Top
Image Alt

مفهوم الإمامة ومنزلتها عند الرافضة

  /  مفهوم الإمامة ومنزلتها عند الرافضة

مفهوم الإمامة ومنزلتها عند الرافضة

أ. مفهوم الإمامة عند الرافضة:

إن أول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة هو ابن سبأ، الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي صلى الله عليه وسلم ومحصورة بالوصي، وإذا تولَّاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره، وقد اعترفت كتب الشيعة بأن ابن سبأ كان أول من أشهر القول بفرض إمامة عليّ، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، وكفَّرهم؛ وذلك لأنه كان يهودي الأصل يرى أن يوشع بن نون هو وصي موسى، فلما أسلم أظهر هذه المقالة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وهذا ما تواضع عليه شيوخ الشيعة واعترفوا به، وذكروه؛ فهذا ابن بابويه القمي يسجل عقائد الشيعة في القرن الرابع فيقول: بأنهم يعتقدون بأن لكل نبيٍّ وصيًّا أوصى إليه بأمر الله تعالى، ويذكر أن عدد الأوصياء مائة ألف وصي، وأربعة وعشرون ألف وصي، كما يذكر المجلسي في أخباره أن عليًّا رضي الله عنه هو آخر الأوصياء، وجاء في بعض عناوين الأبواب في (الكافي) باب أن الإمام عهد من الله عز وجل معهود من واحد إلى واحد، وجاء أيضًا في (الكافي) باب آخر بعنوان باب: ما نص الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم على الأئمة واحدًا فواحدًا.

وقد ضمنها مجموعة من أخبارهم التي يعدُّونها من الأدلة التي لا يرقى إليها الشك، ولهذا قال شيخهم مقداد الحلي -وقد توفي عام ثمانية وواحد وعشرين: “بأن مستحق الإمامة عندهم لا بدَّ أن يكون شخصًا معهودًا من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تكون لأي شخص هكذا”.

ويقرِّر محمد حسين الكاشف الغطاء أحد مراجع الشيعة في هذا العصر يقول: “إن الإمامة منصب إلهيّ كالنبوة، فكما أن الله -سبحانه- يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيد بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه، فكذلك يختار للإمامة من يشاء، ويأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالنص عليه، وأن ينصِّبه إمامًا للناس من بعده”.

وهكذا نرى أن مفهوم الإمامة عندهم كمفهوم النبوة، فكما يصطفي الله سبحانه وتعالى من خلقه أنبياء، كذلك يختار سبحانه أئمة وينص عليهم، ويُعلم الخلق بهم، ويُقيم بهم الحجة، ويؤيدهم بالمعجزات، وينزل عليهم الكتب، ويوحي إليهم، وهكذا يستمرون في كلام كثير بعيد عن الحقيقة في معنى أو في مفهوم الإمامة.

ب. منزلة الإمامة عند الروافض:

الإمامة لها منزلة عظيمة عند الروافض، وذلك للأمور التالية:

الأمر الأول: الإمامة عندهم كالنبوة يقول محمد المظفر: “نعتقد أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو على لسان الإمام المنصوب بالنص” هكذا يقولون، إذا أراد أن ينص على الإمام -يعني: إذا أراد أن ينص الإمام السابق على الإمام- الذي يليه، وحكم الإمامة في ذلك عندهم -كما يذكر محمد المظفر- كحكم النبوة بلا فرق.

وقد ذكر أيضًا ذلك محمد حسين الكاشف الغطاء -وهو أحد مراجع الشيعة- أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، وذكر أن الله -تبارك وتعالى- كما أنه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيد بالمعجزة، كذلك يختار للإمامة من يشاء، ويأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالنص عليه.

ولذلك افترى المجلسي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: من لم يُقر بولايتي لم ينفعه الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم!! ولذلك لعلَّ الناظر في هذا يرى أن مفهوم الإمامة عندهم كمفهوم النبوة، وأنه كما يصطفي رب العباد من خلقه أنبياء يختار أيضًا أئمة وينص عليهم، ويذكر المجلسي أيضًا كلامًا يؤكّد ما أشرت إليه يقول فيه: “إن استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال”، ثم يقول: “ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية جلالة خاتم الأنبياء، ولا يصل إلى عقولنا فرق بين النبوة والرسالة”. يعني: بعد ما يتشكك شيئًا أو يتحير فيما ذهبوا إليه، يرجع بعد ذلك فيذكر، وينص على أن عقولهم لا ترى فرقًا بين النبوة وبين الإمامة.

الأمر الثاني: هي أن الإمامة عندهم أعظم وأجلُّ من النبوة، يقول في ذلك إمامهم زين الدين البياضي: وأكثر شيوخنا يفضلونه أي: علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أولي العزم لعموم رئاسته، وانتفاع جميع أهل الدنيا بخلافته، ويقول هادي الطهراني: الإمامة أجلُّ من النبوة فإنها مرتبة ثالثة شرَّف الله تعالى بها إبراهيم بعد النبوة والخلَّة، ويقول: نعمة الله الجزائري: “الإمامة العامة التي هي فوق درجة النبوة والرسالة”، كما عقد المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) بابًا عنون له بقوله: باب تفضيلهم -عليهم السلام- على الأنبياء، وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنه، وعن الملائكة، وعن سائر الخلق، وأن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم -صلوات الله عليهم.

وقد ذكر ثمانية وثمانين حديثًا يؤكد ما ذكره تحت هذا الباب ثم قال: “والأخبار في ذلك أكثر من أن تُحصى، وإنما أوردنا في هذا الباب قليلًا منها”، كما بوب أيضًا محمد الشهري في كتابه (ميزان الحكمة) بابًا سماه “تقدم الإمامة على النبوة”، ثم أورد الآية الكريمة وهي قول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ} [البقرة: 124] ثم نقل عن الكافي قوله: “إن الله -تبارك وتعالى- اتخذ إبراهيم عبدًا قبل أن يتخذه نبيًّا، وإن الله تعالى اتخذه نبيًّا قبل أن يتخذه رسولًا، وإن الله اتخذه رسولًا قبل أن يتخذه خليلًا، وإن الله اتخذه خليلًا قبل أن يجعله إمامًا، فلما جمع له الأشياء قال: إني جاعلك للناس إمامًا”، وهكذا استنبط هذا العبقري الفذّ من الآية، وبهذا التسلسل العجيب الذي يُضحك العقلاء أن الإمامة فوق النبوة، وأن تعيُّن الإمام أمر يفوق الرسالة، ويتعدى إرسال الرسل بمراحل، ولا عجب في ذلك؛ فهذا الاستنباط على بطلانه أهون من تحريف آيات الله -تبارك وتعالى- وتأويلها على غير وجهها الصحيح، وأقل بكثير من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وهل بعد هذا يحتاج ذو بصيرة في دينه إلى أن أسوق له أدلَّة لأُبين له فساد هذا المعتقد.

الأمر الثالث: أن الإمامة عندهم أعظم ما بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وفي ذلك يقول شيخهم هادي الطهراني: “إن أعظم ما بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من الدين إنما هو أمر الإمامة”.

الأمر الرابع: كون الإمامة عندهم ركنًا من أركان الإسلام، بل أعظم أركان الإسلام؛ جعلهم بذلك يفضلون الإمامة على غيرها، وفي ذلك يروي الكليني عن أبي جعفر قال: “بني الإسلام على خمس على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم ينادِ بشيء كما نودي بالولاية؛ فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه” يعني: الولاية.

وعن زرارة عن أبي جعفر قال: “بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: قلت: وأيُّ شيء من ذلك أفضل فقال: الولاية لأنها مفتاحهنَّ”، وعن جعفر الصادق أنه قال: “أثافي الإسلام ثلاث -والأثافي جمع الأثفية بالضم أو بالكسر، وهي الأحجار التي تُوضع عليها القدر وأقلها ثلاثة، وهذه الثلاثة عنده- هي الصلاة، والزكاة، والولاية”، ثم قال: “لا تصح واحدة منهنّ إلا بصاحبتها”؛ فالولاية تأتي عندهم في الركن الخامس، وأحيانًا تأني في الركن الثالث، وهم قد كذبوا على هؤلاء الأئمة الذين ذكروا أقوالًا ونسبوها إليهم.

كما أن الولاية عندهم لا رُخصة فيها، فعن أبي عبد الله قال: “إن الله افترض على أمة محمد صلى الله عليه وسلم خمس فرائض: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وولايتنا؛ فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة، ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا، لا والله ما فيها رخصة”.

 وفي رواية: “بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى البيت، والجهاد، وولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه”.

ومن خلال كتبهم أذكر أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لها من الأهمية شيء عندهم إلى جانب الولاية، وقد رَوَوا عن الصادق في ذلك أنه قال: “عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله عز وجل فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالولاية لعلي والأئمة -عليهم السلام- أكثر مما أوصاه بالفرائض”. وقد ذُكر هذا في كتاب (بصائر الدرجات) و(بحار الأنوار) وغير ذلك من كتبهم، وقد فضحهم الكاشف الغطاء فقال: “ولكن الشيعة الإمامية زادوا ركنًا خامسًا، وهو: الاعتقاد بالإمام”.

قلت: كلمة التوحيد التي أهملوها وخالفوها، ووقعوا في الشرك عندما لم يلتزموا بها، هذه الكلمة لا يصح بدونها صلاة، ولا زكاة، ولا صيام، ولا حج، ولا جهاد، ولا رجاء، ولا خوف، ولا توكل، ولا إنابة، ولا استعانة، ولا استغاثة، ولا نذر، ولا ذبح، ولا يدخل الإنسان الإسلام أصلًا إلا بها، هذه الكلمة العظيمة ليس لها من الأهمية شيء عند هؤلاء، ولذلك يعجب الإنسان من ذلك.

ثم إن جعل الرافضة الإمامة ركنًا من أركان الإسلام مخالفٌ لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد جاء في (نهج البلاغة) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها”، وجاء أيضًا قوله: “دعوني والتمسوا غيري، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا”، وجاء في تفسير فرات قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لما نزلت الآية: {قُل لاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَىَ} [الشورى: 23] قال جبرائيل عليه السلام: يا محمد إن لكل دين أصلًا ودعامة، وفرعًا وبنيانًا، وإن أصل الدين ودعامته قول: لا إله إلا الله، وإن فرعه وبنيانه محبتكم أهل البيت، وموالاتكم فيما وافق الحق ودعا إليه)). هكذا يذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهذه النصوص عنه تبين مدى مخالفة هؤلاء الناس لإمامهم الذي ينتسبون إليه.

حكم من أنكر أحدًا من أئمة الرافضة:

الإمامة صنو النبوة أو أعظم عند الرافضة، وهي أصل الدين وقاعدته الأساسية عندهم، ولهذا جاء حكم الشيعة الرافضة الاثنا عشرية على من أنكر إمامة واحد من أئمتهم الاثنا عشر مكملًا لهذا الغلو؛ حيث حكموا عليه بالكفر والخلود في النار.

قال ابن بابويه: “واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقرَّ بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء، ثم أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم”.

وهذا النص يقتضي أن الاثنا عشرية إذًا تُكفّر كل فرق المسلمين، حتى فرق الشيعة التي وجدت على مدار التاريخ، مع أنها تتلقى عنهم دينها؛ لأن رواتهم من رجالها، وهم -أعني: وربما البعض منهم- لا يقولون بتكفير من لم يؤمن بإمامة أحد من الأئمة الذين اتخذهم الشيعة.

وقال شيخهم الطوسي: “ودفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر؛ لأن الجهل بهما على حدٍّ واحد، وهذا -فيما يبدو- لم يُقنع ابن المطهر الحلّي؛ فرأى أن إنكار إمامة الاثنا عشر أعظم من إنكار النبوة، وهذا من الغلوّ بمكان، يعني: عندما يأتي إنسان ليقرّ، وليذكر بأن إنكار إمام واحد من أئمة الرافضة يكون أعظم من إنكار النبوة، هذا غلوٌّ زائدٌ كما هو واضح، ويقول ابن المطهر في هذا المعتقد الذي يعتقده هو، وهو فاسد يقول: “الإمامة لطف عام، والنبوة لطف خاص؛ لإمكان خلو الزمان من نبي حيّ بخلاف الإمام، وإنكار اللطف العام شرٌّ من إنكار اللطف الخاص”.

فهو إذًا يجعل من لم يؤمن بأئمتهم أشدُّ كفرًا من اليهود والنصارى، وقد بنى ذلك على أن الزمان لا يخلو من إمام، وهو إشارة إلى عقيدتهم بالإيمان بوجود إمامهم المنتظر الغائب، والذي أنكره بعض طوائف من الشيعة، وقرَّر المحققون من علماء النسب والتاريخ أنه لم يُولد أصلًا، ولكن شيخ الشيعة يرى أن إنكاره أعظم من الكفر.

وينقل شيخهم المفيد اتفاقهم على هذا المذهب في تكفير أمة الإسلام فيقول: “اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة؛ فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار”، وبلغ الأمر بشيخهم نعمة الله الجزائري أن يُعلن انفصال الشيعة عن المسلمين بسبب قضية الإمامة فيقول: “لم نجتمع معهم على إله، ولا نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي؛ بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيِّه أبو بكر ليس هو ربنا، ولا ذلك النبي نبينا”.

وبعد هذا التكفير العام خصَّصوا باللعن والحكم بالرّدّة جميع فئات المسلمين ما عدا الاثنا عشرية، فتناول تكفيرهم على هذا الصحابة رضي الله عنهم وعلى رأسهم خير هذه الأمة بعد خاتم الأنبياء أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، كما كفروا أيضًا سائر أهل البيت الذين لا يقولون بقولهم، كما كفروا خلفاء المسلمين وحكوماتهم، وسائر الأمصار الإسلامية، وأئمة المسلمين وعامتهم.

error: النص محمي !!