا بهؤلاء الرهن أن سوف يقاتلون معكم، حتى يسـتأصلوا محمدًا وأصحابه. وخرج وذهب إلى أبي سفيان، وقال له: إن “بني قريظة” ندموا على ما فعلوا مع محمد، وعزموا على أن يكفروا عن خطئهم معه، بأن يأتوه برجالٍ منكم حتى يضرب أعناقهم فيكفروا بذلك عن خطأهم الذي فعلوا، وإذا بعثوا لكم على رهن منكم، فلا تعطوهم، فإنهم سوف يذهبون بهم إلى محمد ليقتلهم.

هنا أخذ أبو سفيان هذا الكلام مأخذ الجد، وبعث إلى “بني قريظة” يقول لهم: لقد هلك الخف والحافر -أي: الإبل والخيل، وأصبحنا بغير دار مقام، وأصابنا من البرد والشتاء ما أصابنا ولم نفعل شيئًا، وهنا عرض عليهم أن يخرجوا للقتال معهم حتى يتمكن الأحزاب من هزيمة المسلمين إذا دخلت معهم بنو قريظة، ولما عرض عليهم ذلك قالوا له: إن أمرنا ليس كأمركم، وإنا لن نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا منكم نضمن بهم أنكم ستواصلون القتال حتى تنتهوا من محمد وأصحابه.

ولكن لما رجع القوم إلى أبي سفيان، عرفوا بأن ما ذكره لهم نعيم بن مسعود عن اليهود إنما هو حقيقة، وقالوا: لقد صدقكم نعيم، وهكذا قال اليهود حين رفض هذا الوفد ما طلبوا من رهن لهم.

كذلك ذهب نعيم إلى قومه غطفان ناصحًا لهم، وقال لهم ما قاله لقريش، ولليهود، وأن اليهود لن يقاتلوا حتى يأخذوا الرهن. وبذلك وقعت الفتنة بين الأحزاب جميعهم.

error: النص محمي !!